المغرب ما بعد كورونا

إيطاليا تلغراف

 

 

محمد خياري *

 

توطئة:

مع انتشار فيروس كورونا المستجد في المغرب، حاول عدد من المفكرين والمتخصصين فهم هذا الانتشار وأثره سواء على الفرد أو الجماعة، وعلى مختلف الأصعدة: السياسية الاقتصادية والاجتماعية… .

وإذا كان جزء من هؤلاء المفكرين والمتخصصين قد سجل نجاح المغرب إلى حد ما في تدبير هذه الأزمة، في انتظار القادم من الأيام، فإن المستقبل يبقى غامضا، ولا أحد يعرف مآلات الجائحة وما ستخلفه، ليبقى كل ما قدم -لحد الساعة-مجرد تخمينات وتكهنات بعضها ينبني على معطيات موضوعية كإحصائيات تجارب ميدانية وأبحاث علمية، والبعض الآخر على معطيات غير موضوعية إما ذاتية أو طائفية أو غير ذلك.
وسأحاول بدوري، أن أقدم في هذه الورقة بعض الخلاصات التي أرى أنها ستكون حيوية ومهمة بالنسبة لمغرب ما بعد كورونا سواء على المدى المتوسط أو البعيد.

أولا: السوق :
من الخلاصات التي يمكن أن نستنتجها من هذه الأزمة الوبائية الحالية، أهمية السوق وثقافة السوق. فلا يمكن للمغرب أن يتقدم إلى مصاف الدول الصاعدة بالاعتماد على القطاع غير المهيكل وعلى اقتصاد الريع بمختلف أشكاله وأنواعه، لأن هذا الأخير لا يعني سوى غياب الشفافية وضياع أموال طائلة من الضرائب، والتي كان بالإمكان أن تساهم في تمويل عدد من المشاريع التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع،وتجعل المغرب يربح عددا من النقط على مستوى التنمية المستدامة، لاسيما إذا علمنا أن المستفيد الأكبر من القطاع غير المهيكل والريع ليس الفئات الهشة الفقيرة والمعوزة بالدرجة الأولى، وإنما عدد قليل من الفئات التي يعتبر عملها أقرب إلى عمل المافيات منه إلى شيء آخر.

فالسوق باعتباره فضاء حقيقيا أو افتراضيا تطبق فيه عمليات الطلب والعرض، ويوفر تفاعلا بين البائعين والمشترين، من أجل تقديم الخدمات وبيع السلع مقابل المقايضة أو المال ، هو المكان الحيوي الذي يمكن من تقدم المغرب ورقيه، مع كل ما تحمله الكلمة من قيم العمل، والمنافسة و الابتكار ، بالتالي ترك السوق يحدث مفعوله، سيحمي خزينة الدولة، التي هي ملك مشترك لجميع المغاربة، من التحول إلى ” بقرة حلوب” كل واحد يلجأ إلى الضغط عليها عن طريق جماعته أو شريحته المهنية عله يفوز منها بجزء من أموال دافعي الضرائب، وذلك لإنقاذ أرباحه التي كان يتوقع أن يحصل عليها.

فالسوق يبقى قادرا على استيعاب كل ما يقع أمامه من مستجدات. وكما حاول استيعاب ما جاءت به الديانات من تسليع لبعض أحكامها وإدماجها وتحويلها كمصدر للتجارة والربح وتحويل عدد من رموزها إلى سلع تباع وتشترى، واستيعاب جزء من مبادئ النظام الاشتراكي بإدماجه لمبادئ العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وحقوق العمال، فإنه يستطيع استيعاب ما فرضه فيروس كورونا المستجد الخطير من تباعد اجتماعي وحجر صحي من خلال دعم تسوق الناس عبر الإنترنيت، و إنعاش عدد من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، كما هو الشأن بالنسبة لأسهم الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا، وشركات الأدوية والشركات الغذائية والنسيج.

ثانيا: ثلاثية النجاح:
وهي الخلاصة الثانية التي يمكن الخروج بها من انتشار وباء كوفيد 19، وتتمثل في أهمية الصحة والتعليم العموميين و الانخراط في مشاريع الذكاء الاصطناعي والرقمي كمفاتيح لنجاح المغرب في المستقبل القريب والمتوسط.
فقد تأكدت بالملموس أهمية أن تظل الصحة ويظل التعليم ضمن الخدمات العمومية، التي يتحملها المجتمع بأكمله في شكل نفقات عمومية واشتراكات اجتماعية، لأنهما قطاعين ترتكز فيهما جودة عيش الأفراد، وتتقوى فيهما مناعته وعلاجه من الأمراض الصحية العقلية والجسدية.

لذا لابد من اعتبار الصحة والتعليم خدمات عمومية منفلتة نسبيا عن المنطق السلعي حيث لا تقدم الخدمات وفق القدرة الشرائية وإنما وفق مبدأ الاستجابة للحاجيات الأساسية. ومن الأهمية بمكان في هذا الإطار الحد من توسع القطاع الصحي والتعليمي الخاص، من ذلك بوقف هجرة الطبيبات والأطباء والمدرسات والمدرسين من القطاع العام، وفرض قيود ضريبية على المصحات الخاصة والمدارس الخاصة، وتطبيق نظام أسعار غير خاضع لحرية المنافسة.

