الصحوة الإسلامية إشكالية المصطلح وسادية الواقع

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

وليد حاجي (*)

 

المصطلحات اللغوية تلد عادة من رحم التطورات التاريخية، ولكل مصطلح منها ظروفه الزمانية والمكانية التي ينشأ فيها، ورغم أن مصطلح الصحوة الإسلامية، رأى النور مع صولات وجولات جمال الدين الأفغاني في البلدان الإسلامية، ومن بعده تلميذه محمد عبده لكنه تبلور وعرف طريقه إلى المعاجم والمعاهد السياسية مع بداية ظهور الحركات الإسلامية المنظمة كحركة الإخوان المسلمين، وقد عزز شهرة هذا المصطلح مجموعة من المفكرين، والذين ظهروا في العديد من البلدان الإسلامية في سنوات الستينيات والسبعنيات، وكرسوا أقلامهم لرسم حدود حلم دولة الإسلام الفاضلة، لكن مصطلح الصحوة الإسلامية يحمل في ذاته تساؤلات عديدة وغريبة، قد تصعب الإجابة عنها، وتتمحور حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تلاشي الخلافة الإسلامية، وعن الفرق بين دولة الإسلام، وأسلمة الدولة، وعن معنى الصحوة وأبعادها، وعن أسس صناعتها؟

جميع هذه التساؤلات خلقت نقاشات فكرية واسعة، وساهمت في تبني دعاة الإسلام السياسي لمصطلح الصحوة الإسلامية، وتحويله من سياقه اللغوي، إلى مستقنع السياسة، ومن هنا برزت الجماعات التكفيرية، التي رأت في العنف والدماء جسرا وحيدا يربطها بدولة الخلافة، وتحولت مبادئ الإسلام السياسي من حلم موعود إلى هاجس عصف بفكر أجيال كاملة من أبناء الأمة الإسلامية، وما بين دواليب الفكر والتنظير، وسادية الواقع، تسقط الإنتماءات الفكرية والأيديولوجية وتندثر، وتجرف معها الأسماء والمسميات، ومن رأى في الصحوة الإسلامية مشروعا دينيا، له أبعاد أخلاقية وفكرية، اصطدم بنسخ فاشلة ومشوهة وقعت بأسماء أحزاب لبست عباءة الإسلام، لتصل لعلياء النظام، تحولات سياسية واجتماعية، فرضت انتقالا في مستوى الوعي السياسي في المجتمعات العربية، وخلفت ظواهرا أصبحت جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي، ومن أهمها ترسيخ مبادئ الديمقراطية في الدساتير والمواثيق، والتي انصهرت أمامها العديد من ثوابت أنصار الإسلام السياسي، من الذين رغبوا في مواصلة ممارسة العمل السياسي، والتموقع في وسط الجماهير، ومن كان يمقت علمانية الفكر والمبادئ، وجد نفسه يجالس أهلها ويحاورهم، ويتحالف معهم لغايات سياسية وحتى شخصية.

و قد فصل فشل مشاريع الإسلام السياسي، بين مفهوم الإسلام كممارسة سياسية، ومفهومه كدين أمة، ولا يمكن أن ننكر أن العديد من التيارات الفكرية التي نسبت للإسلام، كانت جزءا من حرب ضروس ضد ديننا الحنيف، وإن كان للإسلام صحوة، يجب أن تكون صحوة ضمير لأهله، لأن أخطاء المسلمين أو غفوتهم لا يمكن أن ننسبها للإسلام، وما يجب أن نزرعه في الأجيال القادمة هو جوهر الإسلام، وأخلاق محمد صلى الله عليه وسلم التي أورثها لأصحابه، لأنها ستكون البذرة الأساسية في تحديد أفكارهم وتوجهاتهم مستقبلا، ولأن المسخ الثقافي الذي تعايشه الأمة الإسلامية هو نتاج لصراع فكري موروث، أدخل أمة بأكملها في دوامة الفئة الناجية، فالمقاربة الإسلامية الناجحة لا يمكن أن تبنى من منظور شخصي، بعيدا عن الواقع بكل تجلياته، بل يجب أن تنطلق من التغيرات التي طرأت على المجتمع الإسلامي، بسلبياتها وإيجابياتها.

إعادة هذه الأمة إلى الطريق الصحيح تحتاج إلى رؤية استشرافية، تؤسس لمشروع حضارة حقيقي، يراعي خصوصية الدين الإسلامي، ويجب أن تنسلخ الدعوة الإسلامية من فكر علماء البلاط ودعاة الفضائيات، والذين تفننوا في تشويه الإسلام خدمة لأولياء نعمتهم، ولتطبيق أجندات سياسية مدروسة هدفها نشر صورة جديدة من الإسلام الكيوت، الذي يتم تكييف الحرام والحلال فيه وفقا لأهواء الحاكم ونزواته، وسيبقى الإسلام دائما دينا للعالمين، ولا يمكن أبدا أن يتم حصره في حزب أو طائفة أو توجه سياسي أو فكري، ولا يحق لأحد أن يسلب فطرة الإسلام من قلب أي مسلم على وجه هذه المعمورة.

صحفي و كاتب، خريج إعلام و اتصال، عضو اتحاد الإعلاميين الجزائريين (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...