أفعال ترقى إلى جرائم حرب اقترفها مرتزقة البوليساريو العام 1980 ببلدتي فم زگيد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور: شنفار عبدالله(*)

 

 

أروي أحداثا من الماضي وقعت بالفعل بمنطقة فم زكيد بالجنوب الشرقي للمملكة المغربية لم تكن أبدًا موضوع أي نزاع إطلاقا؛ بحيث كانت منطقة ورزازات خاضعة لسيطرة الحماية الفرنسية!
أتذكر حينما تم تزويد أهالي فم زكيد بالسلاح سنة 1980 من أجل الدفاع عن انفسهم لتحقيق الامن الذاتي.. وباستحضار هذا البيت الشعري من قصيدة طرفة بن العبد الذي يقول فيه:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً.. على المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ..

أقدم شهادة من تاريخ وحضارة شعب؛ هناك من عاشها وعايشها وقضى نحبه؛ وهناك من ينتظر.. بعد مرور 40 سنة على هذا الحدث.. سفر عبر الزمان لقراءة تاريخ حافل بالأمجاد.. من تاريخ وجغرافيا المكان بمنطقة فم زكيد، واستهل ببيت شعري يبكي من خلاله عمر بن أبي ربيعة الاطلال ويقول فيه:

ذَكَّرَتني الدِيارُ شَوقاً قَديماً
بَينَ خَيصٍ وَبَينَ أَعلى يَسوما..

أنا ابن البادية؛ الذي قضيت طفولتي بالواحة؛ اتذكر؛ حينها كان عمري لا يتجاوز العشر سنوات؛ سنة 1980؛ لما هاجم منطقتنا مسلحي مرتزقة البوليساريو المدججين بالأسلحة النارية الثقيلة من نوع سام 7 الليبية المصدر؛ الروسية الصنع؛ وسيارات من نوع الجيب (Jeep) ولاندروفر (Land Rover) الإنجليزية الصنع؛ التي تم تغليف محركاتها بجلد الجمال حتى لا يسمع صوت وهزيز محركاتها. متسللين عبر غابة متاخمة لمنطقتنا فم زكيد تسمى “الدريهمية” وبحيرة اريقي ومنطقة “لكريزمة” عبر زاوية سيدي عبدالنبي؛ حيث نكلوا بالأطفال والنساء والشيوخ العزل وارتكبوا أفعال الإبادة الجماعية للأفراد والجماعات في صورة شبيهة بالحروب الصليبية؛ ونهب الممتلكات والأغذية وكل خزائن الساكنة والارض والناس والعباد. في أنذل وأحقر صور مجرمي الحرب..

كنت صغيرًا حينها، لكن كنت شجاعًا؛ اتابع دراستي حيث كنا نجمع بين حفظ القرآن بالمسيد؛(قاعة تتواجد بداخل المسجد؛ حيث يمنع دخول المقصورة الا وقت الصلاة)؛ فكنت اشاهد والدي رحمه الله، رفقة رجالات القبيلة يكبلون أيادي هؤلاء الخونة المعتقلين بالأسلاك، حيث نفدت كميات القيود (المونوط) نظرا لكثرتهم؛ والذين اعتدوا على منطقتنا وجاروا واجتاحوا واستباحوا اراضينا في أقصى صور السيبة والفوضى والهمجية والبلطجة؛ وعاينت كيف كان الناس يبصقون على وجوه هؤلاء الخونة وينهالون عليهم بالضرب والسب والشتم. وقد طلب منهم قائد المنطقة أن لا يقتلوهم حتى يتسنى مبادلتهم بالأسرى المغاربة الذين اختطفوهم من نساء ورجال وأطفال عزل؛ بقوا هناك محتجزين في سجون التعذيب حتى العام 2003 حيث تم مبادلة الاسرى عن طريق الصائب الاحمر الدولي وقد عادوا وبأي حال عادوا؛ فهناك من اعتقد اهله انه قد مات وهناك من تطلقت زوجته وتزوجت بآخر؛ وهناك من لم يتعرف عليه أهله حتى! هذه الجروح لا يمكن ان تعوض ماديا أبدًا.
كنت ارقب ردة فعل الناس والحسرة والحزن بادية على وجوههم والغيض في نفوسهم؛ يمضغون اليأس ويتجرعون اللوعة ويجترون الذكريات الأليمة ليوم الاعتداء، حيث لم يستطيعوا الانتقام ورد المهانة التي تعرضوا لها.

تم اقتياد هؤلاء الخونة المجرمين المعتدين؛ وعددهم كان حوالي 37 أسيرًا مرتزقا في اتجاه مدينة زاكورة وبالضبط نحو قصبة تاگونيت وفي محاولة فاشلة لتحريرهم من قبل عناصر بوليساريو في احدى المرات عندما هاجموا منطقة امحاميد الغزلان، تم نقلهم نحو مدينة زاكورة بمنطقة تسمى النبش؛ تم بعد ذلك نحو قصبة لگلاوي بأكدز؛ تنفيذا لبرقية صادرة عن وزير الداخلية آنذاك التي تفيد أنه: “قررت حكومة جلالة الملك الاحتفاظ بهؤلاء العناصر المعتدين بمكان آمن حماية لهم من هجوم واعتداء وهيجان السكان في حالة غضب.” -لكن في زمان الرداءة سمعنا انهم تحولوا في المخيال المغربي إلى معتقلي الرأي-.
هذا، وبعد ان هدأ الوضع واصبح آمنا؛ تم إخراج الأطفال والشيوخ من قبو الآبار والخنادق وعودة المتخفين في جبال باني خوفا من بطش المعتدين لتعود الحياة رويدا رويدا إلى ما كانت عليه.

هذا؛ وعلى الرغم من أن منطقة طاطا وفم زكيد التي هي في الأصل جزء من إقليم ورززات وليست موضوع أي نزاع؛ ولا علاقة لها بالأراضي الصحراوية المسترجعة؛ ومع ذلك لم تسلم من الاعتداء الهمجي والتاريخي لعناصر هذه الشرذمة من المرتزقة.
هذا؛ ولم تشعر المنطقة بالأمن والأمان؛ والسكينة والطمأنينة؛ إلا بعد اعادة انتشار لعناصر القوات المسلحة الملكية؛ خاصة الفيلق الرابع للمشاة الذي كان يرابط بمنطقة محاميد الغزلان وبومالن دادس ورززات والرشيدية.
ومازلت اتذكر أهازيج وسرعة الطائرات المقاتلة من نوع ال F5 الخارقة للصوت، التي كانت تحلق فوق قريتنا على علو جد منخفض؛ حيث تتعالى زغاريد النساء، وترديد الناس لشعار: عاش الملك؛ الله الوطن الملك.. وسماع صوت المقنبلات والنيران وصعود دخان الغابة الكثيف التي أتت على الأخضر واليابس.

ويحكي الناس كيف فر هؤلاء الجبناء وتخفوا كالجرذان وكيف تراجعوا وعادوا منحدرين صاغرين ومنذحرين؛ من حيث أتوا كجحافل الجراد عبر الصحراء؛
وفي طريقهم اعترضوا حافلة خطوط للنقل بين منطقتي فم الحصن واقا في اتجاه طاطا؛ بعدما أمطرتهم فرقة صغيرة جدا من الوحدات العسكرية المغربية وعددها لا يتجاوز 6 عناصر؛ تسمى في القاموس العسكري ب: (la pièce) ؛ مكونة من مدفع رشاش وسلاح الهاون (Arme mortier) وخرائط لتحديد موقع الاستهداف وسلاح ناري خفيف والذخيرة؛ اذ ان عدة طلقات مدفعية من هذه القطعة التي كانت تتواجد بجبل عبارة عن هضبه بطاطا؛ حيث بني مقر العمالة الحالي؛ كانت كافية لزرع الرعب في نفوس هؤلاء الجبناء؛ وكانت الطلقات تخرج عبارة عن زغاريد وموسيقى نغمات طلقات نارية يتقنها ويتفنن فيها وبها وحدات عناصر القوات المسلحة الملكية البواسل الشجعان؛ من فوهات المدافع، فخيل لهؤلاء المرتزقة ان المغاربة يهجمون بقوات وبأعداد كبيرة؛ فلاذوا بالفرار.