من جهة أخرى، لابد من توظيف التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي على وجه التحديد، من أجل تجاوز الأزمة الحالية، إذ بوسع الذكاء الاصطناعي تسريع التنمية والتقدم في جميع الميادين: المقاولة، الصناعة، الخدمات، الطب، والربح كذلك في الفعالية وتقليص النفقات وتحسين مناهج العمل. كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن من الحصول على تمويلات ضخمة واستثمارات على المستوى العالمي، ويساهم في تطوير مهارات الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي والرقمي، لأنه أضحى لا محيد عنه، على اعتبار أن ما يقرب من ثلاثة أرباع المهن التي ظهرت منذ 2010 تنتمي إلى المجال الاصطناعي والرقمي . ولذلك يتعين إقرار قواعد واضحة ومحددة بشكل جيد حتى يكون بوسع المغرب الاستفادة من التقدم العلمي، والاستفادة من التكنولوجيا الدقيقة التي تحدث تفاوتات بالفعل في عالم يقوم فيه الاقتصاد على المعرفة والعلم واللاماديات.

ثالثا: الصمود وسط الإعصار
إن العلاقات الدولية تتميز حاليا باحتدام الصراع بين الصين وأمريكا، وهو صراع زاد حدة مع صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد شكل انتشار فيروس كورونا الخطير في الصين مرحلة حاسمة في الصراع الأمريكي الصيني، حيث إنه يقدم نقاطا إضافية لواشنطن في صراعها التجاري مع بكين من خلال مزيد من الإجراءات المتوقعة اتجاه كل ما هو قادم من الصين، سواء من الأشخاص أو المنتجات، بذريعة المخاوف من تفشي المرض بين المواطنين الأمريكيين.

وقد ارتكزت قفزة الصين الاقتصادية من جهة أخرى على إرث فكري عميق للغاية، ولعل هذا ما جعل الأمريكيين متحفزين دائما للمواجهة مع الصين بدعوى أن الدوافع الصينية ليست اقتصادية، وإن تلبست بالغطاء الاقتصادي. فالأمريكيون يرون في الصين والشرق عموما أنه يمثل خطرا على القيم الليبرالية التي تدافع عنها الولايات المتحدة، وتمنحها القوة في ثنائية المواجهة القطبية بين الشرق والغرب. والمغرب هنا يجد نفسه مرة أخرى أمام قوتين عظيمتين كل واحدة تحاول أن تجلبه إلى صفها. لذلك تجده حذرا من الانخراط في الموجة العالمية لإدانة الصين بسبب القمع الذي يتعرض له المسلمون” الإيغور” تحت مبرر الحرب على الإرهاب. وهو يعمل جاهدا على إيجاد موقع قدم له في مشروع الصين” الحزام والطريق”، تلك المبادرة التي جرى الكشف عنها، وتشتمل 68 دولة يقطنها نحو 65 % من سكان العالم، وتسعى للاستثمار في البنية التحتية والتعليم والسكك الحديدية والطرق السريعة والسيارات والعقارات وشبكة الطرق والحديد والصلب.

وكذلك دعم الحضور الثقافي الصيني المتزايد في المغرب، وفي نفس الوقت يعمل على عدم إثارة غضب الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها، ويحاول إقناعهم بجدية تنويع المغرب لشراكاته الاستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى، كي يصمد كعادته أمام الإعصار حسب تعبير الأستاذ عبد الله إبراهيم في محاضراته وكتبه، ذلك الصمود الذي يؤكد النبوغ المغربي في مواجهة الأعاصير السياسية عبر التاريخ .

– يمكن الإشارة هنا إلى عدد من الكتابات الصحفية و المؤلفات الجماعية التي تناولت جائحة كورونا بالمغرب:

– مؤلف جماعي: جائحة كورونا والمجتمع فعالية التدخلات وسؤال المآلات، المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات 2020
– مؤلف جماعي: فقه التعامل مع كورونا.منشورات المنتقى، 2020.
– مؤلف جماعي: الدولة والقانون زمن كورونا. سلسلة إحياء علوم القانون، 2020
مؤلف جماعي: خطاب الجائحة رؤى ومقابات، آفاق، 2020
– حوار مع عالم الأنثربولوجيا المغربي حسن رشيق: المغرب: كيف تغير جائحة كورونا نمط الحياة وعادات المغاربة؟ – Qantara.de
– market”, Business Dictionary, Retrieved 6-3-2017. Edited.
سعيد أمزازي: تطوير الذكاء الاصطناعي يشكل رافعة للنهوض بتشغيل الشباب. http://istitmar.net/archives/37913
– عبد الله إبراهيم: صمود وسط الإعصار: محاولة لتفسير تاريخ المغرب العربي. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1979.

باحث في العلوم الإجتماعية*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا