*محمد فرحات
تعيش البشرية على تبادل المصالح و المشاعر. الحب يؤسس للعلاقات الأسرية والمحبة تدعم الأواصر العائلية و الإخلاص و الثقة يقويان الصداقات. المودة و التآزر و التكافل تقوي الانتماء للعشيرة و فوق كل هذا و ذاك علاقات الجيران بعضهم ببعض ترقى لأبعد من كل هاته الأحاسيس و المشاعر لتنتصب كأسمى مظاهر التحضر .
حسن الجوار من اللبنات المؤسسة للمجتمع البشري وتطوره على أساس الاعتقاد بالقيم الدينية والامتثال لسمو القانون لأنهم المرجع الوحيد الذي يؤطر العلاقات حين تنقطع أواصر التواصل و المودة و المحبة بالاضافة لقوتهم في أن يحولوا دون تدهور متزايد للأوضاع و تفادي حصول القطيعة.
قد يتقرر الابتعاد عن الصديق او القريب و يبقى ذلك في خانة الخيار، و لكن يصعب الابتعاد عن الجار أو تصور إزاحته من مشهد حياتنا اليومية فذلك من باب تحصيل حاصل. و تبقى إملاءات التقارب المادي و العضوي التي تجعل من الابتعاد و التباعد حلا صعبا و استكشاف الحلول البديلة امرا ضروريًا جلبا للمنفعة المشتركة و درءا للمفاسد المحتملة.
كل هذا التقديم للقول ان تبعات ما وقع من تآمر عدواني واضح المعالم مع سبق الاصرار بين الإسبان و الجزائر على جارتهم المملكة المغربية في ماي و يونيو الماضي، وهم أقرب إلينا من حبل الوريد تاريخيا و جغرافيا و عرقيا، لم تنته بعد مخلفاتها و تبعاتها و مخطئ من يظن انها سحابة صيف ليس إلا.
الاسبان و الجزائر جارتا المغرب، و في حالة الجوار فإن الجار الذي مورست عليه مضايقات واضطهادات جيرانه يكون من غير الهين جبر خاطره بترهات من قبيل ما صنعت اسبانيا من إعادة تشكيل للأوراق والصدح بنوايا مغايرة عبر تعديل حكومي. فالضرر واقع والإساءة حاصلة.
لكن الأسوأ أتى من الجار الجزائر التي لم يفتأ حكامها يعلنون عن سوء نواياهم و تكريسها بوضع أشخاص عرفت عنهم شراستهم و ميولهم الفطري للعدوانية.
إن من يؤوي في بيته حيوانا شرسا لا يمكن أن يُطمئن جيرانه بوداعة لقيطه لأنه أصلًا حيوان ضال معدوم الأصل و الثقة و صفاء العرق و النسل. وتتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباها بأن يريد هذا الجار إيواء جروه في حديقة بيتك و يدعي أن له حق فيها.
ان تصفح القانون الدولي للحرب أو ما يصطلح عليه بالقانون الدولي الإنساني يجيز دفع المنهزم في مواجهة حربية تعويضات مادية و مالية بعد توقيع صك الهزيمة و دفع الغرامات.
ويذكرنا التاريخ أن إسبانيا و هي المعتدية بشنها حربا علينا في تطوان سنة 1856 وحتى بعد هزيمتهم في حرب أنوال 1921-1926 و المجازر الشنيعة التي ارتكبوها بوازع الانتقام بمساعدة الطيران الفرنسي و السلاح الكيميائي الألماني أرغمتنا إلى دفع غرامات لم تكن خزينة الدولة لتواجه وزرها و كانت نتيجتها ان وقع المغرب على معاهدات الحماية التي جزاته إلى مناطق نفوذ مختلفة سواء من حيث الجغرافيا أو القوى الاستعمارية (اسبانية، فرنسية ودولية) و التي ما زلنا نعيش آثارها.
وبحكم هذه الآثار التي مازال بعضها ساري المفعول فإنني أطرح للنقاش والتفكير النقاط التالية كمساهمة شخصية لا علاقة لها بالانتماء لأي توجيه ايديولوجي أو سياسي أو مؤسسة كيف ما كان نوعها ، اللهم ما كان من ممارسة الحق في التعبير والتفكير الحر:
تشكيل لجنة مختلطة مغربية اسبانية من اجل التباحث والدراسة و تنزيل مخطط يتم بمقتضاه تسطير نهج عملي لإنهاء حالة الاستعمار في سبتة و مليلية و كل الجزر و الصخور و الجيوب الموجودة في المياه الإقليمية المغربية و التي مازالت ترزخ تحت نير الاستعمار الإسباني.
تدارس أشكال التعويضات الواجب دفعها للساكنة المحيطة بهذه المستعمرات التي يقع عليها وزر هذا الاحتلال لأنها ممنوعة من استغلال الموارد البحرية و البرية هي الأولى باستغلالها.
التعويض عن الاستغلال الغير قانوني و اللامشروع لموارد الأقاليم الصحراوية من معادن وثروات بحرية تحت تهديد القوة العسكرية لأقاليم مستعمرة لم تكن قط تحت السيادة الإسبانية.
فيما يخص الجارة الجزائر، فيجب إعادة التأكيد في اتخاذ التدابير السياسية التالية:
عدم مشروعية الحدود الموروثة عن الاستعمار و تشكيل لجنة ثلاثية بمشاركة فرنسا القوة المستعمرة السابقة و خالقة هذا الكيان كدولة بعد ان كان ايالة عثمانية و إطلاق اسم الجزائر عليه بالإضافة إلى الأمم المتحدة كراعي للمفاوضات الواجب إجراؤها لترسيم الحدود بين البلدين.
يجب على الجارة الجزائر دفع تعويضات خسارتها في الحروب التي خاضتها في الأقاليم الصحراوية مدعمة لقوى انفصالية مرتزقة دعمتها و شنت هجمات عسكرية الى جانبها مدججة بأسلحة لا توجد إلا في ملكية جيوش نظامية.
إطلاق سراح كل المعتقلين في مخيمات العار بتندوف
تمتيع المواطنين ذوي الاصول الصحراوية المغربية المحتجزين بمخيمات العار بتندوف من حقهم المكفول لهم دوليا والذي ترعاه منظمة الأمم المتحدة و المفوضية العليا للاجئين بالتنقل بحرية و العودة إن شاؤوا إلى مواطنهم الاصلية.
التأكيد كما جاء على لسان السفير ممثل المملكة المغربية بالأمم المتحدة بنيويورك على واجب تمتيع شعب القبايل من حقه في تقرير مصيره تطبيقا للقوانين و المواثيق الدولية ذات الصلة.
من هذا المنطلق أدعو أبناء وطني الى الالتفاف المتين وراء قائدهم أمير المؤمنين حامي حمى الوطن والدين لأن الآتي من الأيام قد يكون علينا شديدًا.
تحت قيادته الرشيدة تخطينا الكثير من الصعاب و حققنا النمو الاقتصادي والازدهار و الحمد لله. و كل هذا بدأ يجلب علينا و العياد بالله حسد الحاسدين و كيد الكائدين. لا اعني التهويل لكني ادعو الى كثير من الحذر واليقظة. فكل الاحتمالات واردة و أقلها التصعيد. فالأذى و الشر يأتي غالبا من الجهة التي نطمئن إليها و بحكم الجوار ننسى فنستأنس بظاهر عدم عدوانية الجار.
فهلموا إلى التعبئة و الحذر
و عيدكم مبارك سعيد
*سفير سابق





