العائلات القضائية بالمغرب بين الإداري والقضائي: دراسة في تطور النظام القضائي المغربي.
الدكتور: عبدالله شنفار (*)
لدراسة وتناول هذا الموضوع؛ يجب استحضار التاريخ. فقبل عهد الحماية ظل القاضي المغربي يمارس الوظيفة القضائية بتعيين سلطاني في إطار ما كان يسمى بقضاء “الشرع” “chraâ ” حيث كان يتمتع القاضي في ظله بالولاية العامة فيما يعرض عليه من مختلف القضايا والمنازعات: مدنية، تجارية، جنائية، إدارية وأحوال شخصية… وغيرها. في حين يتولى كبار العلماء بالقصر السلطاني النظر في الطعون المقدمة ضد الأحكام كدرجة من التقاضي. كما كان من حق المتظلمين رفع تظلماتهم إلى قاضي المظالم أو “وزير الشكايات”. بالإضافة إلى المظالم هناك الحسبة ووزير الشكايات.
وبالرجوع إلى أبو الحسن الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية”، حيث وجود مفاهيم ومبادئ قانونية كالمصلحة، المخزن، الشورى مرافق عامة كالجيش، الجميع يستعمل الطرقات… مما ينم عن وجود قضاء في المجال الإداري. إلا أن قضاء أو زير الشكايات كان صعب المنال؛ وذلك لانعدام توفر وسائل النقل وانعدام الأمن في الطريق حيث وجود ما كان يسمى “الغزي” وقطاع الطرق ومتطلبات “الزطاطة” إلى غير ذلك.
هذا النوع من النظام القضائي وإن كان لا يرقى إلى مستواه الحالي إلا أنه كان يستجيب لمتطلبات تلك المرحلة.
وقد عرف تنظيما آخر في عهد “الحماية”، حيث الامتيازات الأجنبية التي منحت امتيازات قضائية للأجانب المقيمين بالمغرب، فنشأ ما يسمى “بالقضاء القنصلي”، حيث إن القنصل يفصل في النزاع المثار بين الأجانب وأحد المغاربة وفق قوانين بلاده، وليس وفقا لنظم المغرب القانونية.
وفي ظل هذا الوضع لا يمكن الحديث عن إمكانية للقول بفصل السلطة الإدارية عن السلطة القضائية. إلى جانب هذا وجد “القضاء العبري”، أي محاكم تختص بالنظر في المنازعات بين اليهود المغاربة “كأهل ذمة” فيما يخص الأحوال الشخصية والميراث.
إلى جانب هذه العائلات القضائية؛ وجد “القضاء المخزني” الذي اعتبر مظهرا من مظاهر القضاء الكنسي. ونظرا لمعاناة الأوروبيين من تعسف الكنيسة لم يقبلوا به لحل منازعاتهم.
والقضاء المخزني يعود إلى النصف الثاني من ق.18، تنفيذا للمعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين المغرب والدول الأجنبية خاصة فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، اسبانيا، وإيطاليا فيما يخص الامتيازات الجمركية والتجارية بالسواحل المغربية، ومعاهدة الصداقة بين المملكة المغربية وفرنسا سنة 1767؛ كانت من بين الأسباب المرجعية لنشوء المحاكم المخزنية، حيث جاء في الفصل 12 من هذه المعاهدة: “السلطان المغربي يتولى شخصيا أو بواسطة ممثليه البث فيما يحدث من نزاعات بين مواطن فرنسي وآخر مغربي، وذلك دون أن يتدخل القضاء في المسألة لحل النزاع.”
وهكذا كان الباشا والقايد كسلطة تنفيذية وقضائية وتشريعية وتنظيمية؛ على مستوى المدن والقرى يتوليان البث في المنازعات المدنية والتجارية والجنائية والإدارية، ويتوليان السهر على التنفيذ؛ حيث يكون الحكم المقضي به نافذا وحالا وأحيانا أثناء انعقاد الجلسة؛ إما بالجلد او الحبس أو ارجاع ملك الغير أو الحالة الى ما كانت عليه في السابق أو الغرامات التي كانت تسمى “بالخضية” او “النصاف” التي جاءت من كلمة الانصاف وغيرها …؛ مما أدى إلى الخلط بين السلطة الإدارية والسلطة القضائية التي لازالت رواسبها إلى حد الآن.
فطبقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائي: المادة 19: « تضم الشرطة القضائية بالإضافة إلى الوكيل العام للملك ووكيل الملك ونوابهما وقاضي التحقيق، بوصفهم ضباطا سامين للشرطة القضائية:
أولا: ضباط الشرطة القضائية .(…).
أما المادة 20: فتنص على أنه: يحمل صفة ضابط الشرطة القضائية : (…) الباشوات والقواد .
