سعد الحريري في ضيافة أردوغان… ماذا عن السعودية؟.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

تستمر في لبنان أزمات متعددة الجوانب، من الأزمة الاقتصادية المزمنة، إلى تداعيات جائحة كورونا، وصولاً إلى استمرار الأزمة السياسية التي على ما يبدو أنها لن تبصر النور قريبًا؛ كل ذلك أرخى بتداعياته على المناخ العام السياسي والاقتصادي في لبنان، الأمر الذي يُنذر بتصدعات قد تصيب الجسد اللبناني بمزيد من التقرحات السياسية والاقتصادية، خاصة في ظل حالة الكباش السياسي، والتي حتى الآن لم تُفلح في ولادة حكومة جديدة، يُمكن أن ترمم التصدعات في لبنان، وتكون سبباً في التخفيف من حدة التحديات التي تفرضها طبيعة المعطيات الإقليمية.

في غمرة ذلك ودون سابق إنذار، قام رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري بزيارة إلى تركيا، والتقى خلالها رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، وما من شك بأن توقيت هذه الزيارة يحمل الكثير من المعاني والدلالات، لا سيما في الجانب الاقتصادي، دون إغفال ما تعانيه المنطقة من تحديات جمة، تفترض التشبيك اللبناني مع أكثر من قوة إقليمية، وعليه فمن المؤكد وبحسب المعطيات التي تلت الزيارة، فإنه سيكون لتركيا دور في إعادة إعمار مرفأ بيروت، والمساهمة في منع حدوث انهيار اقتصادي في لبنان.

لكن في المقابل ثمة الكثير من التساؤلات التي تتمحور حول الهدف الأساسي لهذه الزيارة، والتوقيت الغير بريء خاصة مع توقيت المصالحة الخليجية، لكن رغم ذلك فأنه لا يُمكن إغفال حاجة لبنان الرسمي إلى دعم اقتصادي مُركزّ، في ظل ما يواجه من أزمة مالية جعلته في أمس الحاجة إلى مساعدات مالية دولية.

سعد الحريري الباحث عن طرق لتقوية نفوذه في لبنان، وتدعيم موقفه بقوى إقليمية لها وزن فاعل ومؤثر في رسم سياسات المنطقة، وبالتالي من المهم أن نذكر في هذا الإطار، زيارة نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي للبنان بعد وقت قصير من الانفجار. حيث أعلن خلال تلك الزيارة أن تركيا ستضع ميناء “مرسين” في خدمة لبنان للعمليات التجارية، حتى يتم إعادة بناء مرفأ بيروت واستئناف نشاطه. وبالتأكيد من الأمور التي يأمل الحريري الحصول على الدعم التركي بشأنها، هي إعادة إعمار مرفأ بيروت، واستثمار ذلك في تعزيز موقفه تُجاه الأفرقاء السياسيين في لبنان.

في ذات المشهد السابق، فإن تركيا أيضاً تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة، ومن وجهة نظر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فإن لبنان يُمثل هدفًا أساسيًا في السياسات التركية، نظرًا لثرواته من الطاقة في البحر الأبيض المتوسط وأهميته الجيوسياسية في جوار فلسطين وإسرائيل وسوريا. كما أن النظرة الإسلامية والإخوانية للحزب الحاكم التركي، من وجهة نظر قادة حزب العدالة والتنمية، يمكن أن تساعد في توسيع نفوذ هذا البلد بين أهل السنة في لبنان.

في البعد الأخر لزيارة الحريري إلى تركيا، يتجلى في تقلبات العلاقة السعودية التركية، ومع حدوث تطورات ما يسمى “الربيع العربي” في المنطقة، توترت العلاقات بين أنقرة والرياض إثر دعم تركيا لمحور الإخوان، واشتدت هذه التوترات بعد أزمة مجلس التعاون وحصار قطر عام 2017، واغتيال الصحفي الإخواني “جمال خاشقجي” في القنصلية السعودية عام 2018.

وقد أدى ذلك إلى تكهنات حول ما إذا كانت هناك صلة بين تجاهل السعودية طلب الحريري تقديم مساعدات مالية والدوافع وراء هذه الزيارة. وبلغت هذه التكهنات درجة جعلت الحكومة السعودية تضطر لكسر صمتها، ونفي استيائها من زيارة الحريري لتركيا في بيان بهذا الخصوص.

وفي هذا الصدد، لا شك أن السعودية التي ترى نفسها لاعباً مهماً في العالم العربي من منظور عام، لا تتحمل محاولة تركيا لتصبح داعما أجنبيا للسنة في لبنان. لكن في الوضع الحالي ولأسباب ما، يمكن القول إن السعوديين أنفسهم أعطوا الضوء الأخضر اللازم للحريري للقيام بهذه الزيارة.

السعودية تُدرك جيداً أن أنقرة لن تكون قادرةً على تقديم مساعدات مالية كبيرة للبنانيين، بسبب المشاكل الاقتصادية التي تواجهه، كما أن رغبة السعودية في تخفيف حدة التوتر مع تركيا عشية قمة العشرين، وكذلك المصالحة الأخيرة مع قطر، يمكن أن تكون زيارة الحريري رمزًا للأجواء الجديدة للعلاقات بين هذه الدول. كما أن السعودية تأمل في أن تنهي تركيا الانتقادات في الأشهر الأخيرة لدور العدوان السعودي الخارجي في تشكيل الأزمة اليمنية.

في المحصلة، فإن الضوء الأخضر السعودي الذي مُنح للحريري بُغية زيارة تركيا، ينطلق من مفهوم أن سعد الحريري سيكون قادرًا على القول للرأي العام اللبناني إن المشكلة داخلية وليست خارجيةً، ولا يوجد “فيتو” إقليمي على تشكيل الحكومة. كل ذلك سيبقى في إطار التكهنات لنرى ثمار زيارة الحريري إلى تركيا.

*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا