توزيع أعباء “المقاصة” بالمغرب: كلفة دعم الغاز ترتفع والسكر يتراجع والقمح يسجل منحى مُغايرا.. ولماذا احتاجت الحكومة إلى 8 مليارات درهم إضافية؟

إيطاليا تلغراف متابعة

تكشف المعطيات الواردة في تقرير المقاصة المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تصاعد الضغوط التي تواجه المالية العمومية في المغرب بفعل تقلبات أسواق الطاقة الدولية، بعدما اضطرت الحكومة إلى رفع الاعتمادات المخصصة لدعم الأسعار خلال سنة 2026 من 13.77 مليار درهم إلى 21.77 مليار درهم، بزيادة بلغت 8 مليارات درهم، في وقت بلغت فيه كلفة دعم قنينة غاز البوتان من فئة 12 كيلوغراما متوسط 61.79 درهما خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، مقابل 53.47 درهما خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

وتضع هذه الأرقام سياسة المقاصة أمام معادلة مالية واجتماعية دقيقة، تتعلق بقدرة الدولة على مواصلة حماية أسعار المواد الأساسية من تقلبات الأسواق الدولية، مع احتواء الارتفاع المتواصل في كلفة التدخل العمومي وضمان استدامة الموارد المخصصة لباقي النفقات. 

فمشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن برمجة غلاف مالي بقيمة 19.4 مليار درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني من القمح اللين، وهو مبلغ يقل عن الاعتمادات التي أصبحت مفتوحة خلال السنة الجارية، لكنه يظل مرتبطا بتطور الأسعار الدولية وحجم الحاجيات الفعلية للدعم.

وتبرز أهمية هذه الأرقام عند العودة إلى المسار الذي عرفته اعتمادات المقاصة خلال سنة 2026، فقد حدد قانون المالية في البداية غلافا بقيمة 13.77 مليار درهم، قبل أن تقرر الحكومة فتح اعتمادات إضافية بقيمة 8 مليارات درهم، لترتفع الميزانية المفتوحة لهذا الغرض إلى 21.77 مليار درهم. 

وجاء هذا التعزيز المالي، وفق التقرير الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، لمواجهة ارتفاع كلفة دعم غاز البوتان، إلى جانب إعادة تفعيل الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي، في سياق اتسم بتزايد الضغوط على أسعار المحروقات والمواد الأولية في الأسواق الدولية.

ويعكس هذا المنحى الفارق بين الاعتمادات التي تتم برمجتها عند إعداد الميزانية، والتكاليف التي قد تفرضها المستجدات الاقتصادية والجيوسياسية خلال السنة، فالمقاصة لا ترتبط فقط بالمبالغ التي تقرر الدولة تخصيصها مسبقا، بل تتأثر أيضا بمستوى الأسعار الدولية للمواد المدعمة، وبحجم الاستهلاك الوطني، وبالتطورات التي تطرأ على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، إذ كلما اتسعت الفجوة بين الكلفة الفعلية والأسعار المعتمدة في السوق الداخلية، ارتفعت الضغوط على الموارد العمومية اللازمة لاستمرار آليات الدعم.

ويقدم غاز البوتان المثال الأوضح على هذه المعادلة، بالنظر إلى الارتفاع المسجل في كلفة دعمه خلال سنة 2026، حيث بلغ متوسط السعر الدولي المعتمد في احتساب دعم هذه المادة نحو 611 دولارا للطن خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت، مقابل 536 دولارا للطن خلال الفترة نفسها من السنة السابقة، بزيادة تقارب 14 في المائة.

وبحسب التقرير، فإن الكلفة المرتبطة بدعم غاز البوتان خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 قد تصل إلى نحو 9 مليارات درهم، مقابل 8.6 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة تقارب 5 في المائة. 

وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية في ضوء السياق الدولي الذي يصفه التقرير بالمتوتر، مع استمرار الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والتوترات المحيطة بمضيق هرمز، أحد الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية. 

وقد ساهمت هذه التحولات في زيادة المخاطر المرتبطة بالإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وانعكست على أسعار المنتجات النفطية، حيث بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 91 دولارا للبرميل خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مقابل 71 دولارا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بارتفاع نسبته 27.2 في المائة، رغم تسجيل الأسعار تقلبات واسعة خلال هذه المدة.

ولم تقتصر الضغوط على النفط الخام وغاز البوتان، بل امتدت إلى المنتجات البترولية الأخرى، إذ سجل متوسط سعر الغازوال ارتفاعا بنسبة 55.6 في المائة، فيما ارتفع متوسط سعر البنزين بنسبة 33.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، وفق المعطيات الواردة في التقرير. 

وفي مواجهة هذه التطورات، اتخذت الحكومة تدابير إضافية لتأمين التموين بالمنتجات الطاقية، وتنويع مصادر الإمداد، وتحسين شروط الشراء، إلى جانب مواصلة تتبع انعكاسات الوضع الدولي على الاقتصاد الوطني، كما جرى تعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية عبر لجنة وزارية مكلفة بتتبع المستجدات الدولية وتنسيق التدخلات اللازمة لضمان استمرارية سلاسل الإمداد وحسن سير الأسواق. 

وفي مقابل الضغط المتزايد الذي فرضه دعم غاز البوتان، تكشف معطيات المواد الغذائية عن تحولات أخرى، خصوصا بالنسبة إلى السكر، فقد تراجع متوسط السعر الدولي للسكر الخام إلى نحو 352 دولارا للطن خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مقابل 421 دولارا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بانخفاض نسبته 16.4 في المائة.

وفي المقابل، ساهم انخفاض أسعار السكر في الأسواق العالمية في تقليص المبالغ التي تخصصها الدولة لدعمه، فقد تراجعت كلفة دعم السكر الخام والسكر المكرر إلى نحو ملياري درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026، بعدما بلغت 3.3 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بانخفاض يقارب 39 في المائة.

وتواصل الدولة دعم السكر المكرر بمبلغ يصل إلى 3.67 دراهم عن كل كيلوغرام، فيما انخفضت كلفة دعم السكر الخام من 700 مليون درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025 إلى نحو 300 مليون درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2026، إذ يعني ذلك أن انخفاض الأسعار الدولية ساعد على تخفيف جزء من الأعباء المالية التي تتحملها الدولة لدعم هذه المادة.

أما بالنسبة إلى القمح اللين، الذي يُستخدم في إنتاج الدقيق، فقد ظلت تكلفة استيراده خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 أقل من السعر المحدد في 270 درهما للقنطار، ولذلك لم تكن هناك حاجة إلى مطالبة المستوردين بإرجاع جزء من الدعم الذي حصلوا عليه، ومع ذلك، ارتفعت كلفة دعم الدقيق الوطني من القمح اللين والقمح المستورد إلى نحو 800 مليون درهم، مقابل 700 مليون درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة بلغت 16.8 في المائة.

ويربط التقرير تحسن إنتاج الحبوب والسكر خلال الموسم الفلاحي 2025–2026 بالتساقطات المطرية التي عرفها المغرب، والتي كانت أفضل من الموسم السابق من حيث الكمية والتوزيع، حيث من شأن هذا التحسن أن يساعد على توفير كميات أكبر من الإنتاج المحلي وتقليل الحاجة إلى الاستيراد، لكن ذلك يبقى مرتبطا بحجم المحصول الفعلي وبحاجيات السوق الوطنية من هذه المواد.

وفي قطاع النقل، اضطرت الحكومة إلى إعادة تقديم دعم استثنائي لمهنيي النقل الطرقي بسبب ارتفاع أسعار الغازوال وما ترتب عنه من زيادة في تكاليف عملهم. وبلغ مجموع المبالغ التي خصصتها الدولة لهذا الغرض نحو 2.488 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى شتنبر 2026.

 ويهدف هذا الدعم إلى مساعدة المهنيين على تحمل جزء من الزيادة في أسعار المحروقات، والحد من انتقال هذه الزيادة إلى تكاليف نقل الأشخاص والبضائع، بما قد يؤثر بدوره على أسعار السلع والخدمات التي يستهلكها المواطنون.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا