حين يُساء فهم دور الجمعيات داخل الجالية…قراءة في واقع العمل التطوعي وتجربة جمعية دعوة بكوزنسا

 

 

 

ذ. أحمد براو
 رئيس جمعية “دعوة . أو دي فو” بكوزنسا

 

 

في السنوات الأخيرة برزت داخل العديد من الجاليات المهاجرة بإيطاليا وأوروبا عموماً ظاهرة تستحق التأمل والنقاش؛ وهي اتساع الفجوة بين ما تقدمه الجمعيات من خدمات تطوعية وما يتوقعه جزء من أفراد الجالية من هذه الجمعيات.

ففي الوقت الذي تأسست فيه أغلب الجمعيات الثقافية والاجتماعية من أجل دعم الاندماج والمرافقة وتقديم خدمات محدودة في حدود إمكانياتها البشرية والمالية، أصبحت تُواجه أحياناً مطالب تتجاوز قدراتها الفعلية، بل وتتعرض أحياناً لانتقادات حادة عندما تعجز عن الاستجابة لكل التوقعات.

وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً داخل بعض أوساط الجاليات المهاجرة التي تنظر إلى الجمعية باعتبارها مؤسسة تمتلك الموارد والصلاحيات الكافية لحل مختلف المشاكل الإدارية والاجتماعية، بينما يختلف الواقع القانوني والتنظيمي عن هذه الصورة المتداولة.

فالجمعيات المنتمية إلى القطاع الثالث في إيطاليا، ومنها جمعيات المتطوعين (ODV)، ليست مؤسسات عمومية ولا إدارات حكومية، كما أنها لا تتلقى بالضرورة دعماً مالياً دائماً أو تلقائياً من الدولة. بل إن استمرارها يعتمد في الغالب على التزام أعضائها، ومجهودات المتطوعين، وما يتوفر لها من موارد محدودة ومشاريع ظرفية.

ورغم ذلك، يجد القائمون على هذه الجمعيات أنفسهم في مواجهة انتظارات كبيرة ومتزايدة. فالمهاجر الذي يحتاج إلى مساعدة في ملف الإقامة، أو الباحث عن عمل، أو الأسرة التي تواجه صعوبة إدارية، أو الطالب الذي يحتاج إلى توجيه، يتوجه في كثير من الأحيان إلى الجمعية باعتبارها أول نقطة اتصال. وهو أمر مفهوم ومشروع من الناحية الإنسانية، لكنه قد يتحول إلى مصدر للإحباط عندما تُنسب إلى الجمعية مسؤوليات تتجاوز اختصاصها أو إمكانياتها.

– تجربة جمعية دعوة “أو دي فو”

يمكن استحضار تجربة جمعية دعوة (Daawa ODV) بمدينة كوزنسا كمثال على هذا الواقع.

فمنذ تأسيسها سنة 2014 اختارت الجمعية أن تنشط في المجال الثقافي والاجتماعي والتربوي، وأن توفر فضاءً للمواكبة والوساطة لفائدة المهاجرين. وعلى مدى سنوات، ساهمت في استقبال المئات من الحالات المرتبطة بالإجراءات الإدارية، والترجمة، والوساطة الثقافية، والتوجيه المهني، ودروس اللغة الإيطالية والعربية، والاستشارات الأسرية والقنصلية، بالإضافة إلى تنظيم أنشطة تربوية وثقافية مختلفة.

وقد تم إنجاز معظم هذه الأنشطة بفضل جهود متطوعين يخصصون جزءاً من وقتهم لخدمة المجتمع، دون أن تكون الجمعية مؤسسة ربحية أو جهازاً إدارياً يتوفر على موظفين وإمكانيات كبيرة. بل إنها، كغيرها من العديد من جمعيات المهاجرين، استمرت لسنوات طويلة اعتماداً على روح التطوع وإرادة أعضائها أكثر مما اعتمدت على الموارد المالية.

غير أن هذه التجربة، كما هو الحال بالنسبة لعدد من الجمعيات الأخرى، لم تكن بمنأى عن الانتقادات وسوء الفهم. ففي بعض الأحيان يُنظر إلى الجمعية باعتبارها مسؤولة عن معالجة جميع مشاكل الجالية، وفي أحيان أخرى تُطرح تساؤلات حول إمكانياتها أو مواردها المالية، دون معرفة دقيقة بطبيعة عملها أو حدود اختصاصها القانونية والتنظيمية.

– بين ثقافة الخدمة وثقافة المشاركة

تكشف هذه الوضعية عن إشكال أعمق يتعلق بثقافة العمل الجمعوي داخل بعض الجاليات.

ففي التجارب المدنية الناجحة لا تقوم الجمعيات فقط على الاستفادة من الخدمات، وإنما أيضاً على المشاركة في إنتاجها ودعمها. فالجمعية ليست فضاءً لتلقي الخدمات فحسب، بل هي إطار للمساهمة والتضامن والعمل المشترك.

وعندما يغيب هذا الوعي، يتحول عدد محدود من المتطوعين إلى الجهة الوحيدة التي يُنتظر منها القيام بكل شيء، بينما يكتفي الآخرون بدور المتلقي أو المراقب أو الناقد.

ويبدو أحياناً أن بعض أفراد الجالية يتعاملون مع الجمعية باعتبارها مزوداً للخدمات، لا مشروعاً جماعياً يقوم على المشاركة. فتكثر المطالب، وتتسع دائرة الانتظارات، في مقابل محدودية عدد الأشخاص المستعدين لتحمل المسؤولية أو الانخراط الفعلي في العمل الميداني.

والحال أن أي جمعية، مهما كانت جديتها أو حسن نيتها، لا تستطيع أن تنجح من دون قاعدة واسعة من المنخرطين والمتطوعين والداعمين. فالعمل الجمعوي ليس خدمة تُستهلك، بل مسؤولية تُتقاسم.

– الشفافية والمساءلة: حق وواجب

وفي المقابل، فإن الحديث عن صعوبات العمل التطوعي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة لإعفاء الجمعيات من المحاسبة أو من متطلبات الشفافية.

فالجمعيات المدنية مطالبة قانونياً وأخلاقياً باحترام مبادئ الحكامة الجيدة، وعقد جموعها العامة في المواعيد المحددة، وتقديم التقارير المالية والأدبية، وتمكين أعضائها ومنخرطيها من الاطلاع على المعطيات التي يمنحهم القانون الحق في معرفتها.

فالشفافية ليست منّة من إدارة الجمعية، بل هي جزء من مسؤوليتها تجاه أعضائها ومحيطها. كما أن المساءلة ليست عملاً عدائياً، بل ممارسة ديمقراطية ضرورية لضمان حسن التدبير وتعزيز الثقة.

غير أن ما تحتاجه الجاليات اليوم هو التمييز بين المساءلة المشروعة وبين ثقافة الاتهام. فالسؤال عن الموارد وكيفية صرفها حق مشروع، أما إطلاق الأحكام والاتهامات دون أدلة أو وثائق أو مساطر قانونية فهو أمر مختلف تماماً.

إن بناء الثقة داخل المجتمع المدني لا يتم عبر الشائعات ولا عبر محاكمات مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما عبر المعلومات الدقيقة والوثائق الرسمية والحوار المباشر واحترام المؤسسات وآلياتها القانونية.

ولذلك فإن المعادلة السليمة تقوم على توازن واضح: جمعيات أكثر شفافية وانفتاحاً من جهة، وبيئة أكثر إنصافاً واحتراماً لجهود المتطوعين من جهة أخرى.

– الحاجة إلى حوار صريح

ربما آن الأوان لفتح نقاش أكثر هدوءاً وموضوعية داخل الجاليات المهاجرة حول طبيعة العمل التطوعي وحدود أدوار الجمعيات.

فمن حق أفراد الجالية أن ينتظروا من جمعياتهم الجدية والشفافية والالتزام، ومن حق الجمعيات أيضاً أن تجد التقدير والمساندة وأن يُنظر إليها باعتبارها شريكاً مدنياً لا بديلاً عن مؤسسات الدولة.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتمتع بحياة جمعوية قوية ليست تلك التي تكثر فيها المطالب فقط، بل تلك التي تنتشر فيها ثقافة المشاركة وتحمل المسؤولية. فالجمعية القوية لا يصنعها رئيسها وحده، ولا مكتبها الإداري وحده، وإنما يصنعها مجتمع يؤمن بأن خدمة الصالح العام مسؤولية مشتركة.

إن مستقبل العمل الجمعوي داخل الجاليات لن يتوقف على التمويل وحده، بل سيتوقف أيضاً على بناء ثقافة جديدة تقوم على الفهم المتبادل، واحترام العمل التطوعي، والانتقال من منطق المطالبة المستمرة إلى منطق الشراكة والمساهمة.

فالجمعيات، في نهاية المطاف، ليست مجرد هياكل قانونية، بل هي مرآة للمجتمع الذي تنتمي إليه. وكلما ارتفعت ثقافة التطوع والمواطنة والمسؤولية الجماعية، ازدادت قدرة هذه الجمعيات على أداء رسالتها والاستمرار في خدمة الناس.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجاليات المهاجرة اليوم ليس فقط في إنشاء الجمعيات، بل في بناء وعي جماعي يفهم حدود دورها، ويطالبها بالشفافية، وفي الوقت نفسه يحترم طبيعة العمل التطوعي الذي تقوم عليه ويمنحه ما يستحقه من تقدير وإنصاف.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا