تجاوز دور العروسة التقليدية في تطور سياسة اللامركزية بالمغرب من الدور الإستشاري إلى الدور التقريري والوجود الفعلي للقرار الجهوي والمحلي..
(*) بقلم الباحث والمفكر الدكتور عبدالله شنفار
لكي ينتقل من مجرد شعار في الخطاب السياسي؛ تدبير الشأن الجهوي والإقليمي والمحلي بالمغرب، مسلسل خضع لعدة عوامل من التغييرات والتحديثات والتطور في مواكبة مختلف التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على المستويين الخارجي والداخلي.
ما بين سنوات: 1960 حتى سنة 1976؛ كانت الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني بعد الحصول على الاستقلال؛ تتمحور حول المطالبة بإقرار ديمقراطية حقيقية من خلال دولة المؤسسات، مما أدى إلى صراع محتدم بين القوى السياسية والاجتماعية، تمخض عنه وضع دستور 1962 وتنظيم انتخابات انبثق عنها المجلس الاستشاري مرورًا بإقرار حالة الاستثناء وتوقيف العمل بالمؤسسات الدستورية.
لكن تحويل الجماعات الترابية من الإطار القبلي والحدود الاجتماعية والسلالية التقليدية إلى الإطار الجغرافي والحدود الترابية؛ دفع بالدولة إلى تقسيم إداري غير الذي اقترحته الأحزاب السياسية والقوى العاملة والمؤثرة آنذاك، مما ادى الى تشكيل جماعات محلية حددت اختصاصاتها في الدور الاستشاري والتسيير الإداري لا غير؛ وذلك منذ سنة 1963 حتى حدود سنة 1976، تاريخ صدور الميثاق الجماعي الذي في الحقيقة أعطى الانطلاقة الفعلية للجماعات المحلية في اتخاذ القرار المحلي وتحديد سياساتها العمومية المجالية.
ان الديمقراطية المحلية من المفاهيم الحديثة التي تجاوزت المنظور الاصطلاحي والمفاهميي والعقدي والفلسفي إلى المنظور التطبيقي؛ من خلال إقرارها على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي.
فماذا نعني بالديمقراطية الجهوية والإقليمية والمحلية؟ وكيف نحقق هذه الديمقراطية الجهوية والمحلية؟ وهل هناك نخبة محلية قادرة على بلورة سياسة عمومية محلية تخدم هذه الديمقراطية الترابية؟ وهل يكفي أن يعبر الأفراد عن رغبتهم لتتم تلبية هذه الرغبات من خلال تخويلهم ديمقراطية محلية تهم حرية رسم السياسات العمومية الجهوية والإقليمية والمحلية واتخاذ القرار الجهوي والإقليمي والمحلي في استقلالية تامة وفي معزل عن أي تدخل للدولة؟ وهذا يدفعنا إلى سؤال آخر وهو؛ هل بمقدور هذه النخبة الجهوية والإقليمية والمحلية أو هؤلاء الأفراد والجماعات أن يتخذوا قرارات جهوية وإقليمية ومحلية؛ تخدم مصالح وقضايا الساكنة اليومية وتدبير وشؤونهم الجهوية والإقليمية والمحلية؟ هل هذه النخب مؤهلة تاريخيًا وأيديولوجيًا للعب هذه الأدوار في التنشيط التنموي؟
ان مفهوم الديمقراطية، والتطور الذي عرفه والمدارس التي تولت دراسته، لا يهمنا في هذا الاتجاه. ما يهمنا هو الديمقراطية الجهوية والإقليمية والمحلية بمعناها التدبيري للجهوي والإقليمي وللمحلي؛ من خلال النخبة الجهوية والإقليمية والمحلية القادرة على بلورة وإعداد سياسات عمومية ترابية ومجالية، وتنفيذها من خلال مجموعة قرارات؛ بكل بساطة.
منذ الاستقلال انخرط المغرب في مسلسل اللامركزية والذي انطلق مع وضع أول إطار قانوني سنة 1959. فكرونولوجيا الإطارات القانونية لإقرار السياسات العمومية المحلية والقرار المحلي مرت من عدة محطات نكتفي في هذا البحث بتناول المحطة الاولى.
المحطة الأولى؛ وتمتد من سنة 1960 حتى سنة 1976 ويمكن أن نسميها محطة تأمل وتجريب لم تتجاوز حدود التسيير الإداري والاستشاري في تدبير الشأن العام المحلي، وبالتالي لا يمكن الحديث لا عن وجود قرار محلي ولا عن سياسات عمومية محلية، بل مجرد شعار في الخطاب السياسي.
هذه المرحلة يمكن أن نطلق عليها وصف التدبير الكلاسيكي الذي يغيب إعمال المقاربة التشاركية والفكر التعاوني، سواء من حيث الوسائل أو الوظائف الاقتصادية والاجتماعية ومختلف المحددات التي نص عليها الميثاق الجماعي لسنة 1976 الذي يجعل من الجماعات المحلية آلية للتدخل العمومي في مختلف مظاهر الحياة العامة في الدولة. الشئ الذي يتطلب إحداث إدارة جماعية مستقلة عن الأجهزة الإدارية المحلية التابعة للدولة.
وبالتالي فإنه في المرحلة الممتدة من سنة 1960 حتى سنة 1976 لم تكن هناك استقلالية إدارية ومالية ولا شخصية معنوية حقيقية للمجالس الجماعية، بحيث لم تتجاوز مجرد هيئات تداولية استشارية بدون آلية تنفيذ مستقلة.
ان الاختصاصات التي خولت للمجالس الجماعية خلال هذه الفترة كانت جد محدودة، تقابلها رقابة الوصاية الصارمة بشكل مسبق وجد قوية، وحتى هذه الاختصاصات لم تتجاوز حدود المصادقة على الميزانية والحسابات الخصوصية وطلب استشارة السلطة المركزية بخصوص مسألة معينة؛ أما باقي المهام فتخضع للمصادقة السابقة والقبلية للإدارة وتتمثل فيما ينص عليه الفصل 20 من ميثاق سنة 1960 في مسائل ثانوية لا تتجاوز تهيئ الميزانية وتعديل مخطط التهيئة والأشغال والبنايات الجديدة.
فطبيعة الدولة الفتية وارتباطها بالسلطة من خلال عدة حقول معرفية وتقنية، تكنولوجية وجيو- سياسية واجتماعية وتاريخية؛ حيث الغموض بين الدولة والسلطة وانعدام الدقة ونموذج العلاقات الاجتماعية السائدة في تلك الفترة وكيفية تحديد طرق وشروط إنتاج النخبة المحلية والعلاقات المؤسساتية والقانونية وهيمنة القبيلة والقيم الأخلاقية والدينية؛ لم تتح بلورة فكر تدبيري للشأن المحلي يستجيب المتطلبات والقضايا المطروحة آنذاك.
وبالتالي فوجود مراكز سلطة مستقلة عن الدولة كجيش حركات التحرير الوطني ومنظمات يسارية أخرى مثل (إلى الأمام و23 مايو وغيرها والمحاولات الانقلابية الحاصلة سنتي 1971 و1972)، دفعت بالدولة إلى إبداء التحفظ في تخويل هذا المحلي سلطات تقريرية واسعة.
نستنتج ان تجربة اللامركزية خلال المرحلة الممتدة من سنة 1960 حتى سنة 1976، لم تتجاوز حدود وضع النواة الأولى لسياسة اللامركزية، حيث أقتصر دور الجماعات الترابية على المهام الاستشارية والتسيير الإداري لا غير، ومجرد فضاء للتنمية المجالية مع وقف التنفيذ. وبالتالي فدور هذه الجماعات بقي ثانويا.
المحطة الثانية: الدور التقريري للمجالس المنتخبة؛ ونطلق عليه الوجود الفعلي للقرار الجهوي والمحلي.
تجمعت عدة عوامل داخلية وخارجية دفعت بالدولة إلى إعادة النظر في علاقتها بالجهوي وبالقائمين وبالمحلي؛ وذلك نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك من خلال تخويل الجماعات المحلية او الترابية اختصاصات واسعة لاتخاذ القرار ورسم سياساتها العمومية الجهوية والمحلية لتدبير شؤونها العامة بنفسها.
هذا وقد واكب ذلك نقل العديد من الاختصاصات التي كانت تحتكرها الدولة وتفرضها على المستوى الجهوي والاقليمي والمحلي والتي تبين عدم جدواها لكونها غير منبثقة عن مطالب اجتماعية جهوية واقليمية ومحلية. ونقل الاختصاصات هذه يعد اعترافا من الدولة بوجود قضايا جهوية واقليمية ومحلية تختلف وتتميز بخصوصيات، ولا يعرف مضامينها إلا المعنيين بها، وبالتالي كان لابد من تقليص سلطة الوصاية الصارمة، التي تعد مقابلا منطقيا جراء هذا التخلي والنقل في الاختصاصات وتكييفها مع المستجدات لتنتقل من وصاية قبلية الى وصاية موازية إلى سلطة رقابة ومواكبة.
هذا، وقد شمل الاصلاح ايضا مدونة الانتخابات من خلال اعادة النظر في رئاسة اللجنة المكلفة بمراجعة اللوائح الانتخابية واسنادها للقضاء عوض المنتخبين؛ وبالتالي الانتقال من وثيقة انتخابية سياسية، الى وثيقة انتخابية قانونية.
في السابق لم يتجاوز اختصاص الجماعات الترابية؛ الدور المتواضع الذي كانت تقوم به المجالس المحلية. ولتجاوز هذا الوضع صدر قانون بمثابة الميثاق الجماعي سنة 1976، الذي شكل انطلاقة فعلية لوجود سياسات عمومية محلية وقرار محلي من خلال التدخل الاقتصادي والاجتماعي للجماعة التي أصبحت بالفعل مجالا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا الوقت لازال ينظر الى اللامركزية في أفق الجهوية المتقدمة.
ولتوسيع مجال الجماعات المحلية، جاءت سنة 1997 بالجديد، لما صنفت الجهة من ضمن الجماعات المحلية عوض مستوى جهة اقتصادية، حيث أنيطت بها اختصاصات تهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ان تطور سياسة اللامركزية بقي في ديناميكية واستمرارية من حيث الإطارات القانونية حيث أدخلت تعديلات على الميثاق الجماعي سنة 2002، وتلتها تعديلات كانت سنة 2009 وآخرها سنة 2014 من خلال القوانين التنظيمية على التوالي رقم: 14. 113 المتعلق بالجماعات و112.14 و114.14 حول الجهات والعمالات والأقاليم.
وهكذا جاء الميثاق الجماعي المعدل سنة 2002 وبعده القوانين التنظيمية، بمستجدات همت محاور تحسين نظام المنتخب، وتحقيق استقرار المجالس الجماعية، وتخليق ممارسة المهام الانتدابية، وتوضيح اختصاصات المجلس الجهوي والإقليمي والجماعي، والتخفيف من سلطة الوصاية وتخفيض آجال المصادقة، وتأسيس وصاية القرب من خلال المساير والمواكبة والمراقبة الموازية، وعقلنة وتبسيط قواعد التسيير، وتطوير آليات التعاون والشراكة وأخيرا، إقرار نظام خاص بالجماعات الحضرية التي يفوق عدد سكانها 500.000 نسمة.
إلا انه مع ذلك عرفت الجماعات الترابية، عدة اختلالات يمكن إجمالها في: هيمنة المهام الإدارية على حساب التدبير الاستراتيجي وتحديد التوجيهات العامة وغياب ضمانات التواصل المستمر مع المواطنين وطلباتهم وقضاياهم الاجتماعية، وظهور حالات الشلل في بعض المجالس الجماعية بسبب عدم دقة وغموض المقتضيات القانونية المتعلقة على الخصوص بالميزانية والحساب الإداري، وعدم اعتماد الإدارة المحلية على تنظيم يرتكز على توزيع محكم للمهام الإدارية، وافتقار الإدارة المحلية في العديد من الحالات لطاقم إداري يعتمد عليه المجلس والمكتب لإعداد وتنفيذ القرارات الجهوية والإقليمية والمحلية، وتعدد مستويات المراقبة القبلية والبعدية والموازية، وكذا تعدد أجهزة المراقبة، وتعقيد الإجراءات المسطرية التي تحول دون التعجيل باتخاذ القرارات وتنفيذها، وكذا الصعوبات المرتبطة بطبيعة ومتطلبات تسيير المرافق العمومية بالمدن وداخل التجمعات الحضرية، وغياب الضوابط الضرورية لضمان حسن التنسيق بين المتدخلين في تسيير المرافق العمومية الجهوية والإقليمية والمحلية وغياب المراقبة الفعالة لأنشطتهم وغياب الإطار القانوني المناسب للشراكة مع القطاع الخاص.
ومن ضمن مجالات الاصلاح كذلك نجد إشكالية تدبير الجماعات ذات نظام المقاطعات والتي يمكن تلخيصها في معضلات، تواجد هيئات منتخبة تخضع لأنظمة متباينة يحول دون خلق مناخ صحي يكرس روح الوحدة على المستوى المجالي والتأويلات المختلفة حول التحديد الدقيق لتوزيع الاختصاصات بين مجلس المدينة والمقاطعة؛ كغياب التنسيق؛ والرمي بالمسؤولية لهذا الطرف او ذاك وكمفهوم التجهيزات وتحديدها ومفهوم القرب وتحديد الحصة الإجمالية للتسيير وغيرها من المشاكل التي تتخبط فيها المدن الكبرى وازمة انتهاج سياسة وحدة المدينة.
وأمام هذا الوضع كان لابد من اقرار اصلاح الإطارات القانونية المنظمة للجماعات المحلية وضبط مختلف التدخلات والنقائص التي ابانت عنها التجربة والممارسة اليومية. فكيف تمت هذه المراجعة؟ وعلى ضوء ماذا تم اقرارها؛ حتى وصلنا الى مستوى الجهوية المتقدمة والجماعات الترابية؟
—————//—————
(*) مقتطف من مؤلف « الفاعلون في السياسات العمومية الترابية». للدكتور عبدالله شنفار.
صادر عن المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. العدد: 130 سلسلة أعمال جامعية، العام 2020، الرباط.





