حينما تخلت المحليات عن دورها..فتحمل ” النائب” أوزارها !!!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبدالعزيز الشرقاوي

 

 

يتفق الجميع تمامًا بأن المحليات وأجهزتها كانت من أهم الأسباب التي شوهت وبجدارة وجه مصر وعلي مدار عقود طويلة بخلاف بالطيع عوامل أخرى متعددة، ولكن ظلت المحليات على رأس تلك العوامل التي أثرت وبشكل مباشر على كل مانعانيه من فوضي في الشارع المصري.
مرة بالفساد ، ومرة بالقصور، ومرة بالإهمال، ومرة بالتسيب وعدم الرقابة، ومرة بإهدار متعمد للمال العام، ومرة بتمرير مشروعات غير مستوفية للمواصفات، مما أدى كل هذا بالطبع الأثر السيئ والمباشر لتشويه وجه الشارع المصري في جميع محافظات ومدن وقرى حتى النجوع والكفور في مصر.

– تعطيل انتخابات المجالس المحلية –
من المفترض أن تكون المجالس المحلية هي نقطة الارتكاز الحقيقية لخدمة المواطنين والجماهير العريضة لأنها تمس بطريقة مباشرة حياته اليومية في كل أموره الحياتية والمعيشية من نظافة، وتنظيم، ومرافق، وبناء ، وخدمات من صحة وتعليم وخلافه وبالرغم من هذا ومع أهميتها القصوى للشارع والمواطن المصري على حد سواء.

نجد أن المجالس المحلية والتي كانت تعد برلمانًا شعبياََ شاسعاََ بطول مصر وعرضها، وبحضرها وريفها بعدد مقاعد ضخم يقدر بـ 52 ألف مقعد معطلاً منذ 12 عامًا وتحديداََ منذ عام 2008، حينما أمر الرئيس الأسبق حسني مبارك في ذلك العام بتأجيلها. وإلى الآن لم تجرى إنتخابات المجالس المحلية، والتي تعتبر في كثير من الدول بمثابة الرافد الرئيسي، والأساسي الذي يضخ للمجتمع سياسيين متمرسين بخلفية وظهير شعبي، وهي تتيح التدرج السياسي الطبيعي لكل السياسيين والحزبيين من المستويات الشعبوية إلى المستويات النخبوية، فهي بمثابة معمل تفريخ للقيادات السياسية المستقبلية، ويتعلم السياسي بها أبجديات العمل والتواصل السياسي، مما يعود بالنفع على مؤسسات الدولة لما تملكه من خبرات سياسية متمرسة كلٌ في مجاله ودائرته. وهناك أمثلة عديدة من دول العالم المختلفة بدأ زعماؤها من مجالس محلية إلى الكرسي الرئاسي.
فعلي سبيل المثال لا الحصر، حينما تدرج جاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق من عمدة باريس إلى رئيس فرنسا، وأحمدي نجاد كان محافظاََ لطهران، وأصبح فيما بعد رئيساََ لإيران، ورجب طيب أردوغان كان عمدة لأسطنبول أصبح فيما بعد رئيساََ لتركيا.

– في مصر الوضع مختلف تمامًا –

ولكن في مصر الأمر مختلف إختلافًا كبيراََ، إذ لا تحظى الإنتخابات المحلية، ولا المجالس المحلية بالإهتمام المطلوب الذي يتناسب مع أهميتها القصوى للوطن والمواطن، ودورها الذي لا يقل أبداََ وبأي حال من الأحوال عن دور المجالس التشريعية؛ لأن الدولة مازالت تطبق المركزية.. وطبيعة المجالس المحلية هى اللامركزية وتبحث أيضاََ هذه المجالس
عن – استقلالية حتى وإن كانت محدودة- للمحافظات والمدن والريف، بالإضافة أيضاََ إلى سلطة إتخاذ القرار ؛ كل هذه التشابكات جعلت المجالس المحلية والانتخابات الخاصة بها لا تحظي بالإهتمام المطلوب من الدولة، بالرغم أنها قد أقرت قانونًا جديداََ حددت فيه 18 إختصاصاََ للمجالس المحلية في سائر محافظات الجمهورية، ومازال التفعيل غير موجود في ظل عدم مجالس محلية من الأصل؟

*حينما أثقلنا كاهل النائب بحمل وزر المحليات؟
هنا برزت إشكالية كبرى تبلورت عبر عقود وبدأ العقل الجمعي للجماهير المصرية، والذي خلق بذاته حالة إلتباس وتشابك بين فهم عمل نائب البرلمان وعمل المجلس الشعبي المحلي وهو بالطبع معذور في خلق هذه الحالة المتشابكة حينما إنسددت أمامه طريقة وطرق الوصول لأي مسؤول في نطاق محافظته أو مدينته أو قريته سواءً مسؤولاً رفيعاََ أو آخرين، وأصبح الوصول صعباََ للغاية.. مع إنعدام دور المجالس المحلية صاحبة الحق الأصيل في التعبير عن أوجاع وآلام ومتطلبات المواطنين وتخليها عن أداء واجبها المنوط لها، وأهملناها بروافدها من مجالس شعبية ووحدات قروية.. وعدم وجود النائب الشعبي المحلي الذي يمثل كلاً من المحافظة أو المدينة أو الحي أو الوحدة المحلية للقرية، كان من الطبيعي في ظل عدم التواصل هذا، وانسداد طرق الوصول إلى أحد المسؤولين الإندفاع وبقوة إلى البديل الأخير وهو– نائب الدائرة- حتى وإن لم ينزل إلى أبناء دائرته إلا كل انتخابات جديدة كل خمس سنوات؟ ولكن يمثل عند الجماهير العريضة بكل أوجاعها وطلباتها ومتطلباتها الملجأ الوحيد؛ لأن المواطن يشعر ساعتها أنه في حالة نادرة ووحيدة يلعب بها دوراََ ما، وله أهمية وإن بدت وهمية
حتى وإن كانت أهمية مرهونة بوقت معين وطويل الأجل فهو أمام مقايضة مع نائبه: “سأعطيك صوتي الانتخابي وتعطيني بعضاََ من طلباتي”.. يشعر المواطن في هذه الحالة فقط بأهميته، وأن له أداة ما تعطيه السبق يستعملها كأداة ضغط عند اللزوم؛ حتى وإن إستعملها مرة كل خمس سنوات بعدما لم يجد معه نفعاََ تسول إهتمام السادة المسؤولين لقضاياه في نطاقه المعيشي بعمل أي شيء يذكر له.

