بقلم.. الدكتور حسن مرهج*
“لا توقظوا التنين النائم” هي عبارة قالها نابليون بونابرت، والكثيرين تحدثوا عن قدرة الصين وقوتها الاقتصادية، إذ أنه وخلال السنوات الماضية، تمكنت الصين من بناء امبراطورية اقتصادية، احتلت بموجبها المركز الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة؛ فقد بدأت الصين بالتوسع شرقاً وغرباً، باحثة عن أسواق اقتصادية، فضلاً عن نسج علاقات سياسية يُراد منها تأمين شركاء استراتيجيين، هذا الأمر ارعب وأقلق واشنطن، وباتت هواجسها تتمحور حول منع الصين من السيطرة على النظام الاقتصادي العالمي.
توترات كثيرة حدثت بين واشنطن وبكين على خلفية توسع الامبراطورية الاقتصادية الصينية، حول هذا السياق، فرضت واشنطن الكثير من الضرائب الجمركية على البضائع التي تُصدرها بكين إلى امريكا بعدما اجتاحت الصناعات الصينية الكثير من بلدان العالم، لا سيما الولايات المتحدة. لكن اقتراب الصين من اسرائيل يُعد أمريكياً خطاً أحمر، ففي غمرة التوترات بين واشنطن وبكين، عادت العلاقات الصينية الاسرائيلية عبر تقارير أكدت الاتفاق على مشاريع حيوية في اسرائيل.
الإدارة الأمريكية عبرت عن غضبها الشديد من تزايد الصفقات الاقتصادية بين بكين وتل أبيب، فضلاً عن تعاظم التعاون الامني والعسكري بين البلدين، الأمر الذي أزعج واشنطن، كما ساءتها أخيراً شحنة الكمامات والمعدات الطبية الخاصة بفايروس “كورونا”، التي شحنتها الصين إلى اسرائيل لمساعدتها في مواجهة الوباء الذي استشرى بين السكان والوافدين.
كشفت بعض المصادر الصينية أن بكين وقعت اتفاقية مع اسرائيل، لبناء أكبر محطة تحلية لمياه البحر على الشواطئ الفلسطينية لخدمة المشاريع الإسرائيلية، حيث ستتمكن هذه المحطة من تحلية أكثر من مليوني كوب من مياه البحر يومياً، وهو ما يغطي نسبة 25% من احتياجات اسرائيل للمياه العذبة، وذلك في ظل المتغيرات الكونية والمناخية، التي تهدد مصادر المياه، وتبشر بمزيدٍ من التصحر والجفاف في اسرائيل، ومناطق كثيرة من العالم.
من الواضح أن هذه الاتفاقية لم تروق للإدارة الأمريكية، حيث كشفت بعض المصادر السياسية أن إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” طلبت من “تل أبيب” إعادة النظر في مشاركة الصين بمناقصة لبناء أكبر محطة لتحلية المياه في العالم في اسرائيل. فلقد سعى مسؤولو البيت الابيض، إلى الحصول على توضيحات من إسرائيل فيما يتعلق بمشاركة شركة تسيطر عليها الصين، في إنشاء أكبر محطة لتحلية المياه في العالم، والتي ستقام في قرية “بلماحيم” الساحلية وسط الدولة العبرية.
في جانب أخر، كشفت مصادر اسرائيلية أن منشأة تحلية المياه المسماة “شورك 2” ستكون الأكبر من نوعها في العالم، وستكون قادرة على إنتاج 200 مليون قدم مكعب من المياه المحلاة سنويًا، وتزويد حوالي 25 بالمائة من استهلاك إسرائيل للمياه، وتبلغ تكلفة المشروع أكثر من 1.425 مليار دولار.
لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، حذرت في وقت سابق إسرائيل، من تأجير ميناء حيفا إلى الصين، جاء ذلك في مشروع قانون ميزانية الدفاع للسنة المالية 2020، طرحته اللجنة على مجلس الشيوخ. وأوضح البند رقم 1289 لمشروع القانون، أن الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء تأجير ميناء حيفا للصين، سيما أن واشنطن لديها خطط مستقبلية حول نشر قوات بحرية متطورة في الميناء المذكور. وشدد مشروع القانون على ضرورة تحذير إسرائيل بخصوص الانعكاسات الأمنية للاستثمارات الأجنبية.
في ذات السياق، فإن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، أبلغ رئيس الوزراء الاسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في أذار / مارس الماضي، أن تعزيز تل أبيب علاقاتها التجارية مع بكين سيعود بالضرر على التعاون الأمني بين الولايات المتحدة واسرائيل.
وعلى صعدي متصل، أفادت تقارير إعلامية أن مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” ووزير الخارجية “مايك بومبيو”، يضغطان على الحكومة الاسرائيلية لثنيها عن تأجير ميناء حيفا إلى الصين. وحذر مسؤولون أمريكيون العام الماضي إسرائيل من أن الولايات المتحدة ستتوقف عن استخدام الميناء حال تم تطبيق التعاقد مع الشركة الصينية، وستعاقب إسرائيل بهذه الخطوة. ووفق لتلك التقارير، فإن “ترامب” خلال اجتماعه مع “نتنياهو”، أعرب عن قلقه إزاء اختراق الصين لإسرائيل، وخاصةً أن الأولى تقيم العديد من مشاريع البنية التحتية الضخمة مثل ميناء “حيفا” الجديد، إلى جانب قلق واشنطن من قيام شركات اتصالات صينية بالدخول في مناقصات لبناء شبكات خلوية في إسرائيل. ووفقا لتلك التقارير، فإن “ترامب” قدم إنذاراً نهائيا لـ”نتنياهو” وقام بتهديده، وطلب معرفة ما يجري، وأبلغه بشكل واضح أن التعاون الأمني قد يتضرر في حال لم يتم الحد من العلاقات مع الصين.
ضمن ما سبق من معطيات، يُمكننا التوصل إلى نقاط ثلاث:
الأولى- من الجدير بالذكر أن الاستثمارات الصينية في اسرائيل، حديثة العهد، إذ بدأت في نهاية العام 2015، حيث أن هذه العلاقات الاقتصادية لمستجدة كسرت جليد العلاقة بين الطرفين، وعلى الرغم من الاعتراضات الأمريكية التي جاء بعضها في إطار التحذيرات من مغبة التعاون الصيني الاسرائيلي، إلا أن التعاون بين بكين وتل أبيب بدأ آفاق جديدة.
الثانية- التعاون الصيني الاسرائيلي اتخذ مناحي متعددة، ويُلاحظ بأن لتعاون التقني بين البلدين كان له الأثر الكبير في الانفتاح على الصين سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
الثالثة- لا شك بأن استمرار التعاون بين الصين واسرائيل اقتصادياً وأمنياً، يعني بأن اسرائيل تُقامر بمستقبل علاقاتها مع واشنطن، خاصة أن الولايات المتحدة هي أهم حليف استراتيجي لـ تل أبيب؛ في جانب أخر مضت اسرائيل في تعميق تحالفاتها الامنية والعسكرية مع الصين، دون ضوابط أو اعتبارات لجوهر الأزمة بين الصين والولايات المتحدة، الامر الذي ترجمته الإدارة الامريكية في سياق محاولات صينية لضرب العلاقة مع اسرائيل، وفي جانب أخر، ستتمكن الصين من اختراق تحالفات واشنطن في المنطقة.
في المحصلة، الإدارة الامريكية وبحسب قراءة استراتيجيتها، فإنه لن تسمح للصين أن تستحوذ على اسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً، إلا إذا بادرت الصين إلى تقديم جُملة من الرشاوى الاقتصادية لـ واشنطن، على شكل تنازلات اقتصادية وسياسية في الشرق الأوسط، في هذا الإطار، من الصعب التكهن بمسار التطورات، فالصين ماضية قُدماً في استثماراتها الشرق أوسطية، والولايات المتحدة تُعاني مآزق استراتيجية في هندسة علاقاتها مع دول المنطقة، وتحديداً بعد جُملة من الانكسارات، لا سيما انهيار صورتها جراء الفشل في التصدي لـ فايروس كورونا، ولعل السؤال لجوهري الذي يفرض نفسه في سياق ما سبق، هل ستسمح الولايات المتحدة للصين بالتمدد أفقياً في المنطقة؟، قادم الايام سيحمل تطورات في هذا الشأن، فسحابة كورونا على وشك المغادرة.
إعلامي كاتب صحفي خبير في شؤون الشرق الأوسط*





