في المغرب… المخزن يربح دائماً

 

 

 

 

عائشة بلحاج
 صحافية وشاعرة مغربية.

 

في الكازينو هناك قاعدة واحدة ثابتة: الكازينو يربح دائماً (The house always wins). قد يربح لاعبٌ أو آخر أحياناً، لكن في مُجمل الحالات، الكازينو هو الرابح الوحيد. لأنّه هو الأساس، ولأنّ ربحه سبب وجود اللعبة والآلات واللاعبين في ساحته. ونظراً إلى السرعة الصّاروخية في المغرب للصعود السياسي لفوزي لقجع وعلاقته القوية بالدولة العميقة، بدا للحظة، وفي غمرة دخوله المُتأخّر في لعبة الأحزاب، وكأنّه سيربح الجائزة الكبرى، فالاحتمالات كانت لصالحه، والمؤشّرات جعلت طريقه سالكاً. لكن ذلك كان قراءة غير دقيقة لطبيعة قواعد النظام نفسه.

استغرق الأمر بضعة أيام زيادة عن المُعتاد، مع أنّ النتيجة لم تحمل مفاجأة تحتاج إلى هضم. وحتى تعدّد الأسماء المُرشّحة لرئاسة الحكومة لم يُشكّل عائقاً دستورياً، فالفصل 47 لا يُلزم الملك بتعيين الأمين العام للحزب المُتصدّر للانتخابات رئيساً للحكومة، بل كان المجال مفتوحاً دستورياً للاختيار بين أكثر من شخصية من داخل الحزب. كما أنّ الحزب نفسه لم يدخل الانتخابات بزعيم فردي تقليدي، بل بقيادة ثلاثية. هذا كله كان يؤشّر على أنّ لقجع، من باب الاستثناء، سيُصبح من رجالات الدولة الكبار، فعلاً واسماً. لكنّه كان لاعباً آخر في النسخة المغربية من لعبة السياسة. ولم يعنِ صعوده بالضرورة أنّه سيصبح رجل المرحلة. ففي البلاد مؤسّسة ملكية تحكم وتسود، وتقرّر، وتقود المرحلة. رغم هذا، ليست النتيجة مُفاجِئة، بل طبيعية إلى درجة أنّها مرّت بلا ضجيج، وما من سببٍ كان يبرّر تأخّرها. يبدو أنّها كانت فرصة لرصد ردود المغاربة على احتمال تولي امرأة رئاسة الحكومة، لكن بعد ثلاثة رؤساء حكومة، لم يكن السقف عالياً على الإطلاق. ولم يكترث المغاربة بمن يفوز، هم الذين قاطع مُعظمهم الانتخابات، أو امتنع عن التصويت أو لم يُقدم على تسجيل نفسه في اللوائح الانتخابية، وكلّ هذه العوامل أدّت إلى تحجيم درجة تأثّرهم بالنتيجة.

من جهةٍ أخرى، الحزب الذي دخله لقجع مخزني بامتياز؛ تأسّس على يد فؤاد عالي الهمّة، المستشار الملكي والصديق المُقرَّب للملك، وليس لمن صعد على متنه أن يخرق قواعد المخزن العريقة. يمكن له ولآخرين أن يكونوا التروس القوية في ماكينة الدولة العميقة، لكن ليس لأحد منهم أن يملك القرار والواجهة معاً، لأنّها مساحة محجوزة سلفاً. فكان المنصب من نصيب سيدة، هي سليلة بيت من بيوت المخزن، تعرف قواعد المخزن جيّداً. لذا كانت لغة الجسد خلال مراسم التكليف، سواء وهي تجلس أمام الملك، أو هي تُدلي بأوّل تصريح لها في منصبها الجديد، تقول إنّها الابنة البارّة التي ستكون الوجه اللطيف للحكومة، ولسان حالها. فهي في لقاءات الحزب تتحدّث بلهجة شعبية رغم ملامحها الأرستقراطية. لكنها، في إطلالتها الإعلامية الأولى، حاولت أن تثبت أنّها على قدر الثقة، وكانت لهجتها مُتزنة ولطيفة، ولعلّ المغاربة شاكرون لها، على الأقل، أنّها تتحدّث، على عكس سلفها عزيز أخنوش.

تكشف بنية الدولة في المغرب باستمرار عن قدر كبير من الثبات، ومهما اختلفت الأوضاع، فالتقاليد المخزنية تحافظ على مظاهرها، بحيث لا يظن أحد أنّ المظاهر الديمقراطية تُتيح لأحد أن يُقاسم السلطة التنفيذية مع المؤسسة الملكية، وهي بالفعل مؤسسة قائمة على مجموعة من القواعد والبروتوكولات العريقة المُتوارثة، ومعظمها تحرسه كتيبة حرّاسٍ شداد، لا تدع مظاهر التحديث تمسّ جوهرها.

حاول الملك في سنواته الأولى، وهو يحمل صفة الملك الشاب، أن يخفّف من بعضها، لكن في المُجمل جرى الالتزام بهذه المظاهر. ولانتخابات 2016 بعض التأثير في زعزعة اطمئنان حرّاس التقاليد، وبذل عبد الإله بنكيران جهداً كبيراً من أجل أن يثبت أنّه في خدمة العرش، لكنه لا يفوّت فرصة للظهور والثرثرة التي تؤدي به أحياناً إلى تجاوز المسموح به في سياقات حرجة. فيعود في فرصة أخرى ليؤكّد أنّه رئيس حكومة جلالة الملك، فيردّ زعيم المعارضة بأنّ المعارضة هي معارضة جلالة الملك… وهكذا، تربح الدولة أيّ رهان على طاولاتها، قد تتغيّر الأوراق واللاعبون، لكنّ المخزن، يربح دائماً.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...