عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.
لعل نقاش استحقاق آن كارسون جائزة نوبل للآداب كان عربياً أكثر منه عالمياً. يحبُّ العرب، وهذا حقهم، أن يناقشوا الاستحقاق في “نوبل”، وفي ظل أوساط ثقافية مُفرغة من الجدوى ومن التجدّد، وقلة المناسبات العربية التي قد تثير النقاش، تبدو الجائزة مناسبة، لا تخذلنا، في إتاحة الفرصة للتنمّر والادّعاء وأيضاً لبعض المواقف المتزنة.
ولعلنا نتعلم من مارغريت آتوود، الروائية والشاعرة، التي تستحقّ “نوبل” عن جدارة، إلا أنها لم تدع الخيبة تمنعها من تهنئة الفائزة ابنة بلدها، التي يعني فوزها أن حظوظها انتهت، فهي في السادسة والثمانين، وعودة الجائزة إلى كندا في السنوات المقبلة شبه مستحيلة.
أما فورة الآراء في “نوبل”، فلا تحدث فقط لأنه لا عربيّ يفوز، بل لأن الرأي هنا لا حسيب عليه ولا عواقب له. بينما في جوائز عربية، قد يصبح تعبير أحدهم عن رأيه في الفائز (ة) بها، سبباً لإقصائه من كثير من “الشلل” والمصالح. أما “نوبل” فلا أحد سيغضب من الآراء إلا إذا مسّت أحداً من المنطقة. وتعبير “المسّ” هنا تعبير خفيف، لأن ما يتعرّض له أدونيس من شماتة وهجوم كل سنة يفوق المسّ، ومع ذلك، لن يصيبه ضرر. فأدونيس بعيد وغير مكترث، أو لنقل لا يعير الشتم اهتماماً، رغم أن الأمر يتجاوز هذا إلى الإلغاء ونفي الشعرية التي لا تقوم لحسن الحظ على أمزجة الناس.
سيبقى النقاش السنوي مناسبة لن يزحزحها الزمن، لأسباب كثيرة، منها أن “نوبل” غير مستقرّة على معايير ثابتة، فهي تختار الأدب البسيط الصياغة أحياناً، مثلما فعلت مع آني أرنو. وأحياناً تختار الأدب النخبوي صعب التلقّي، وكتاباً يحظون بتقدير نقدي، وبعيدين عن أهواء القرّاء، كما فعلت هذه السنة.
ميزة آن كارسون هي استلهامها الميثولوجيا اليونانية، لكنها نقطة تُؤاخذ عليها أيضاً. فحملُ التاريخ إلى الأدب قد لا يكون أفضل طريق إلى القارئ، لذا قد يُطرح سؤالٌ مشروع، عما إذا كان جمع كارسون شخصياتٍ من عصور وثقافات مختلفة يؤدّي إلى تجديد فهمنا لها، أم إنه ينتزعها من ظروفها التاريخية، ويحوّلها إلى أصواتٍ تتحدّث بلغتها هي؟
قد لا تبتعد كارسون عن الواقع، حسب هذه الرؤية، بل تعيد تركيب الشخصيات الأسطورية في سياقاتٍ حديثة، وتمنحها أحياناً أبعاداً نفسية جديدة لتصبح شخصياتٍ بشرية تمشي على الأرض، وتخترقها الظنون والرغبات، لكنها لا تلعب بقوانينه، وهي صفة لها أكثر من وجه.
في استحضار مضاد، حين نضع كارسون أمام شاعرة أخرى فائزة بـ”نوبل” هي فيسوافا شيمبورسكا، نجد أن الميزان الشعري والقرائي يميل إلى الأخيرة، فكتابة كارسون تجريبية، هجينة، كثيرة الإحالات، تتطلب قراءتها معرفة مسبقة وإعادة قراءة. أما شعر شيمبورسكا فيتناول الحياة اليومية والتاريخ والأسئلة الوجودية، يقود القارئ بلا ادّعاء إلى أسئلة عميقة ومشاعر غير مستهلكة، لكن كارسون لا تعيش في اليونان دائماً، ففي كتابها “جمال الزوج” تقترب من الحاضر أكثر، فهو يتخذ من علاقة زوجية مألوفة مادّة له يغلفها بالشعر والفلسفة، لفهم تناقضاتها وصدمة خيانة الزوج، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تحاور أيضاً تصور جون كيتس للعلاقة بين الجمال والحقيقة.
السفر في الزمن أحد الأشكال المفضلة لدى كارسون، ففي “رجال في ساعات الفراغ” يحضر الزمن تجربة لا مجرّد تسلسل للأحداث، ويمكن اتخاذ الكتاب نموذجاً لفهم علاقة كارسون بالماضي الكلاسيكي، فهي لا تتعامل مع الأساطير والتاريخ بوصفهما عالماً منفصلاً عن الحاضر، وإنما تستدعيهما لتكشف التناقضات الإنسانية المستمرّة. وهو ما يتضمن أيضاً ثيمة الفقد، عبر تأملات في وفاة والدة كارسون، لتحضر الذاكرة الشخصية أيضاً.
قراءة كارسون عملية غير هينة؛ لأن جملها القصيرة والسريعة تستثير الأفكار ثم تتركها قبل أن تتطوّر إلى رؤية شاملة. قد تكون قصائدها مدهشة في صورها ومفاجآتها، لكنها لا تمنح القارئ دائماً بناءً فكرياً كاملاً أو خاتمة واضحة. ومع تفضيل معظم القراء شيمبورسكا، يتأكد لنا استحالة قياس كارسون معها بمعيار واحد. فالأولى تختبر حدود الأجناس الأدبية، والثانية تنطلق من المألوف لتكشف غرابته، وفي هذا الاكتشاف قلق كثير.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