ونظرا لما تميزت به هذه المحاكم من تبسيط في المسطرة والسرعة في إصدار وتنفيذ الأحكام بواسطة أعوان السلطة من خليفة القائد والمخازني والشيوخ والمقدمين والجراي، حيث كانت تصل إلى حد الجلد بالجلسة في حال صدور حكم بالعقاب، والغرامة التي لا يندر صاحبها إلى حين، فقد فضله العموم كونه يعطي الأسبقية للحق.
لذلك نجد لحد الساعة أن المواطن المغربي لا يؤمن بفصل السلطة القضائية عن السلطة الإدارية، وحتى بمجيء “الحماية” التي عملت على تطوير القضاء المخزني بهدف إضعاف قضاء “الشرع”، لم تستطع وضع نظام قضائي على طراز على ما هو معمول به في فرنسا، وهذا الوضع يمكن فهمه في إطار معاهدة “برلين” الموقعة بين جميع الدول التي لها مصالح بالمغرب بتاريخ 4 نونبر 1911، حيث نصت الفقرة الثانية من الفصل 9 على أن “الدول الأجنبية التي لها مصالح بالمغرب لن تقبل بأي تنظيم قضائي أو نظام قانوني إلا إذا كان يأخذ بعين الاعتبار مصالحها بالمغرب”.
ينضاف إلى ذلك موقف الفقيه ديسي Ducey من القضاء الإداري الفرنسي وأيضا استئثار الإدارة – المخزن بالقضاء كما هو الشأن بالنسبة “للبرلمانات”- المحاكم بفرنسا في القرن 18؛ وبالتالي لم تستطع سلطة الحماية إدخال الإصلاحات الإدارية والقضائية … التي نصت عليها المادة الأولى من معاهدة الحماية لسنة 1912.
كما وجدت إلى جانب ذلك؛ عائلة “القضاء العرفي أو البربري حيث جاء في الفصل الأول من ظهير 11 شتنبر 1914؛ أن القبائل ذات العرف البربري ستبقى منظمة ومدارة حسب قوانينها وأعرافها الخاصة بها، وذلك تحت مراقبة السلطات.
أما في منطقة الحكم الاسباني؛ فقد نصت مقتضيات المادة 24 من الاتفاقية الاسبانية الفرنسية بتاريخ 27 نونبر 1912 على “أن الحكومة الفرنسية والحكومة الاسبانية تحتفظان بالحق في أن تقيم كل منهما في منطقتهما تنظيمات قضائـية مقتبسة من تشريعها الخاص”.
وهكذا وجد مقرات محاكم الصلح بمدينة السمارة والكويرة والمحكمة القروية بالداخلة والمحكمة البلدية بالعيون؛ والتي كانت تصدر الأحكام باسم رئيس الدولة الاسبانية، مخالفة بذلك الاتفاقية المغربية الاسبانية.
أما في منطقة طنجة، فقد وجد القضاء المختلط أو المتعدد؛ بحكم الوضع الدولي الاستثنائي والخاص للمنطقة، بمقتضى اتفاقية 18 ديسمبر 1923، حيث تم إنشاء محكمة مختلطة سنة 1924 تتألف من11 قاضيا: ممثل فيها كل من فرنسا، اسبانيا بقاضيين وإنجلترا، أمريكا، المغرب، هولندا، البرتغال، السويد وإيطاليا بقاض واحد.
وقد أثير النقاش حول الوحدة والثنائية والتعددية في النظام القضائي والنظام القانوني بالمغرب، حيث نجد عدة نظريات:
1. نظرية الوحدة التي تقول بوحدة القضاء ووحدة القانون.
2. أما النظرية الثانية فتقول بوحدة القضاء وثنائية القانون.
3. ونظرية تقول بثنائية القانون وثنائية القضاء.
والنظرية التعددية التي تذهب إلى القول بوجود أربع عائلات قانونية كمصدر للقاعدة القانونية بالمغرب.
وباستحضار التاريخ نعرف أن ظهور القضاء الاداري في فرنسا كان نتيجة للأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية في العام: 1789 والتي تقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات ومن مقتضياته منع المحاكم القضائية القائمة آنذاك من البث والفصل في المنازعات الإدارية حفاظا على استقلالية الإدارة تجاه السلطة القضائية. وباستحضار كذلك عملية الأشغال التي كانت تقوم بها بلدية باريس؛ والتي تسببت في أضرار للغير؛ حيث طرح السؤال آنذاك إلى من يلجأ المتضرر في هذه الحالة؟
الفقه التقليدي يعتبر أن الدولة / الإدارة ليست سابقة على وجود الفرد، وبالتالي فالسيادة يمارسها الشعب من خلال ممثلين عنه كهيئات سياسية يتولون رسم السياسات العامة للبلاد، والمؤسسات الإدارية تتولى، نظريا، مهمة التنفيذ في إطار الحياد والشفافية بعيدا عن توجهات السلطة السياسية.
هذا التصور الأوتوقراطي يضع الحدود بين آلية الحكم وآلية التدبير، حيث الإدارة لا تربطها أية علاقة بالحاكمين السياسيين، وهنا يفتح المجال للقول بأن الإدارة هي الأخرى لها ايديولوجيتها الخاصة بها، أي ايديولوجية الصالح العام، الذي كما قلنا في السابق ما هو إلا فلسفة أشخاص، أغلبية كانت أو أقلية استطاعوا فرض هذه الرؤية.
ومبدأ الحياد هذا ناتج عن معطيات سوسيولوجية، إنسانية، تقنية، جغرافية، تاريخية،… فتاريخيا فصل السلط جاء كرد فعل ضد استئثار إحدى السلط وفرض هيمنتها على باقي السلط الأخرى، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية حيث هيمنة “الكونجريس” في فترة تاريخية، أدى إلى إقصاء جميع الفعاليات المعارضة وإبعادها حتى من مجال الإدارة، وهكذا بحكم انتماء الرئيس للأغلبية المسيطرة وكونه على رأس السلطة التنفيذية، كانت حتى الإدارة تنتسب إليه (نسمع بإدارة “نكسون”، إدارة “بوش”…) الشيء الذي أدى إلى المناداة بضرورة إقرار الرقابة على شرعية ومشروعية القرارات الإدارية.
وهكذا صور الفقه التقليدي العلاقة بين السياسي والإداري كجسم الإنسان؛ السياسي يشكله الرأس، وباقي الأعضاء تشكل الإداري؛ وفي ذلك ضمان لحقوق وحريات الأفراد، تماما كما صورت العدالة في شكل امرأة معصوبة العينين في يدها عصا غليظة لا تميز بين هذا ولا ذاك.
وهذا الطرح يعاب عليه كونه يؤدي إلى إقرار البيروقراطية الإدارية، حيث تفرغ السلطة السياسية من محتواها لفائدة السلطة الإدارية، ويصبح الحياد هو الغاية في حد ذاته، في حين هو مجرد وسيلة للوصول إلى غاية الصالح العام من جهة، من جهة أخرى الحياد جاء كرد فعل ضد تدخل الدولة وإقصائها لمبادرة الأفراد (دعه يعمل دعه يمر)، إلا أن متطلبات التنمية جعلت الدولة تتواجد في جميع القطاعات، وبالتالي طرح السؤال كيف نميز بين الرأس المدبر والأعضاء المنفذة ؟ كيف يمكن القول كون الإدارة سياسيا محايدة وبطريقة لا تقبل النقاش؟
فإذا كان هذا الوضع يمكن تطبيقه على السلطة القضائية، فإنه يصعب التمييز بين الفعل السياسي والفعل الإداري.
حينها قال المقيم العام بالمغرب: “إن فصل السلطات هو إبداع طريف نسبيا في أوربا ويبدو أن الساعة قد أزفت للشروع فيه بالمغرب، مع مراعاة العوائد والتقاليد المتأصلة في عناصر السكان الذين بقوا بعيدا عن مجرى التفكير الحديث. وفي مثل هذه الظروف تكون أحسن وسيلة هي سلوك التجربة بشكل يساعد على قطع المراحل دون اصطدام بخطر من الأخطار، وسيحصر موضوع هذا الإصلاح في بعض المدن الكبرى، ولن يمس هذا الإصلاح السلطة الجنائية، ولا يطبق إلا في القضايا المدنية والتجارية” انظر الوثائق الرسمية في عهد الحماية الفرنسية. الخزانة العامة للمملكة – الرباط (الإدارة / المخزن / الحماية/ الإقامة العامة بالمغرب/ القرن 19).
وبمقتضى الظهير الشريف رقم: 1.91.225 الصادر في: 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) بتنفيذ القانون رقم: 41.90 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية؛ خاصة المادة: 8 منه التي تنص على أنه “تختص المحاكم الإدارية، مع مراعاة أحكام المادتين: 9 و11 من هذا القانون، بالبت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة وفي النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية ودعاوي التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام ماعدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام.
وتختص المحاكم الإدارية كذلك بالنظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمعاشات ومنح الوفاة المستحقة للعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة وموظفي إدارة مجلس النواب وموظفي مجلس المستشارين وعن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالانتخابات و الضرائب و نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وبالبت في الدعاوي المتعلقة بتحصيل الديون المستحقة للخزينة العامة والنزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة و الجماعات المحلية و المؤسسات العامة موظفي إدارة مجلس النواب وموظفي مجلس المستشارين، وذلك كله وفق الشروط المنصوص عليها في هذا القانون.
وبالتالي من الصعب القول باستقلالية السلطة القضائية بالمفهوم العضوي للتركيبة والهيكلة؛ وليس المعياري. والاختلاف بين المقترب الأول والثاني في تناول موضوع الاستقلالية يرجع ومرده بالأساس إلى نوع المقاربة التي يتم تبنيها حسب ما إذا كانت تفسيرية أو معيارية أو عضوية.
باحث ومفكر مغربي (*)