ويحكي لنا أهالينا الذين جلهم من عناصر القوات المسلحة الملكية طرق وتكتيك هجوم هؤلاء المرتزقة الهمج؛ الذين عمدوا إلى الهجوم ليلا ببعض الطلقات النارية على وحدات القوات المسلحة الملكية بمنطقة محاميد الغزلان من خلال التشويش عليها وخلق مناوشات على سبيل التحرش فقط؛ في حين الكثرة الكبيرة منهم هاجمت واجتاحت منطقة طاطا وفم زكيد؛ في إطار ما يسمى بحرب العصابات وقطاع الطرق (الگِيريّة)

وفي هذه الحالة نعرف انه لما تستنجد الفرق والوحدات العسكرية بعضهم بالبعض الآخر؛ يرد عليه عبر الراديو واجهزة الاتصال اللاسلكي انه هو أيضا يتعرض للهجوم في نفس الوقت ولا يستطيع ان يمد يد المساعدة والدعم من هذا لذاك؛ لكونه تحت نيران العدو هو الآخر؛ ويبقى فيلق الوحدات المتحركة التي تجوب المنطقة الحدودية في حيص بيص وحيرة من أمره.
بعد هذا الحدث الذي كان الأول والأخير؛ حيث احتج المغرب على نظام العسكر في الجزائر كون الهجوم المسلح خرج وجاء عبر أراضيها المتاخمة للحدود المغربية من الجنوب الشرقي التي ليست موضوع أي نزاع، والتي كانت تحت سيطرة الحماية الفرنسية؛ تم تسليح وتنظيم وتزويد أفراد القبائل في إطار المساهمة في تحقيق الأمن الذاتي بالعدة العسكرية، بسلاح من نوع “الماص: 36 ” القوي البطش، والذي تم منعه والتخلي عنه بتوصية من هيئة الأمم المتحدة لحفظ السلم في العالم.

كما كنت ألاحظ كيف كان الناس جد يقظين ومتحمسين ويتحرون ويقومون بتنظيم دوريات الحراسة ليلًا ونهارًا والتأكد من هويات كل من يدخل المنطقة والقرية؛ حتى لا تتحول العائلات الى خلايا نائمة تأوي العدو؛ حيث منع إدخال وإكرام البراني إلى منازلهم كيفما كان نوعه نظرا للشك الذي أصبح ينتاب كل السكان؛ الذين كان يسهل عليهم تمييز عناصر المرتزقة القادمين من كوبا وبعض دول الساحل والقرن الإفريقي؛ مما حول القرية الآمنة إلى حالة الحظر والتجوال والطوارئ ليلًا.
رغم صغر سني؛ لاحظت التنسيق والتعاون التام بين السكان والسلطات الأمنية والعسكرية وعمليات التواصل والإصغاء والتقاط كل مفردة يدلي بها الناس أو يصرح بها أثناء جلسة تناول كأس الشاي الذي تقدمه الساكنة على شرف السلطات المحلية.

هذا الفعل التواصلي بين مختلف الفاعلين؛ كان أساسيًا وأدى إلى عملية رفع المعنويات المتبادلة بين أفراد السلطات الأمنية؛ من خلال الثناء وتثمين عملها من قبل السكان؛ والشعور بالأمن والسكينة والاطمئنان من طرف المواطنات والمواطنين.
هذا ولم تشهد المنطقة طلقا ناريا منذ ذلك اليوم؛ إلا استثناء حدثا واحدا؛ لما أمطر أحد الجنود في حالة غضب بمدفع ثقيل يتواجد بعالية الجبل المطل على دوار لحدب؛ فرن الخبز المتواجد بالمركز حتى أصبح بابه مثقبا بالرصاص كالغربال؛ لكن من لطف الله لم يخلف اية خسائر في الارواح..

هذه شهادة من تاريخ وحضارة ساكنة الجنوب الشرقي من المملكة؛ هناك من عاشها وعايشها وهناك من قضى نحبه؛ وهناك من ينتظر.. ولنا في التاريخ ابتلاء وعبر للاستنباط واستخراج مادة للقياس.
إلى أبنائي وأصدقائي؛ من أجل معرفة واستحضار تاريخ أجدادهم المليء بالأمجاد.. وليس التاريخ المليء بالكراهية والأحقاد
دام لك الشموخ يا وطني

(*) باحث ومفكر مغربي..

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...