هشاشة القيم وضعف مناعة الإيمان لدينا..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور عبدالله شنفار

شاهد الجميع المغنية الأمريكية “جينيفر جراوت” وهي ترتل آية الكرسي؛ بذلك الصوت الشجي والجميل، الذي يبعث سماعه على الخشوع؛ ليس لأنه صادر عن مغنية أمريكية؛ ولا لأنه بصوت أنثى؛ لا أبدا؛ بل لأنه كلام الله عز وجل؛ بغض النظر عن رؤية حتى وجه من يتلوه ويرتله ترتيلا. فبمجرد الانصات والاستماع إليه فقط، دون مشاهدة حتى صاحب أو صاحبة الصوت تطرب له الأذن استحسانا.

وفي إطار التسويق للإسلام؛ والدين الإسلامي؛ تجد تقاسم هذا المقطع والتفاعل معه بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي: واتساب، وتوتر فيسبوك وانستراكرام والمسنجر واليوتيوب ومختلف المواقع الإلكترونية… وغيرها من مختلف المنابر؛ بل أكثر من ذلك تجد من يصفق ويهلل ويطبل ويسبح مرددا: “اللهم انصر الاسلام والمسلمين”.. وآخر مندهشا ومستغربا يقول: سبحان الله!

لكن يحق لنا نحن أيضا أن نتساءل: حينما تتضرع الى الله تطلب هذا النصر؛ ينصرك على من؟ وبماذا سينصرك؟ كيف ومتى سينصرك؟ أبهذا المقطع من مشهد فيديو تتم نصرة الاسلام والمسلمين؟ هل الاسلام في حاجة الى هذا النوع من التسويق في السيناريو والاخراج الرديء والسخيف والتافه في الأداء؟
الأدهى من ذلك، سمعت احدهم وهو يصف مذهولا ومشدوها، ولسان حاله يقول: “والله لقد ازداد إيماني لما شاهدت هذه المغنية الأمريكية جينيفر جراوت ترتل القرآن؛ بل ازداد رصيد إيماني أكثر لما سمعت أنها قد أسلمت ودخلت الاسلام!..” يا سلام!

وفي مشهد آخر؛ شاهدنا جميعا عبر مقاطع فيديو كيف كان آخر يصيح بأعلى صوته مرددا: الله أكبر! لمجرد رفع الآدان بمساجد هولندا وبلجيكا وإيطاليا، أثناء ظروف الحجر الصحي بسبب تفشي جائحة وباء فيروس كورونا المستجد؛ بل أحيانا توظف بعض القيم الاسلامية بشكل فيه نوعًا من السادية والعدوانية ضد الآخر، حينما توظف مقولة: “كنتم خير أمة أخرجت للناس” بشكل فيه نوع من العداء للآخر؛ نعم خير أمة؛ ولكن يجب أن تكون خير قدوة للناس أيضا.
لكن لماذا يسكننا نوع من الاستعلاء والاستقواء البشري على الآخرين؟ لماذا نتخذ بعض قيمنا الاسلامية من أجل التشفي والتفاخر والأبهة على شعوب وأمم أخرى؟ لماذا فهمنا الآخر، في حين نحن مازلنا نبحث عنه؟
ونضرب لهم مثلا على ذلك؛ لما دخل الرئيس الصيني أحد مساجد المسلمين؛ هناك من فسر تفشي وباء كورونا بهذا البلد كرد فعل وانتقام من الله جزاء لهم عما تعرضت له أقليات مسلمة من إبادة جماعية في وقت ما على يد متطرفين.
نتساءل كذلك حول الضمانات في صمود المغنية جينيفر وغيرها في البقاء على مبادئ وقيم الدين الاسلامي وأشكال التدين فيه؟

لربما بين عشية وضحاها يرتد هؤلاء نظرا للعجز وهشاشة القيم لديهم؛ فيصير كل ما بنينا عليه قوة ومتانة ايماننا مجرد وهم وشعار في التسويق للدين الذي يرقى فوق كل هذه الأشكال والنماذج والصور.
حينما نستحضر المرافعات العلمية والفكرية لعلماء وفقهاء الفكر الاسلامي؛ لنخجل من أنفسنا حقا. مرافعات تقوم على الاقناع في شرح وتبليغ مبادئ الاسلام والدين السمحة وتبسيط ذلك المشترك في القيم بين الانسانية جمعاء. من خلال نشر مبادئ التسامح والتعايش والتضامن والتكامل واليسر عوض العسر. المرافعة السوية التي تقوم على استراتيجية التواصل العقلاني والمنطقي مع الآخر، الذي يؤمن بقيم ومبادئ أخرى. وهنا نميز بين القدوة التي تبيع الوهم! والقدوة المزيفة! والقدوة المؤقتة أو المصلحية!.. أما القدوة التي تستحق التقليد؛ فهي قدوة الحب والجمال؛ لان الجمال؛ هو ان نفعل الخير مع الناس، والحب هو ان نعيش في قلوب هؤلاء الناس.. علماء كثر؛ تناسيناهم وتجاهلناهم وقمنا بدفنهم ودفن إنتاجاتهم الفكرية والأدبية والفلسفية والعلمية بقناطير مقنطرة من التهميش والإبعاد والإهانة والإهمال؛ وفتحنا الأبواب والطريق أمام اصحاب الفكر التافه والسخيف والخواء وكيان الهزيل والمنحط والرديء؛ وهذه القمة وغاية الإنكار من هذه الدنيا التي ليست بالمنصفة.

لقد أصبحنا حقيقة شوهة وفضيحة بين الشعوب والأمم وحكموا علينا بالغباء الفردي والجماعي؛ فلما يشاهد العالم الذي اصبح قرية صغيرة جدا؛ طرق تفاعلنا مع التفاهة والسخافة في الافراد والجماعات والمؤسسات أيضا؛ فهو يدرك كيف من السهل تنطوي وتنطلي علينا الحيل. بل هناك من يكن الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين، ويتربص فقط الفرصة من أجل ركوب الدناءة للإساءة الى الاسلام؛ والذي يتفنن ويبدع في مثل هكذا أساليب؛ لزيادة وتكريس جرعة الغباء والبلادة فينا؛ من خلال صرف أموال طائلة وباهظة جدا على هذه الأساليب والآليات؛ وتسخير من يؤلفها وينتجها ويجعل لها السيناريو والاخراج والتوزيع والنشر والتسويق ودراسة مناطق ومساحات وطبيعة ونوع المستهدفين بها. ويدرس متى وكيف يتفادى من يحاربها ومن يعي بخطورتها. ولنا أمثلة كثيرة في محاولات تشويه الأحاديث النبوية الشريفة بالزيادة والتعديل والنقصان فيها وفق أجندة تخدم مصالح هؤلاء في الزمان والمكان عبر التاريخ.

مقولة خير أمة أخرجت للناس؛ فبكلمة واحدة وهي: استووا؛ لينتظم المصلون. ونفس الكلمة عند العسكر وهي: انتباه؛ أو بالْكُمْ؛ لينتظم آلاف الجنود صفا واحدا دون اعوجاج.
لكن إقامة الصلاة شيء وأداء الصلامة شيء آخر.. فبداخل المسجد خشوع وصوت خافت ومصافحة الجالس جنبك ويمينك وخشوع وأخلاق وقيم وأحيانا بكاء من صوت رائع في تجويد القرآن؛ ومن المفارقات ان تجد الأحذية التي تفوح منها رائحة الارجل جنبا لجنب مع المصلي أو أمامه يشتم رائحتها هذا الله المصلين؛ خوفا من سرقتها! أو تركها بخارج المسجد بطريقة غير منتظمة مبعثرة.
وبعد اتمام الصلاة أمام باب المسجد تسمع الحديث والجدال بصوت صاخب ومرتفع؛ والخصام وتغيب اساليب الخشوع والمصافحة التي كانت بالداخل. وترى من يمتطي سيارته يرمي بالأزبال من على نافذة السيارة ولا يحترم اشارة المرور والضوء الاحمر وقف واسبقية اليمين؛ الا اذا كان هناك شرطي المرور! في حين كان حريا به احترام القانون حتى في غياب شرطي المرور.

احترام القانون المغشوش تجاه الناس وكذا الايمان المغشوش تجاه الله عز وجل؛ دليل على أزمة القيم لدى الناس. صلاة الابهة والمظاهر والتباهي في العطاء جهرا وأمام كاميرات الهاتف؛ وننسى كون جانب الحق المعلوم للسائل والمحروم.
في عز شهر رمضان؛ شهر الرحمة والغفران تشاهد الرقم القياسي من المشاحنات والمخاصمات والاشتباكات بالأيدي وحتى التناطح والتساطح بالسيارات. هذه هي القمة في هشاشة القيم وضعف المناعة لدى الناس.

مع الأسف؛ لسنا مسلحين بما يلزم وبما فيه الكفاية؛ من المناعة الفكرية والعلمية والقوى الروحية ودرجات كبيرة من الوعي، لتحصين الذات من الاستخفاف بذكائنا..
فهل سيبقى قدرنا فرض هذا الاعتباط واستغلال سذاجة البعض منا وفينا؟ ولكن إلى متى وبأي ثمن؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...