دور الفن في معالجة القضايا الاجتماعية؛ أغنية الفنان رضا الطلياني: يا البابور يا مون أمور؛ خرجني من لمزير.. نموذجا..
بقلم الدكتور: عبدالله شنفار
أحكي عن حدث طريف من بعض حوادث السير في حياة الانسان. على هامش هجرة العودة المضادة من بلدان الغرب نحو البلدان المغاربية بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد عب نفس قوارب الموت؛ وكأني بالتاريخ يعيد نفسه بشكل عكسي في إطار التغذية الراجعة feedback.
حينما نصف فنانا بالعالمية، فذلك يخضع لمعايير محددة؛ فحينما نقول أن الشاب خالد فنان عالمي؛ فلأن أغنيته الخالدة “عيشة” يتغنى بها المسلم والمسيحي واليهودي والمغاربي والعربي والامريكي والفرنسي والايطالي والفرنسي والياباني والصيني وغيرهم.
في خريف العام 2007، وقت خروج هذه الأغنية إلى السوق، كنت أتخذ منها رنة مميزة لهاتفي. وفي احدى المرات بينما كنت ألقي عرضا، رن هاتفي وكانت الرنة على مسمع من الحضور الذين انفجروا ضحكا. فساد بعد ذلك نوعا من الصمت الرهيب بالقاعة؛ لسبب بسيط هو أنني لم أتقاسم معهم تلك الضحكات والابتسامات التي كانت تملأ القاعة. بعد لحظة خيم الصمت من جديد على القاعة أثناء ردي على المكالمة الهاتفية؛ حيث كل الحضور يسترق السمع من باب الفضول لمعرفة فحوى المكالمة الهاتفية. (يعني التجسس على المكالمة الهاتفية وبمرأى مني). وبعدما أتممت الإجابة على المكالمة الهاتفية المستعجلة والاضطرارية؛ استأنفت إلقاء العرض. وبخروج عن السياق العام للموضوع، بدأت بين قوسين في شرح مقتضب لمعاني هذه الأغنية وقلت، لازلت أذكر جيدا كلامي في ذلك العام:
إن أغنية يا البابور وتعني السفينة، والسفينة لها دلالة القيادة إلى بر الأمان والحكم والتدبير والتسيير لشؤون الناس، يا مون أمور؛ يعني العشق والتعلق والحب للمسؤول عن القيادة من طرف المواطنات والمواطنين، وهذا النوع من الحب المعبر عنه، يحيل إلى نوع من العتاب لمن نحب؛ أي حب المسؤولين الذين اخترناهم لتدبير شؤوننا والتكلم دوننا ونيابة عنا، حبا أو كرهًا.
وخرجني من لمزير؛ misère la تعني الاخراج من حالة ووضعية التعاسة التي أعيشها في وطني؛ في بلادي وأنا محكور؛ وتعني مهان ومحتقر والحكرة ومحكور عندها معاني وبعد في مفهوم الاستبداد والظلم في المتخيل الشعبي؛
وهنا أستحضر هذه الفقرة من كتاب صمود وسط الإعصار: “لعل أخطر اتهام يمكن أن يوجه هنا ضد المغرب الكبير هو أنه كان دائما بلدا غنيا وسكانه فقراء. فلا يمكن ان يكون الفقر فيه حينئذ إلا عرضيا لا هيكليا، وبالتالي، يجب اعتباره ناتجا على الأخص عن سوء التدبير وسخف المؤسسات العامة والغلو الاقطاعي في الاستغلال، لا عن انعدام حقيقي لمادة الرفاه في البلاد وقحالة جوهرية في مصادر الإنتاج المادي وعناصر التنمية” على حد تعبير الأستاذ عبد الله ابراهيم.
راني عييت وجوني مار، J’en ai marre ! ليس بالمعنى الذي عبرت عنه المغنية نجاة اعتابو، بل الاصابة بالإحباط وفقدان الأمل في الحياة وسيطرة الملل وتسربه الى النفوس؛
هذه الأغنية تكتنف في الحقيقة شعار النشيد الوطني لدول المغرب العربي الخمسة وتعبير بسيط وعميق عن سيكولوجيا ومعاناة الانسان المقهور في المجتمعات المغاربية.
وأضفت في الما بين قوسين؛ في عهد الاستعمار والحماية، يئس الانسان المغاربي من طول انتظار ما كان يسمى بإيديولوجية العقد الاصلاحي الذي تدرعت به السلطات الاستعمارية المحتلة وصور القهر والادلال الممارس عليه؛ فاختار سبيل التضحية، وضحى فعلا الآباء والأجداد، من أجل الاستقلال والحرية، ومن أجل التنمية؛ قبلوا التضحية كي يستفيد او تستفيد الأجيال القادمة من تنمية البلاد وخيراتها وتدبير شؤونه بنفسه بالاعتماد على الذات وفي استقلالية وفي معزل عن أي تدخل من الآخر الذي كان يدعي أنه هو المخلص والمنقذ.
لكن حدث وأن حصلت الدول المغاربية نوعا ما على “استقلالها” وحصلت التنمية فعلا وتحققت في مجالات عديدة ومتعددة، إلا أنه حدث واستفادت فئة قليلة جدا من المتاح من هذه التنمية والموارد، في حين همشت الغالبية العظمى من أفراد الشعوب المغاربية، دون مبرر شرعي ومشروع لهذه المفارقة الكبرى!
فالتنمية لا تكون لها شرعية لدى الشعوب والأمم؛ إلا إذا كانت تستفيد منها بشكل كلي، وسريع ومباشر أيضا، وهذه هي التطلعات والحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني. هذا الخطاب فقد شرعيته لدى الشعوب المغاربية، وأصبحت التنمية مجرد شعار في الخطاب السياسي، وذلك نتيجة استراتيجية” الدول وتوجهاتها وسلوكها الذي يعيش حالة تأزم، فقضت بالتالي على المشروع التنموي الوطني الذي ضحى الانسان المغاربي من أجله ولازال يضحي، والمتمثل في المبادئ الثلاثة التالية:
أولا: مبدأ الوطني؛ ما معنى وطني؟ وطني يعني التقوقع على الوطن، كيفما كان هذا الوطن منسجما أو غير منسجم، وبتركيبته التنضيدية الاجتماعية المتنافرة.
ثانيا: مبدأ الديمقراطي؛ كإحدى المطالب العامة؛ فالديمقراطية بشكل بسيط هي بنية اختلاف، ومصالح متناقضة للطبقة العاملة، الفلاحين، التجار، والمهنيين… وغيرهم؛ فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل ويستطيع الوقوف في وجه النزعات التسلطية للدولة في بعض جوانبها وصورها وتجلياتها. ويبقى للدولة دور المنسق في المفاوضات وخلق التسويات، وهنا تكمن مشروعية الدولة كآخر مقاولة وصل إليها الإنسان في إنتاج طرق التنظيم.
ثالثا: مبدأ الشعبي؛ التنمية لا تكون لها أية شرعية عند الشعوب إلا إذا كانت هذه الشعوب تستفيد منها بشكل سريع ومباشر وشامل أيضًا. فالإنسان المغاربي قبل التضحيات من أجل الدخول في مرحلة التحديث وتحقيق تنمية وطنية يستفيد منها، كان ينتظر أن يستفيد من تضحياته أو يستفيد منها أبناؤه فيما بعد وان يتولى تدبير شؤونه بنفسه.
هذا الخطاب فقد شرعيته؛ ذلك، حتى وأن التنمية تحققت في بعض الجوانب، إلا أنه لم يستفد منها بالشكل الذي كان يطمح إليه. بحكم غياب سياسات وبرامج وخطة عمل محكمة تضع المواطن في صلب اهتمامها.
وفي هذا الاطار؛ ونحن نقرأ الى جانب الاحالات والتوجهات الملكية السامية؛ نستحضر مقتطفا من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك يوم السبت 29 يوليوز2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش حين قال: “ولكننا نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها… بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم.
فإذا كنا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، كالفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة، فإن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا.”
ومرد ذلك، يقول جلالة الملك محمد السادس في تشخيصه لهذا الوضع: “وذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والاستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والإلتقائية، والتبخيس والتماطل، بدل المبادرة والعمل الملموس”. انتهى كلام جلالة الملك محمد السادس.
لذلك أصبحنا نحتاج لنمط من التنمية تشرف عليه نخبة مسؤولة تحظى بقيم الثقة وتستجيب للمشاكل والقضايا والمطالب الشائكة من أجل الخروج من عنق الزجاجة، في ظل ظروف وملابسات داخلية ومناخ اقتصادي عالمي متغير ومتجدد باستمرار.
فكيف تستطيع أن تكون بلداننا قادرة على المنافسة وقادرة على الدخول إلى اقتصاد السوق، وهل هذه النخبة ستتيح لنا اللحاق بالمراكز الرأسمالية المتقدمة والمسيطرة؟ انتهت عملية الخروج عن الموضوع. فاهتزت تلك القاعة التي خيم عليها صمت رهيب والحضور يصغي لأول مرة لمعنى ومغزى أن تكون في بلدك تحس بالحكرة وتدفن تحت الأطنان والقناطير المقنطرة من الإهمال والتهميش والفقر والهشاشة؛ وهذه غاية الإنكار من هذه البلدان التي ليست بالمنصفة؛ بالتصفيق مرة أخرى؛ تصفيق دام لمدة خمسة دقائق اعتبرتها مجرد وقت ضائع من عمر القاء العرض؛ لأننا لسنا في حاجة إلى المزيد والكثير من التملق والمبالغة في المدح، فقد أشبعنا الأشخاص والمؤسسات والقيم مدحا وتملقا وثناء؛ وإحاطتها وإشباعها بهالة من التمدح، ولم نتقدم ونرتقي في شيء إلى الأمام وتحقيق ما هو مطلوب وأساسي وجوهري من تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.
فحينما نتحدث عن دور الفن في الحياة؛ ليس فقط كمتنفس وكترويح عن النفس وتنشيط لخلايا الدماغ والسكون إلى الروح؛ وأشواق حياة الإنسانية؛ بل الفن هو كذلك تعبير عن قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وهموم الناس وإيجاد حلول لمشاكل مستفحلة في مجتمع ما.
مع الأسف لم نستطع الرقي بالمجال الفني إلى فضاءات أكثر فاعلية واختزلناه فقط في توجيه اتهام له كونه السبب الرئيسي في سقوط الأندلس؛ في استبعاد تام لقضية المعتمد بن عباد وغيرها من القضايا السياسية التي كانت السبب المباشر في سقوط الأندلس.
وحتى في مجال الفنون الأخرى لدينا إعاقة كبيرة مثلا في مجال الرسم كفن؛ ونضرب مثلا بالهندسة المعمارية لمدننا وأزقتنا وشوارعنا وبنايات مرافقنا العمومية التي أصبحت كالنعامة التي لا تفتح أي فضاء ومجال للتطور والانفتاح؛ لنكتشف كيف صممنا وخططنا للغباء الجماعي في هندستها.
في مجال السينما والمسرح كفنون أدبية راقية، لم نتجازر في الكثير من الأحيان مستوى الرداءة والتفاهة والسخافة في الانتاج والسيناريو والإخراج المسرحي والسينمائي. وحتى مدينة السنيما ورززات، التي يطلقون عليها هوليود المغرب، لم تستطع الرقي بحال أبناءها الذين يمضغون اليأس ويتجرعون اللوعة ويجترون الذكريات، في غياب بنيات تضمن لهم وسائل العيش المستدام المعتمد على الذات والفاعل والبطل، بدل القيام بدور الكومبإرس الذي يلعب دورا ثانويا من خلال لقطة في المسلسل أو الفلم.
هنا يجب استحضار دور هوليود لصناعة السنيما في معالجة العديد من العقد النفسية لدى الشعب الأمريكي بسبب الهزيمة في حرب فيتنام. فهي ليست مجرد مدينة لتجارة للأفلام؛ بل مستشفى للأمراض والعقد النفسية والاجتماعية المتفشية في المجتمع الأمريكي الذي يعاني الفقر والفوارق الاجتماعية والأمية والجهل وغياب التغطية الصحية والأداء من أجل إجراء فحوصات التحقق من الخلو من فيروس كورونا.
هذه الأغنية، وكأني بلسان حال كاتب كلماتها وملحنها ومغنيها ومن قام بأدائها؛ يقول أن ذلك العدو الذي طردناه من بلداننا، طرده آباؤنا وأجدادنا في الأمس القريب، ها نحن نتبعه للبحث عنه ونموت في قوارب وفي عرض وفي الثلث وفي الربع الخالي من أعلي البحار. ولعل آباؤنا وأجدادنا، نسأل الله أن يفتح لهم أبواب الرحمات والمغفرة وأن يجازيهم خير الجزاء ويدخلهم الجنة جزاء ما فعلوا؛ يترنحون في قبورهم حسرة على أفعالنا تجاه من طردوه من بلداننا واسترخصوا دماءهم من أجل أن نعيش نحن الآن في سلام آمنين.





