ما هو القانون بالمغرب؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور عبدالله شنفار

 

 

ماذا يقصد بالأمن القانوني؟ وماذا يقصد بالأمن القضائي؟ كيف يوثر ذلك على الأمن والطمأنينة والسكينة ومناخ الاستثمار في البلد؟

لتحليل هذا الموضوع المثير للجدل؛ لابد من إزالة بعض الألغام من الحقل المعرفي والجهاز المفاهيمي للسفر في فضاءات ومساحات البحث العلمي للوصول إلى مفاتيح أبواب فهم الموضوع.
الأمن القانوني في ارتباطه بالأمن القضائي؛ هو بكل بساطة مدى قدرة قاعدة قانونية ما؛ لتعرف حيزًا للتطبيق الفعلي على أرض الواقع، ومدى ثقة الناس فيها. والتي تهدف ضمان حفظ النظام العام من خلال تحقيق الأمن العام والطمأنينة العامة والسكينة العامة للسكان، عبر إجراءات: المنع والإذن والأمر.

باستحضار قوله تعالى في سورة النحل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.}، فقد يشعر الإنسان بالطمأنينة والسكينة؛ لكن قد لا يشعر بالأمن والأمان؛ لذلك نجد في الآية الكريمة أسبقية الأمن على الطمأنينة كشعور داخلي للإنسان؛ في حين أن الأمن هو شعور خارجي مشترك.

في ظل كثرة وتعدد وتنوع وغموض نصوص القانون، وعدم مطابقتها للواقع السوسيولوجي؛ هذا الوضع دفع بالعديد من الباحثين في مجال علم الاجتماع إلى طرح السؤال حول ما هو القانون بالمغرب؟ أو بالأحرى ما معنى القانون بالمغرب؟ هذا الموقف كذلك أدى بالعديد من المتخصصين، إلى طرح تساؤل آخر فيما إذا كان القانون قد يكون تعسفيًا في بعض جوانبه؛ حينما ينزع بكثرة نصوصه إلى التقليص من حقوق وحريات الأفراد، بحكم إنه لم يكن وليد اكتناف أو صراع معين، أو بحث سوسيولوجي عميق؛ بل مجرد دخِيل و(بَرَّاني) في العديد من نصوصه؟
نجد هناك العديد من النصوص القانونية (البرَّانِية) والدخيلة عن، وعلى المجتمع المغربي؛ التي بالإضافة إلى برّانِيتِها وعدم انبثاقها من الواقع والمعيش السوسيولوجي للإنسان المغربي، تبقى صعبة التطبيق، إن لم نقل مستحيلة التطبيق والتنفيذ على الإطلاق.

ومن هذه النصوص على سبيل المثال والحصر؛ نجد الفقرة التاسعة من الفصل 35 من القانون الجنائي التي تعاقب تعاطي الشعوذة والسحر! فنحن نعرف أن المجتمع المغربي من أكثر المجتمعات العالمية التي تؤمن بالسحر الذي يتم إما علانية، بحيث يكفي معاينة بسيطة لبعض الأماكن المعروفة والمشهورة مثل:

ساحة “جامع الفناء” بمراكش؛
لالة عيشة البحرية بأزمور بالجديدة؛
وسيدي عبدالرحمان مول المجمر بعين الدياب بالدار البيضاء؛
ومولاي بوشعيب بأزمور بالجديدة؛
(…) وغيرها من الأماكن المعروفة والمعلومة؛ لمشاهدة ومعاينة استفحال الظاهرة.

وإما في الخفاء حيث يصعب إثباتها ووسائل ضبطها؛ إلى أن تظهر للعلن بعدما تكون مقرونة بفعل جرمي آخر؛ ونضرب مثلًا بما يسمى الرقية الشرعية أو الزنا والفساد المقنع والمتخفي تحت ستار المعالجة بآيات القران.
فهو إذن مجرد تنصيص يدخل في مجال نص استراتيجي مضمن بالمجموعة الجنائية، مع وقف التنفيذ.
نفس الشيء بالنسبة للتنصيص على معاقبة وتعذيب أو حبس الحيوان! فلو افترضنا أن الأمر تعلق ب “قط” أو “كلب”، فالبحث السوسيولوجي البسيط يؤدي إلى استنتاج مفاده؛ إنه في الثقافة الشعبية والمخيال السيكولوجي للإنسان المغربي؛ بأن تعذيب أو الاعتداء بالضرب على القط أو الكلب يؤدي إلى الإصابة بضربة صرع أو ضربة الجن “التشير” أو مقولة؛ فيه ذنب وإثم كبير؛ فهما يدخلان في مجال المحرم أو التمثل أو الخوارق الطبيعية؛ أو حتى المقدس على طراز تقديس الشعب الهندي للبقر؛ وليس احترامًا للحيوان الأليف كما هو الشأن عند شعوب وأمم أخرى.

لذلك نجد العديد من عمال الجماعات الترابية والإنعاش الوطني؛ يتهربون من محاربة الكلاب والقطط الضالة؛ ليس خوفًا من جمعيات الرفق بالحيوان؛ بل للسبب السالف الذكر؛ حيث يعملون على جمعها من خلال اصطيادها وإحالتها على مكاتب مصلحة البيطرة وحفظ الصحة، لتنتهي مهمتهم؛ وحتى المصالح البيطرية التابعة ‫للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية؛ يتهربون لنفس السبب متذرعين بكون المادة السامة (الستريكلين) المستعملة في محاربة الكلاب والقطط والثعالب والدواب الضالة والمسعورة؛ مادة خطيرة على صحتهم! في حين إن الحقيقة تكمن في التعويض الهزيل المتمثل في فوطة وصابونة؛ هو الذي يدفع إلى التهرب من المهمة في غياب الحوافز والتعويضات عن هذه المهام الصعبة والشاقة والخطرة حقًا.‬
وحتى التنصيص على مبدأ: “لا يعذر أحد بجهله القانون”؛ يطرح السؤال والتعجب والاستغراب حول محلها من الإعراب؛ في مجتمع يعاني الأمية بنسبة تزيد على 64 %!؟

قامت الدولة بعدة إصلاحات من أجل تجاوز الأزمة وخلق حركية في مجال الاقتصاد والسياسات العامة؛ شملت عدة ميادين يمكن حصرها في عدة متغيرات؛ كالعمل على تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، من خلال الدعوة إلى تبسيط المساطير والإجراءات الإدارية التي وإن كانت مهمة إلا أنها تؤدي إلى نزوع المستثمرين وتثبيط هممهم، وصدور مدونة الاستثمارات، وإحداث المحاكم التجارية، والتي جاءت بدل مشروع محاكم الأعمال.

كما تم خلق منطقة للتبادل الحر بميناء طنجة المتوسط، وكذا التأثير على السياسة الضريبية كإلغاء الضريبة الازدواجية والاتفاق بين الأطراف حول ضمان الاستثمار، وبالموازاة مع ذلك قبل المغرب خضوعه للمادة 8 من مدونة صندوق النقد الدولي حول تحويل وتعويم الدرهم والمعاملات الجارية في التسديد والاستمرار في نهج سياسة الخوصصة وفتح المجال أمام المبادرة الحرة. وكذا تشجيع سياسة الجهوية واللامركزية، وذلك بإبعاد القرار المركزي شيئا فشيئا.
لكن لا يمكن تصور مناخ صحي للاستثمار في ظل غياب نصوص قانونية واضحة؛ وفي ظل غياب تحقيق الردع الخاص والعام لحماية المستثمرين من صور التعسف والابتزاز والنصب والاحتيال الذي قد يتعرضون له في غياب حماية قانونية وقضائية.

(…) إلى غير ذلك من النصوص الدخيلة والمتجاوزة؛ والتي تعود إلى عهد الحماية الفرنسية أو بداية الاستقلال، أو التي شرعت في ظروف وملابسات محددة ومعينة اقتضت ذلك. أو التي تبقى سابقة على الواقع والحدوث.
نعرف أن المشرع المغربي لا يوقفه شيء؛ الا سعة الإمكانات، في السرعة في بلورة وإخراج القوانين والتشريعات والأنظمة القانونية؛ فمتى تتم اعادة النظر في الترسانة القانونية المتواجدة بالمغرب بالتقليص منها والحذف؟ (بحيث هناك نصوص قانون تنظم أنشطة إنتاجية قد توقفت عن الإنتاج؛ ومع ذلك لازالت قوانينها سارية المفعول؛ كالحقوق والتعويضات التي تصرف لفائدة أشخاص؛ والمترتبة عن استعمال الفحم الحجري لفائدة مقتصدي الأقسام الداخلية بالإعداديات والثانويات).
كما أن تجويد النصوص ومراجعتها وتتميمها وإصلاحها والتغيير والتعديل وبإعادة صياغتها؛ وسد الفراغ القانوني الموجود في العديد من القضايا المجتمعية؛ من شأنه تسهيل مهمة القاضي والإدارات والمواطنات والمواطنين عند التطبيق السليم لها؛ وحتى تساير التحولات السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها العالم والمجتمع المغربي.

*المفكر والكاتب والمحلل الاستراتيجي المغربي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...