هيا ندافع عن صورة المغرب!

 

 

 

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

 

أدّت الصدمة التي خلفتها مسيرةُ الهجرة، منذ أسابيع، إلى ردّات فعل مختلفة، منها الدخول في حملة دفاع شرسة عن البلاد، ضدّ “هجوم الأعداء ولؤم الجيران وتشفّي الرفاق”. وبسرعة، تحوّل النقاش من أسباب هجرة الناس بهذه الكثافة إلى الدعوة إلى تفادي انتقاد الأوضاع: لا تتحدّثوا عن غسيلنا أمام العالم، بل دافعوا عن شرف المغرب الذي عُفّر بتراب الشريط الحدودي مع سبتة.

في وضع طبيعي كان يجب أن تلي موجة الاحتجاج، التي خرج فيها هؤلاء الهاربون من “جنة الوطن”، موجة تضامنٍ واسعةٍ، لأنّ الإنسان حين يلجأ إلى هذا الحلّ يكون قد انقطعت به سُبل الأمل. هروب الناس أشدّ أنواع الاحتجاج، يفوق حتّى إحراق النفس الذي صار شكلاً احتجاجياً متكرّراً منذ أحرق محمّد بوعزيزي نفسه، لأنّ الإحراق غالباً ما يكون استسلاماً بقدر ما هو احتجاج. بينما هؤلاء الشباب لم ييأسوا من الحياة، بل من الوطن فقط.

بدل ذلك، انزعج بعضهم من النقاش المحتدم في الجارة إسبانيا التي تملك عدداً هائلاً من وسائل الإعلام، في بيئة تقدّس حرّية التعبير. والإسبان، للحقّ، يحبّون الكلام. ووجدوا أنفسهم يندبون، لأنّ “الإسبان يهاجموننا”. لكنّ الجيران في الضفّة الشمالية يتحدّثون في إعلامهم عن مشاكلهم، ونحن الآن أكبرها. هل ننكر عليهم هذا؟

هم لا يجمّلون وجههم أمامنا، لأنّهم غير معتادين على ذلك، ولا يخوضون حرباً إعلامية ضدّنا كما يقول الذين في فِكرهم حجر؛ هم خائفون وقلقون، ونحن أيضاً، لكنّ أصواتنا لا ترتفع، لأنّ إعلامنا التلفزيوني رسمي حصراً، ويتعامل بمنطق: كم حاجة قضيناها بتركها. هل هم محقّون في قولهم؟ ربّما لا، لكنّها قصّتهم يرونها داخل حدودهم، فماذا نروي نحن؟

المسألة لم تكن لماذا يريد هؤلاء كلّهم الهجرة؟ بل من سمح بها؟ … هؤلاء الشباب كلّهم يائسون؟ نعم، وأكثر من ذلك بكثير. وحين جرّبوا الاحتجاج وطالبوا بتحسين أوضاعهم، منذ شهور، حوصروا، واعتُقل منهم المئات، لأنّهم طالبوا فقط بحقوق بديهية. وفي هذه الحالة تجب العودة إلى فتح النقاش عن الحال، بشكل واسع، قد يُبقي جذوة الحديث (على الأقلّ) مع المرآة حيّة.

الخطوة الأولى للإنسان الساخط هي الاحتجاج، إذا لم ينفع، يهرب في أوّل فرصة، تُغلق عليه فرصة الهروب، ينتحر. والانتحار أنواع: اللجوء إلى المخدّرات لتخدير اليأس، أو إلى الجريمة للانتقام، أو إذا كان أقوى، يقع الإنسان فريسة حياة تقوم على ما تيسّر من عمل شاقٍّ، أو على بطالة متقطّعةٍ. في جميع الحالات، هذا شخص بالكاد حيٌّ.

بدل النقاش الحقيقي، طلعت النغمة: المغرب ليس بهذا السوء. قد يقول هذا شخصٌ يملك على الأقلّ من الموارد والوعي ما يكفي لأقلّ ما يمكن لحياة كريمة. لكنّ هؤلاء الذين هاجروا لم يروا ذلك، لم يشعروا به ولم يعيشوا في المغرب الذي “لا بأس به”. جزء آخر من الناس لام شباباً يملكون القليل ممّا يكفي للبقاء في البلاد، لكنّهم يتغاضون عن أنّ لا أحدَ يقنع بالقليل، في وقت يرى الثراء الفاحش أمامه، ويرى أنّه مهما عمل لن يتقدّم في السُّلّم، بل يزداد فقراً. الأسوأ من دولة فقيرة هو دولة تتعمّق فيها الفوارق بين الأغنياء والفقراء الذين يزدادون فقراً وعدداً. هنا يلوم اللائمون المهاجرين، وطبعاً الكلُّ يُلام إلّا أصحاب القرار، لأنّهم يُظهرون الغنى عند مجيئهم في العطلة السنوية، مع أنّهم يعيشون حياةً شاقّةً في الهجرة، فتكون إجازاتهم في البلاد أفضل ما في عامهم.

مغرب اليوم ليس فيه ترشيد ولا توازن. المشاريع الكُبرى المُقامة جيّدة، لكن ليس هناك مشروع أهمّ من الإنسان، خصوصاً عندما تكون بلداً في أقصى مؤشّر الفتوّة وتضيع أهمّ ثروة لديك. بل حتّى وأنت تحسِب نسبَ العاطلين، تنسى أنّه بسبب ضعف التعليم وقلّة فرص الشغل أو عشوائيتها، وضُعف الأجور في الأعمال المنظّمة منها، وغياب الحماية الاجتماعية للغالبية الأوسع منها، لا تمثّل الحال، فمداخيل فئات مثل الأجراء والمشتغلين في قطاع الخدمات والحِرفيين ضعيفة، لذا مثّلوا نسبةً مهمّةً من الهاربين. أمّا الفساد، فتلك سيرةٌ أخرى.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...