بين سؤال الحقيقة والشطحات الصوفية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

بعضهم يعتقد أنه الوحيد من يحتكر النسخة الأصلية للحقيقة؛ في حين الآخرين لديهم النسخة المزيفة فقط؛ وليس حتى فوطوكوبي!

لعل من أشد اللحظات درامية على العهد اليوناني؛ تلك التي اقتيد فيها (المسيح) أمام بيلاطس حاكم جوديا؛ لما سأله من تكون؟ فأجابه المسيح: إنما جئت لأكون شاهدًا على الحقيقة!
وبهزة كتف، رد عليه الحاكم (بيلاطس): “وما الحقيقة!؟”
لم يكن يدري حاكم جوديا أنه طرح أعظم سؤال عرفه التاريخ والذي لازال موضوع العلوم والابستمولوجيا حتى الساعة.
يمكن تصنيف أنماط تفكير وعمل النخب من الفاعلين في المغرب؛ محليًا وإقليميًا وجهوياً ووطنياً؛ حسب أنماط تفكيرها؛ وفق التصنيفات التالية؛

برامج حَرَسُ القديم من (كاربونC14) ويزعمون في برامجهم أنهم وحدهم من يمتلك الحقيقة! والآخرون تتوفر لديهم نسخة رديئة فقط من الحقائق عن تدبير شؤون الدولة؛ وإذا ما حصل وتولوا الآخرين من حَرَسُ الجديد والحديث من الأطراف الأخرى المنافسة؛ المسؤولية؛ سوف يقودون البلاد والعِباد إلى الهاوية والكارثة على حد زعمهم!!

حَرَسُ الوثوقية؛ ويدعون أنهم وحدهم من يستفرد بتملك النسخة الأصلية للدَّين! وأن خطتهم تطابق خطة الإله والكوْن؛ وأن الآخرين لديهم النسخة المزيفة فقط عن الدِّين! وحتى إذا ما حدث ووصلت هذه النسخة الأصلية صدفة بين أيدي هؤلاء المنافسين أو المعادين؛ سوف يسيؤون استعمالها، على حد اعتقادهم! وكأنهم كانوا يجلسون منها مقاعد للسمع؛ فاسترقوا السمع من الملأ الأعلى؛ وعرفوا وخطفوا الخطفة حول كل ما يجري هناك في اللوح المحفوظ مما (كَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) في مسلسل ومسارات حياة الناس، والصيرورة التاريخية للشعوب.
حَرَسُ المعبد؛ هؤلاء يحاربون بشكل متطرف كل أشكال العصرنة في الدولة ومتشبعون بالوثوقية المفرطة.

برامج حَرَسُ التقليد والحتميات؛

الذين يحاربون كل تحديث وعصرنة في الإدارة ومؤسسات الدولة؛ وهم متشبعون؛ بالفكر الماركسي التروتسكي الاشتراكي الشيوعي؛ الذي يقوم على ميكانيكا الحتمية التاريخية.
وفي النقيض؛ نجد المتشبعون بالفكر المادي الرأسمالي المتوحش.
ويتجاذب كل هؤلاء؛
حَرَسُ الدولة العميقة؛ أو حَرَسُ حكومة الظل؛ أو حَرَسُ الدولة الموازية؛ أو حَرَسُ الحكومة السرية
وهو مفهوم يحيل إلى إحدى مباديء الآلية الديمقراطية في بلدان العالم؛ والتي تقوم على مبدأ التداول للسلطة بين الأفراد والجماعات. وهي إحدى الآليات المتعارف عليها؛ حيث يتولى جهاز خاص استلام مقاليد الحكم من أجل ألا تنهار موارد ومقدرات الدولة وأمنها ووجودها واستقرارها وكذا استمراريتها.

يعمل حَرَسُ الظل كضابط للنسق؛ على بلورة السياسات العامة والعمومية؛ التي في جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ تستهدف ثلاث قضايا وأبعاد رئيسية كبرى التي هي:
قضية وجود؛ وتعني ضمان وجود الدولة والإنسان.
قضية استمرار؛ أي ضمان استمرارية وغياب كل مسببات زعزعة الحكم والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
قضية تنمية وبناء وتحضر؛ وتعني ضمان تطور وازدهار في جميع الميادين والمجالات.

لكن سؤال العلوم والفلسفة لا يكون بمجرد هزة كتف؛ بل بالسؤال المنهجي السوي والأساسي والجوهري الذي يتطلب وقتًا كافيًا لبلورته. وليس مجرد السؤال العبثي الذي في محاولات إيجاد الإجابة المرتجلة والسريعة عنه؛ لا يعد سوى مضيعة للوقت.
أما معنى معنى “الحقيقة” في فكر المتصوفة؛ نجده في قول الجنيد أحد اقطاب فكر التصوف: “لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق“.
وفي رواية أخرى “لا يكون الصديق صديقًا حتى يشهد له في حقه سبعون صديقا بأنه زنديق”.
لو أنه قال: (لا يكون الصديق صديقًا حتى يشهد فيه ألف صديق أنه صديق) لكان ذلك المعنى مستساغاً.

ومعنى درجة الحقيقة عند المتصوفة هي زوال هذا الوجود في الشهود، فإذا شهد هذا المشهد لا يصير يرى إلا الله”.
أفكار المتصوفة التي لا يصدقها العقل:
قصيدة الحلاج التي أدت به الى التهلكة:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا..
نحن روحان حللنا جسدا..
وهذا يخيل إلى أن ذاته تضمحل وتذوب في ذاته وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله٠
ما في الجب الا الله..
قول ابن الفارضي: (إنما قتل الحلاج لأنه باح بسره؛ إذ شرط هذا التوحيد الكتم).

فالتطور التاريخي للفكر السياسي هو امتدادا للفكر الأسطوري؛ فالأسطورة كانت أول شكل من أشكال التفكير استطاع الأفراد التميز به عن الآخرين، حيث كان يتم عزل التنشئة وتلقينها فن الأسطورة والحكي، وحينما يتكونون يصبحون يتميزون بالحكمة أو مالكيها، وهؤلاء تناط بهم مهمة حماية حقوق وحريات الأفراد وتأمين عملهم داخل المجتمع، والذين يتميزون عن عامة الناس.
هذا، وقد اعتبر عالم الاجتماع دوركهايم أن الأسطورة والدين والمعتقد واللغة والعلم هي تمثلات في الضمير الجمعي، وبالتالي هي تمثلات جمعية واجتماعية.
ثلاثة سيناريوهات تتجاذب حَرَس القديم؛ وحَرَس المعبد وحَرَس التحديث:
1. إما قبول المجازفة!
2. أو نهج سياسة التحديث!
3. أو جعل القطيعة مع الماضي!

*باحث ومفكر مغربي

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...