اللوائح الانتخابية العامة بالمغرب من الوثيقة السياسية إلى الوثيقة القانونية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور عبدالله شنفار

كثيرا ما يطرح النقاش والجدال بين مختلف مكونات المشهد السياسي في المغرب؛ حول اللوائح الانتخابية العامة المعتمدة في مختلف الاستفتاءات والاستحقاقات؛ خاصة بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية او الترابية؛ فتطرح اسئلة تنم عن صراع محتدم ودائم بين مختلف القوى العاملة داخل المجتمع، وتتمحور هذه التساؤلات والصراعات حول:
– هل نقوم بوضع وصياغة لوائح انتخابية جديد؟ أو ما يطلق عليه باللغة الفرنسية: Refont
– أم نكتفي بمراجعة وبتحيين وبتنقيح للوائح الانتخابية العامة الحالية؟ أو ما يطلق عليه باللغة الفرنسية: Révision
في اللوائح الانتخابية العامة؛ هل نتحدث عن المراجعة أم عن التشطيب والتحيين؟ وما علاقة ذلك بنسبة المشاركة؟
يجد السؤال مشروعيته ومبرراته؛ في كون معيار ومؤشر الديمقراطية في بلد ما؛ أصبح يقاس بمدى نسبة المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية من خلال الديمقراطية التمثيلية من طرف مواطنيه.

ونجيب؛ على انه من المفروض أن يكون هناك التشطيب والتحيين؛ وليس المراجعة او وضع لوائح انتخابية جديدة. لكن؛ لماذا؟ وكيف؟

سواء تعلق الأمر بمراجعة أو وضع لوائح انتخابية عامة جديدة؛ فإن العملية تتطلب الكثير والمزيد من الجهد ومن المتطلبات والمستلزمات المادية والقانونية والبشرية التي يسهر عليها السادة رجال السلطة وأعوانهم؛ والسادة القضاة؛ بحكم أنهم هم من أسند لهم القانون تولى رئاسة اللجان الادارية المكلفة بمراجعة اللوائح الانتخابية العامة؛ بحيث أن كل عمل إداري، إلا ويتطلب موارد مادية ولوجستية وبشرية موازية ومرافقة له؛ وهي عملية جد معقدة وتركيبية.
مبدئيا، من المفروض ان كل مواطنة وكل مواطن وصل السن القانوني؛ حاصل على بطاقة التعريف الوطنية الإليكترونية؛ ولا يوجد هناك أي مانع من موانع الاهلية الانتخابية، يحول دون قيده باللوائح الانتخابية العامة؛ فهو مسجل باللوائح الانتخابية العامة اوتوماتيكيا.
وبالتالي فإن المراجعة تقتصر فقط على ملائمة التسجيل والسكن أو الإقامة الفعلية الرئيسية وإصلاح الأخطاء المادية والتكرارات؛ وليس التسجيل أو وضع لوائح انتخابية جديدة.

أما حينما نتحدث عن نسبة المشاركة كمعيار لقياس مدى مستوى ودرجة الديمقراطية التي وصل اليها بلد ما؛ وذلك في ظل العزوف عن التسجيل والمشاركة في العمليات الانتخابية؛ ومن أجل تحقيق الامن القانوني والقضائي؛ أي مدى الضمانات المخولة من أجل أن تعرف قاعدة قانونية مسارها الصحيح للتطبيق؛ عملت الدولة المغربية على اصلاح مرفق الحالة المدنية من قبل مصالح وزارة الداخلية؛ وتخللت ذلك الحملات الميدانية للحصول على البطاقة الوطنية للتعريف من خلال تقريب خدمات المرفق؛ وكذا الجلسات التنقلية للسادة قضاة محكمة الاسرة من أجل إثبات الزوجية والاقرار بالبنوة وتوثيق عمليات وحالات الزواج خارج العقد؛ وتمديد مدة حالات تبوث الزوجية، وغيرها من الاجراءات الهادفة لهذه الغاية، بالإضافة الى تبسيط الاجراءات والمساطر الادارية للحصول على مختلف الشواهد الادارية وتسهيل الحصول عليها ومحاولات انتهاج الادارة الرقمية في هذا المجال.

وعملية التشطيب هذه؛ تشمل الحالات التالية كما ينص عليها القانون، كفقدان الأهلية الانتخابية، حيث لا يمكن أن يقيد في اللوائح الانتخابية العامة:

• العسكريون العاملون في جميع الرتب، ومأموري القوة العمومية؛ كالدرك الملكي والشرطة والقوات المساعدة وسائر الأشخاص المشار إليهم في القانون.
• المتجنسون بالجنسية المغربية خلال السنوات الخمس الموالية لحصولهم عليها، ما لم يرفع عنهم هذا القيد وفق الشروط المقررة في القانون الخاص بالحصول على الجنسية المغربية.

• الأفراد المحكوم عليهم نهائيا بإحدى العقوبات الآتية:

1. عقوبة جنائية؛
2. عقوبة حبس نافذة كيفما كانت مدتها أو عقوبة حبس مع إيقاف التنفيذ لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر من أجل جناية أو إحدى الجنح مثل: السرقة أو النصب أو خيانة الأمانة أو الافلاس أو شهادة الزور أو تزوير الأوراق العرفية المتعلقة بالتجارة أو البنوك أو الوثائق الإدارية أو الشهادات أو صنع الأختام أو الطوابع أو طوابع الدولة أو الرشوة أو استغلال النفوذ أو تبديد أموال القاصرين أو اختلاس الأموال العمومية أو التهديد بالتشهير أو الغدر أو السكر العلني أو انتهاك الأعراض أو القوادة أو البغاء أو اختطاف القاصرين أو التغرير بهم أو إفساد أخلاق الشباب أو المتاجرة بالمخدرات؛
3. عقوبة حبس نافذة لمدة تتجاوز ستة أشهر من أجل الجنح مثل: الزيادة غير المشروعة في الأثمان أو الادخار السري للمنتجات أو البضائع أو الغش في بيع البضائع والتدليس في المواد الغذائية والمنتجات الزراعية أو البحرية.
4. عقوبة حبس لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر دون إيقاف التنفيذ أو عقوبة حبس لمدة تتجاوز ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ من أجل أي جريمة غير الجرائم المشار إليها أعلاه باستثناء الجنح المرتكبة عن غير عمد بشرط ألا تقترن بجنحة الفرار؛
• الأفراد المحرومون من حق التصويت بموجب حكم قضائي خلال المدة المحددة في الحكم؛
• الأشخاص الصادرة عليهم أحكام جنائية غيابية؛
• المحجور عليهم قضائيا؛
• الأشخاص الذين طبقت في حقهم مسطرة التصفية القضائية؛
• الأشخاص المحكوم عليهم بالتجريد من الحقوق الوطنية ما لم يستفيدوا من عفو شامل أو يسترجعوا حقوقهم الوطنية بعد انصرام المدة المحكوم عليهم بها.

هذا، ولا يجوز للأشخاص المحكوم عليهم بإحدى العقوبات المشار إليها في القانون أن يطلبوا قيدهم في اللوائح الانتخابية؛ إلا بعد انصرام خمس سنوات من تاريخ قضاء العقوبة أو تقادمها أو من التاريخ الذي أصبح فيه الحكم نهائيا إذا تعلق الأمر بعقوبة موقوفة التنفيذ؛ وذلك دون إخلال بالحالات التي يحكم فيها بالحرمان من حق التصويت لمدة أطول… وغيرها من عمليات التشطيب؛ التي تشمل: الوفيات والإصلاح للأخطاء المادية؛ والمعالجة المعلوماتية وملائمة السكن الفعلي وفقا للواقع غير المشار اليه والمضمن مسبقا على ظهر بطاقة التعريف الوطنية، نظرا لحرية الافراد في التنقل والاستقرار والتجوال في مختلف ربوع المملكة وتغيير في وضعياتهم القانونية والاجتماعية وأمكنة سكناهم وإقامتهم.

وهذا يعني مجموعة عمليات محدودة في الزمان والمكان في إطار محيط سوسيو سياسي، يستهدف هدفا معينا في جدلية اعتماد متبادلة وفي استمرار دائم بين إعمال القانون والواقع، وتتطلب كثيرا من الذكاء والدهاء والبحث والتحري والدخول في صراعات مع مختلف القوى الحاليين والمتوقعين أو المحتملين مستقبلا؛ حول محاولات الانزال الغير قانونية وغيرها من السلوكات التي تعودت حليمة عليها. وكذا الاتهامات المتبادلة بين الأطراف حول التزوير في الانتخابات؛ مع أنه حتى في الدول الأكثر ديمقراطية؛ فقد تجاوزت ترديد هذا الشعار المتعلق بالتزوير؛ وأصبح الحديث عن انتخابات تقوم على التسويات؛ من خلال العديد من الآليات كالتحكيم وتقريب وجهات النظر وخلق نوع من التوافقات والتراضي فيما بينها؛ من أجل منع والتصدي لوصول ارهابيين وانتهازيين محتملين أو مختلين… إلى الحكم وإدارة الشأن العام. حيث الجميع لم يعد يقبل بالتناحر إلى ما لا نهاية بين مختلف القوى وأطراف اللعبة. وهل أصلا التزوير في الانتخابات وسيلة للوصول الى مراكز الزعامة في تدبير الشأن المحلي بعيدا عن الارادة الشعبية في صنع القرار المحلي واقرار المؤسسات؟
هناك محددات لعبت دورا في توجيه العمل السياسي في المغرب. فاستحضار التاريخ ومواقف المعارضة وإدماجها في الحقل السياسي ومن خلال قراءة الوظائف الخفية للدستور، يؤدي إلى إبراز عناصر التباين والاختلاف والتي ميزت مرحلة الستينات، بين رؤية المؤسسة الملكية ورؤية المعارضة، فالتناقض والتجاذب الذي طبع مرحلة الستينات عرف عدة تطورات متتالية.

فمن خلال سياسة التحالف لتجاوز الحصيلة المتأزمة؛ بحيث إذا كانت الدول قد استطاعت التوصل إلى تعايش سياسي وخلف مناخ عام متناغم الى حد ما؛ وذلك بالنظر إلى طبيعة نظامها السياسي، فإن المغرب قد أبدع مفهوما يتناسب مع نظامه السياسي والاجتماعي كذلك الا وهو مفهوم “التراضي”، فهل يمكن الحديث عن قيام وإقرار هذه الآلية؟ في أفق تحقيق المصالحة، حتى تنتفي السيطرة اجتماعيا من خلال الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية، وتنتفي على المستوى السياسي من خلال اقرار آلية التناوب والحريات العامة والانتخابات النزيهة المتفاوض حولها؟

إن فكرة التحالف من خلال آلية تناوب البرامج تفضي إلى أن الوضع في المغرب يحيل إلى مفارقة كبرى، بحيث على الرغم من سيادة تنضيد سياسي متنافر، إلا أنه مع ذلك يتميز بنوع من التعايش أو التراضي التنازعي: Consentement Conflictuel من جهة؛ وبنفس التركيبة الاجتماعية التي لها نفس الميزة أو الخاصية التنازعية والتنضيدية المتنافرة والمتصارعة، من جهة أخرى.
يجب استحضار عدة متغيرات وتحولات، فيها الثابت وفيها المتحول والمتغير؛ فالبيئة المتحكمة في المجال السياسي في المغرب في الستينات كانت مبنية على سياسة التحالف بين النخب، نخب سياسية واقتصادية واجتماعية غير قابلة للتوفيق، متناقضة، مما أدى إلى سيادة نوع من الثقافة الاقصائية.
في مرحلة الاستثناء علقت الحياة الدستورية فبدأت الحياة السياسية في اتجاه مغاير.
في السبعينات تم تفعيل المجال السياسي، حيث إرساء قواعد دستورية وبروز اليمين السياسي بخصوصيته وتوجهاته الفكرية، يريد المشاركة في العمل السياسي من خلال القواعد الدستورية.
في التسعينات تم تفعيل العمل السياسي أكثر فبرزت إلى الواجهة حتمية التراضي، أمام تحديات المرحلة ومتطلبات الانفتاح والظرفية الاقتصادية العالمية.

هنا نتساءل هل هناك فعلا إمكانية للتراضي؟ هل يمكن الحديث عن ثقافة سياسية تفاوضية؟ من سيتولى مهمة نجاح هذا التراضي؟ هل نحن في حاجة إلى ضرورة التراضي لإعادة إنتاج العلاقات بين القوى، أي جميع فئات المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟ هل هناك إمكانية لقيام التراضي من خلال آلية تناوب البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
في احدى الانتخابات التشريعية، شهدت تسجيل عددا من الطعون من لدن جميع الأحزاب السياسية: الوفاق مثلا تقدمت ب: 65 طعنا، الكتلة ب 144 طعنا، الوسط ب 64 طعنا فيما بينها، أي داخل نفس التوجه السياسي الايديولوجي: 7 طعون من طرف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ضد حزب الاستقلال، و11 طعنا من طرف حزب الاستقلال ضد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

طيب، لو افترضنا أن الحوار والانسجام تقوده أغلبية وأقلية، فالمفروض أن الحوار والتسويات والمساومات تأخذ طريقها حتى حدود لا يقبل فيها الطرف المعارض الحد الأدنى أو الأقصى من هذه التسويات والمساومات. آنذاك تقع القطيعة، فتفرض الأغلبية توجهاتها مما يؤدي إلى تهميش الأقلية المعارضة، حفاظا على ما اعتبرته الأغلبية مصالح عليا أو رأسمالا رمزيا.
وفي تحليل الخطاب والحوار بين مجموع الفاعلين ببلدنا، فإنه دائما ينصب في اتجاه الأقلية بالانتقاد وردود الفعل، أي نحو اتجاه واحد، لكن أبدا لا يوجه نحو نفس الأعضاء من نفس الأغلبية. وهذا ما يطلق عليه غياب عملية التقاطع في الحوار والتسويات وعملية التواصل.
تجربة الحوار بين الكتلة والوسط والوفاق تحيل إلى القول بكونها كانت تشكل جبهة في اتجاه واحد كونه لا يريد أن يعمل. وتتوالى الاتهامات والانتقادات والاتهامات والانتقادات المضادة بين الأطراف مما يفضي إلى غياب الانسجام والتوصل إلى تسويات سياسية واجتماعية واقتصادية.

وهنا نستحضر مفاهيم التزوير في الانتخابات بين الخطاب السياسي والفعل الجرمي وننطلق من السؤال: ما هو المقصود بالتزوير؟ التزوير الانتخابي أو الغش في الانتخابات هو تدخل غير قانوني في عملية الانتخابية لتغيير أصوات الناخبين لصالح مرشح معين أو انتزاعها من مرشح آخر؛ من خلال إعمال الاحتيال في عملية فرز الأصوات او التلاعب في النتائج او لوائح الناخبين عن طريق زيادة في الاصوات المحصل عليها من خلال خصمها من حصة احد المتبارين المرشحين الاوفر حظا في الفوز وبالتالي التلاعب بأوراق الفرز والمحاضر.
وهناك صور اخرى يمكن اعتبارها نوعا من التزوير كالاعتداء والمضايقات التي يتعرض لها احد المرشحين المحتملين او التشهير به او الاساءة له اثناء او قبل الحملة الانتخابية او عن طريق استطلاعات الرأي السياسية؛ من خلال التوقع المحتمل في حظوظ احدى الهيئات او الاشخاص من خلال منح الجدارة والحظوظ: عبارة أكثر حظا للفوز؛ فيها نوع من التوجيه للرأي العام والناخبين. هذه الوسيلة تفلت من كل رقابة قانونية لتحقيق الردع العام او الخاص الانتخابي بالنظر الى طبيعتها.
لكن قبل القول بالتزوير او الافساد الانتخابي لابد من معرفة مختلف المراحل التي تمر منها العملية الانتخابية ومختلف التحضيرات التي تتم في هذا الاتجاه من قبل رجل السلطة انطلاقا من اعداد اللوائح الانتخابية حتى يوم تسليم صندوق الاقتراع بمحتوياته لرئيس مكتب التصويت.

بعد عملية اعداد اللوائح الانتخابية تأتي تحضيرات اخرى تهم احداث مكاتب التصويت وتتم هذه العملية من خلال معايير عدد المسجلين والبعد والقرب من مكتب التصويت وحسب الكثافة السكانية ومدى تشتت او تراص السكنيات ومراعاة تقريب مكتب التصويت من الناخبين واستحضار عنصر المشاركة في العملية الانتخابية وهذا الدور يبقى منوطا برجل السلطة في الميدان (القائد والباشا على الخصوص). وتحديد اماكن تعليق مختلف التعريفات والإشهاريات والرموز المتعلقة بالمرشحين للتباري اثناء الحملة الانتخابية. وبموازاة مع ذلك يقوم رجل السلطة بعمليات تكوين لرؤساء مكاتب التصويت من خلال التكوين النفسي للدخول في العملية الانتخابية كعملية وطنية وتشمل هذه العملية جعل رئيس مكتب التصويت يوم الاقتراع ممثلا للدولة ومسؤولا رئيسيا عن نجاح او افشال العملية الانتخابية دون تدخل من اية جهة كيفما كانت؛ يكفي ما يتوفر عليه من قدرة وشخصية في هذا المجال. واختيار عناصر لها القدرة على تدبير العملية ويتم اختار هذه الفئة من السادة رجال التعليم ومختلف الموظفين بالإدارات العمومية وكل شخص له القدرة او التجربة في هذا الباب.

وفي نفس الوقت يتم التحضير لعمليات اخرى تشمل تجهيز مكاتب التصويت بالمعازل والانارة والطاولات والكراسي وما الى ذلك من التجهيزات وتوفير الامن بمحيط مكاتب التصويت واشارات وعلامات تواجدها وترقيمها وفي نفس الوقت تلقي مختلف طلبات الترشيح والشكايات المتعلقة بالحملة الانتخابية والتأشير على اوراق التصويت ووضعها بصناديق الاقتراع الخاصة بها ومختلف الادوات المتطلبة في العملية الانتخابية من حبر وأقلام والأظرفة الخاصة بالمحاضر والأوراق الملغاة او المتنازع حولها وأوراق الفرز والمحاضر ولائحتين انتخابيتين للمسجلين بهذا المكتب او ذاك وآلات حاسبة والشمع الخاص بإغلاق الاظرفة وغيرها من الادوات القانونية الواجب توفرها بمكتب التصويت يوم الاقتراع والتي يتم توفيرها والتأكد من تواجدها بشكل صارم؛ حيث ان اغفال ابسطها يكون له تأثير سلبي على العملية الانتخابية يصل الى حد الطعن وابطال العملية الانتخابية برمتها لعيب في الشكل.

بعد ذلك يتسلم رئيس مكتب التصويت صندوق الاقتراع بمحتوياته بعد التأكد منها مقابل اشهاد بالتسلم على ذلك هنا ينتهي دور رجل السلطة الذي يبقى منحصرا في تحقيق الامن بمحيط مكتب التصويت ولا دخل له في العملية الانتخابية نهائيا منذ فتح مكاتب التصويت حتى اغلاقها وتوصله بالنتائج بعد عملية الفرز وتحرير المحاضر.
وهنا نشير الى ان النتائج لا يعتد بها من قبل رجل السلطة ( القائد او الباشا) الا من خلال نسخة من المحضر التي توجه اليه والتي توضع بمقر الجماعة الحضرية او القروية؛ وبالتالي يكون هؤلاء آخر من يعلم بنتائج الاقتراع لذلك نجد ان مختلف الاحزاب تتوصل بالنتائج الانتخابية من خلال ممثليها قبل مصالح وزارة الداخلية التي لا تأخذ بالنتائج عن طريق الهاتف؛ بل من خلال قراءتها بمضمون المحاضر الموجهة اليها من قبل رؤساء مكاتب التصويت المركزية التي تقوم بعملية الجرد والجمع والتحقق من العمليات الحسابية لمختلف المكاتب الفرعية وتحرير المحاضر وحصر النتائج النهائية من قبل رئيس مكتب التصويت المركزي.

وهنا نشير الى ان العديد من الناس يجهل هذه العملية ويكتفي بنتيجة احد المكاتب الفرعية ليروج لفوز احد المرشحين وإهمال نتيجة مكتب فرعي آخر مما يولد الانطباع والقول بالتزوير في الانتخابات دون التحقق من ذلك.
هنا نتساءل ما هي مجالات التزوير في ظل هذا المعطى الكرونولوجي وفي ظل هذه الظروف والملابسات المحيطة بالعملية الانتخابية؟ فإذا كانت كل هيئة تضع مراقبا او مراقبين لتتبع العملية الانتخابية وتكليف من سيتولى تتبع عملية التصويت ومن سيتتبع عملية الفرز وتسلم نسخة من المحضر حالا حتى قبل تسلمها من قبل ممثل وزارة الداخلية؛ فأين تكمن عملية التزوير وما هي حدودها؟ وما هي طبيعة هذا التزوير الذي يتحدث عنه؟ وهل هو تزوير بمعناه الفعل الجرمي او بمعناه السياسي الذي يتم توظيفه في الخطاب السياسي؟ ولماذا لا تتم دراسة نتائج الاستحقاقات الانتخابية التي عرفها المغرب؟ وهل يكفي القول بالتزوير للعزوف عن تناول المادة كمعطى علمي؟ هل يكفي عدم توفر المعطيات للقول بالتزوير الانتخابي؟ وما هي العراقيل التي يمكن التشبث بها للقول بعدم وجود المعلومات والمعطيات حول نتائج الاستحقاقات؟ وهل فعلا هناك عوائق تحول دون الوصول الى هذه المعلومات؟
جلالة الملك محمد السادس أدان هذا الأسلوب المثير حقا للاندهاش قائلا: “غير أن ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين.
ولا يفوتني هنا أيضا، أن أنبه لبعض التصرفات والتجاوزات الخطيرة، التي تعرفها فترة الانتخابات، والتي يتعين محاربتها، ومعاقبة مرتكبيها.
فبمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر. والجميع حكومة وأحزابا، مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم، ويدخلون في فوضى وصراعات، لا علاقة لها بحرية الاختيار، التي يمثلها الانتخاب.
وهنا أقول للجميع، أغلبية ومعارضة: كفى من الركوب على الوطن، لتصفية حسابات شخصية، أو لتحقيق أغراض حزبية ضيقة.” مقتطف من نص الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش يوم السبت 30 يوليوز 2016.
لكن لماذا؟ وهل؟ سبق لاحد من الباحثين طلبة او اساتذة وتقدم للتساؤل حول العمليات التي يتم اتباعها في العملية الانتخابية او تكليف نفسه حتى التقدم كملاحظ لتتبع مسارات العملية الانتخابية؛ ولو في يوم الاقتراع منذ فتح مكتب التصويت حتى فرز النتائج واعلانها ليتحقق من وجود تزوير من عدمه:

هنا لابد من التمييز بين التزوير الانتخابي بمعناه الجرمي؛ أي التزوير كفعل جرمي اجتمعت كافة المعطيات المادية الثبوتية للقول بذلك من خلال التحريات القضائية والقرائن والدلائل المنطقية. وبين التزوير كخطاب سياسي لا يقوم على أي اساس او قرينة تبوثية. وهنا يبرز دور رجل العلم الذي يتماهى والحياد القيمي بعيدا عن التأثيرات الايديولوجية لرجل السياسة. فحينما نقول بالتزوير فمن المفروض اننا وجهنا اتهاما بارتكاب فعل جرمي من المفروض اجراء فحث وفتح تحقيق قضائي بخصوصه من قبل النيابة العامة من خلال الاستماع لمن يدعي ذلك والإدلاء بالحجج والقرائن التي تبين ذلك وفي حال حصول البراءة او حفظ الادعاء يجب متابعة صاحب الادعاء بالوشاية الكاذبة.

فلمعرفة المحددات البنيوية للفعل الانتخابي في بلدنا لا يكفي الوقوف عند الخطاب السياسي القائل بالتزوير والتشكيك في المسار الانتخابي والعملية الانتخابية برمتها او في جزء منها والذي يتم توظيفه اثناء الحملات الانتخابية؛ بل لابد من معرفة المنطق الداخلي لتمفصلات العملية الانتخابية ومساراتها وكذا طبيعة التنافس الانتخابي والسياسي وكذا طبيعة العلاقة بين الاحزاب و مؤسسات الدولة والتمثيل المجتمعي ومختلف تمثلات الفعل الانتخابي والسياسي والاجتماعي. وحتى القول بالتزوير يقتضي التمييز بين عدة محطات انتخابية عرفها المغرب منذ الاستقلال وعدة تجارب انتخابية حتى استحقاقات العام 2015 لحد سنة 2020 وذلك من خلال الجرد الكرونولوجي التالي:

من سنة 1956 إلى 23 ماي 1959 تجربة المجلس الوطني الاستشاري المحدث بمقتضى ظهير 3 غشت 1956.
ديسمبر 1962 الاستفتاء الدستوري والمصادقة على أول دستور.
من 18 نوفمبر 1963 إلى 9 يونيو 1965: الولاية التشريعية الأولى.
يوليو 1970 الاستفتاء الدستوري والمصادقة على ثاني دستور للمملكة.
من 9 أكتوبر 1970 إلى دجنبر 1971: الولاية التشريعية الثانية.
مارس 1972 الاستفتاء الدستوري والمصادقة على الدستور الثالث للمملكة.
من 14 أكتوبر 1977 إلى 27 يوليوز 1983: الولاية التشريعية الثالثة.
من 12 أكتوبر 1984 إلى 5 غشت 1992: الولاية التشريعية الرابعة.
 4 شتنبر 1992 مراجعة دستور المملكة.
من 8 أكتوبر 1993 إلى 17 غشت 1997: الولاية التشريعية الخامسة في ظل دستور 1992.
 13 شتنبر 1996 مراجعة دستور المملكة.
من 26 دجنبر 1997 إلى 3 شتنبر 2002: الولاية التشريعية السادسة.
من 11 أكتوبر 2002 إلى 2007 الولاية التشريعية السابعة.
من 2007 إلى 2011 الولاية التشريعية الثامنة.
فاتح يوليو 2011 الاستفتاء الدستوري والمصادقة على دستور جديد للمملكة.
استحقاقات 2015 الأخيرة المعمول بها حاليا حتى سنة 2021.

هذه المحطات يمكن اختزالها في ثلاث محطات تاريخية رئيسية في مسار الاستحقاقات في المغرب وهي:

المحطة الاولى وتمتد من سنة 1956 حتى سنة 1992. وهذه المحطة يكتنفها الغموض وغير قابلة للدراسة بالنظر الى العنف ونوعية الفوضى التي كانت سائدة غي هذه الفترة.
المحطة الثانية وتمتد من سنة 1992 الى سنة 2002. وخلال هذه الفترة بدأت حدة العنف وطبيعته تخف نوعا ما مع تجربة التناوب ونسبة الهدوء السياسي الذي خيم على هذه المرحلة؛ لكن مع ذلك لا تستوفي الشروط الكاملة كي نجعل منها موضوعا للدراسة.
المحطة الثالثة وتمتد من سنة 2002 الى سنة 2011. هذه المحطة تعتبر بحق مرحلة النضج وانتقال ديمقراطي حقيقي في الاستحقاقات التي عرفها المغرب رغم وجوب بعض العيوب المتعلقة باستعمال المال وتوظيفه في استمالة اصوات الناخبين. لكن المشكل في القدرة والاستطاعة في اتباث او نفي ذلك. ومع ذلك فهذه التجربة تبقى قابلة للدراسة على الاقل من منظور حياد الادارة وعدم تدخلها بشكل يعيب العملية الانتخابية.
نستنتج من خلال هذه المعطيات كيف تتمثل النخبة نفسها في علاقتها بالسلطة وفي استراتيجية التواصل مع السكان ومختلف المناورات التي تتبعها من أجل الفوز. لكن كيف تتمثل نفسها داخل المجلس؟
نستنتج إذن أن الانسجام والتراضي لا يمكن تصوره إلا بمحض اتجاه قوي يستطيع إقناع الجميع على الأقل في هدفه خدمة الصالح العام.

في الدول الأكثر تقدما كان محكوما على الدولة ضرورة إعادة إنتاج العلاقات بين جميع القوى والفئات الاجتماعية، حتى تلائم متطلبات إعادة إنتاج رأس المال سواء بالطرق السلمية أو العنيفة، حتى تحقق نوعا من التوازن في مجال التنمية المحققة.
أما في الدول الأكثر تخلفا، فإن الحديث عن إعادة إنتاج العلاقات بين القوى ربما يبقى عنصرا طوباويا إذ يطرح التساؤل: هل هناك علاقات قائمة حتى يجب أو يمكن إعادة إنتاجها؟ وحتى إن وجدت ما طبيعتها؟
العمل السياسي بالمغرب يحيل إلى تبعية الحياة السياسية، الدستورية والإدارية لمتغيرات اجتماعية واقتصادية، غالبا ما تتميز بحمولة قانونية ضعيفة، وهي ظاهرة تتعدى المغرب إلى غيره من البلدان “الأكثر تخلفا”.
حينما نتحدث عن التراضي، فذلك يحيل إلى نوع من النسق، أي علاقات تفاعلية منسجمة، بين عناصر متكاملة. أي خلق نوع من التوازن بين جميع فئات المجتمع والفاعلين فيه، توازن سياسي، توازن على المستوى المؤسساتي المركزي والمحلي أي تطور النسيج السياسي الاقتصادي والاجتماعي في إطار محددات الشرعية.
التراضي مفهوم مغربي يتماشى وطبيعة التركيبة السياسية والاجتماعية في المغرب، ومنطلق للتوجهات الكبرى لسياسة الإصلاح والتغيير والحوار والتسويات والتناوب، كآليات يرتكز عليها هذا المفهوم، يقول جلالة الملك: “في الخطب التي ألقيناها آنفا في الشهور الماضية، كنتم دائما تسمعون أننا نؤكد ونركز على كلمتين هما الحوار والتراضي، ذلك لأنه لا يمكن للإنسان أن يصل إلى التراضي إلا إذا كان الحوار… إن معناه هو الاجتماع حول فلسفة والاجتماع حول مذهب أو مذهبية والاجتماع حول هدف”. انتهى كلام جلالة الملك.
جاء التصريح المشترك بين السلطات العمومية والأحزاب السياسية لتفادي انتخابات مشبوهة أو مزورة، تحول دون انبثاق أغلبية أو أقلية تتولى مهمة هذا التناوب.

لكن ما الغاية من كل هذا؟

إن المقصود بهذا المقترح يكمن في كون أنه كلما كانت هناك لوائح انتخابية خالية من العيوب والشوائب؛ كلما كانت نسبة المشاركة تطابق الواقع. والعكس صحيح؛ فكلما كانت هناك لوائح انتخابية غير مطابقة للواقع وتشوبها العيوب والأخطاء والمكررين؛ كلما أثر ذلك سلبا على المعطيات بالأرقام لنسبة المشاركة في علاقتها بعدد المسجلين.
هناك عدة مؤشرات لقياس الديمقراطية في بلد ما تتجلى في:
1. العملية الانتخابية والتعددية الحزبية؛
2. الحريات المدنية؛ كحرية المشاركة؛
3. أداء الحكومة؛ من خلال سياساتها العامة.
4. المشاركة السياسية؛
5. الثقافة السياسية السائدة.
كما ان موضوع السياسات العامة أصبح يؤخذ كمؤشر من بين المؤشرات لتقييم عمل الأنظمة السياسية في إدارة الحكم وتدبيره.
فقد ركزت مؤسسة البنك الدولي في تقريرها عن مؤشرات إدارة الحكم للعشر سنوات ما بين 1996 و2006؛ بالأساس على مدى قدرة الحكومات على بلورة وتنفيذ سياسات عامة ومدى مصداقية التزام هذه الحكومات بتلك السياسات كمعيار للفعالية الحكومية، وذلك من خلال معايير مضبوطة اعتمدتها في عملية تقييمها للسياسات العامة القطاعية بمختلف الدول المعنية بمنحها المالية والتي حددتها في المعايير والمؤشرات التالية وهي:

أولا: نوعية الخدمات العامة المقدمة من قبل الحكومات لتلبية الطلبات الاجتماعية ونوعية أجهزة الخدمة ودرجة استقلاليتها عن الضغوطات السياسية وغيرها من الضمانات الفعلية.
ثانيا: إبداء الرأي والمساءلة الديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم وتكوين الجمعيات، وحرية وسائل الإعلام والاستقرار السياسي وغياب مسببات العنف السياسي الرئيسية وكذا مدى قدرة المواطن في بلد ما على المشاركة في انتخاب اعضاء حكومته بشكل حر ونزيه.
ثالثا: مؤشرات الإرهاب والاستقرار السياسي و انعدام العنف؛ أي مختلف التصورات المتعلقة باحتمال زعزعة استقرار الحكم من خلال وسائل غير دستورية أو عنيفة بما في ذلك الأعمال الإرهابية والانقلابات العسكرية.
رابعا: معيار الفعالية الحكومية؛ أي نوعية الخدمات العامة ووضع السياسات العامة ومدى مصداقية والتزام الحكومات بتلك السياسات ونوعية الإجراءات التنظيمية وقدرة الحكومة على تنفيذ قرارات وإجراءات تنظيمية سليمة تسمح بتشجيع القطاع الخاص وتنميته و مدى سيادة القانون ومدى ثقة الناس فيه؛ وكذا مؤشرات مكافحة الفساد ومدى محاربة استغلال السلطة العامة لتحقيق مآرب خاصة ومكاسب شخصية بما في ذلك إعمال الشطط واستحواذ أصحاب المصالح الشخصية على ممتلكات الدولة.

خامسا نسبة المشاركة في العمليات والاستحقاقات الانتخاباتية؛
ويتم تصنيف الدول حسب هذه المؤشرات إلى:
1) ديمقراطيات كاملة،
2) وديمقراطيات معيبة،
3) وأنظمة هجينة؛
4) وأنظمة سلطوية.

هذا، ونختم بإحدى الطرائف العجيبة والغريبة في نفس الوقت؛ حيث يحكى أنه بإحدى الدول الأكثر ديمقراطية، لما تمت عملية خصم عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة لذلك البلد من العدد الاجمالي للسكان، تبين أن نتيجة العدد سالب؛ وهذا يعني أن عدد المواطنات والمواطنين المسجلين باللوائح الانتخابية العامة يفوق بكثير عدد السكان وفق الاحصاء العام للسكان والسكنى الذي يهم ذلك البلد.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...