فباب المسؤول بات مغلقاََ دائماََ، أما نائبه البرلماني فربما يجده في بعض من مقراته يوماََ ما !!.. هنا إلتبس وبدون قصد العمل المدني والمنوط للمحليات، وعمل نائب البرلمان، وأثقلنا كاهله بأمور فرعية جداََ جداََ ومحدودة في إطار داخل دائرته ،كرصف طرق وإمدادات الكهرباء والمياه والغاز حتى تحويل التلاميذ من مدارس إلى مدارس أخرى؟ والإنارة ورخص البناء وإعفاء بعض الطلبة من المصروفات الدراسية والعلاج على نفقة الدولة لغير القادرين والحصص التموينية وغيرها
وهذا بطبيعة الحال يعتبر جزءاََ من عمله، ولكن تناست الجماهير بجهل أو بغير جهل أن وظيفة النائب ومسؤولياته كبيرة جداََ أكبر بكثير وبمراحل عن كل هذه المتطلبات.
_ فوظيفة النائب هي:
°إقرار الموازنة العامة للدولة
°تشريع القوانين ومراقبة أداء الحكومة
°الانشغال بالقضايا الرئيسية للدولة
°التعبير عن هموم وانشغالات جموع الشعب ومتطلباته وانحيازه للشعب، والتحدث باسم جموع الشعب في كل الأمور التي تخصه. إذاََ فالنائب له “وظيفة تمثيلية” يمثل بها مطالب الأمة،
” ووظيفة تواصلية” يقوم بتوصيل كل ما تطلبه الجماهير لصناع القرار والجهات المسؤولة.

وفي ظل هذا التشابك مطلوب من النائب أن يظهر أمام ناخبيه بأنه يمتلك القدرة علي الحصول علي أكبر قدر من الموافقات، وتوقيعات السادة الوزراء والهيئات والجهات المعنية لكي يفي بوعوده لناخبيه. وهنا يكمن الحكم على سيادة النائب:
هل يستطيع الركض والسعي بين الوزراء وهنا وهناك لكي يفي بوعوده الفرعية جداََ، والشخصية جدًا لأبناء دائرته أم لا؟
هنا نثقل كاهله مرة أخرى، ونحمله بيروقراطية الجهاز الحكومي بأكمله وتعقيداته وتسويفه الزمني، وعدم إنجاز أي أمر في وقت سريع، فنحمل النائب مالا طاقة له به.. نحمله تقصير المحليات ومطالب بأن يكون عوضًا عنها ونحمله البيروقراطية الحكومية، ومطالب أن ينجز المطالب في أسرع وقت، مطالب أن يكون ساعي بريد ينقل يوميا مئات المطالب من أبناء دائرته إلى الجهات المختلفة ومطالب أيصاََ أن يبدي كثيراََ من المرونة والإستجداء لإنهاء مصالح دائرته، فهل بعد كل هذا سيكون عنده الوقت والرغبة في ممارسة عمله الرقابي والتشريعي المنوط له؟
*ما الحل؟
الحل هو أن تعود إنتخابات المجالس المحلية، لتفي بمتطلبات الجموع الغفيرة من الشعب للخدمات الذي يريدها وأن نقوم بتغير النظرة المجتمعية التي ترسخت للعوامل التي ذكرتها سلفاََ لنظرتها للنائب البرلماني، وأن كل مايخص حياته اليومية هي إختصاص أصيل للمجالس المحلية.

-فتح آفاق جديدة للتواصل بين المسؤول وجموع الجماهير في المحليات
-إجبار السيد المسؤول على النزول للشارع ولقاء المواطنين بعيداََ عن ثقافة ” تمام يا أفندم” وتكون علاقة إحتكاك وليس علاقة تقارير
– فتح قنوات للجماهير للتعبير عن مقترحاتهم ومتطلباتهم وإشعارهم أنهم فقط مستقبلون، ولكنهم فاعلون ومؤثرون أيضاََ
– إنشاء مجلس قومي لنشر الجمال، ليعيد رونق وبهاء الشارع المصري المهترئ بعيداََ عن المحليات، ويكون مستقلاً يضم نخبة من أساتذة الجامعات في التخطيط العمراني والفنون الجميلة والفنون التطبيقية
– غرس قيم الانتماء والمشاركة الفعالة من تطوع أو إبداء وجهات النظر والمقترحات
– عمل نائب البرلمان يكون عملاً تنسيقياََ مع المجالس المحلية ولا يمكن أبداََ أن يكون بديلاً أو وكيلاً عنه.
“وهنا سنتكلم عن وجه جديد لمصر” .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...