في تَمْغَرْبِيتْ: (قالُّلوا بّاك طاحْ، قالُّلوا من الخيمة خرج مايْل) جدلية التعاقد في الوظيفة العمومية بالمغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور عبدالله شنفار

 

 

ما هي أسباب النزول في قرار سياسة التعاقد بالمغرب؟ هل هي سياسة؛ أم قرار فرض عليه من طرف مؤسسات مالية دولية مانحة؟
لماذا التسمية: وزارة الوظيفة العمومية بالمغرب؛ وليس وزارة الموارد البشرية كما هو في باقي دول العالم؟
هل لازال العمل بسياسة التقويم الهيكلي التي تعود لسنة 1995؟

نقول بوزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، لكن أين هو مجال الاهتمام بالموارد البشرية في الإدارة العمومية؟
وهل الإصلاح سيقتصر على الهياكل الإدارية من بنايات وتجهيزات فقط؛ أم يطال حتى الهياكل والأشخاص بداخلها؟
تتواجد الوظيفة العمومية في إطار نظام من الاختيار والتكوين المستمر للأفراد، لكن أية تربية أو تكوين نريد، ولأية تنشئة؟ هل هو تكوين مهني وتقني، أم يكفي تكوين وثقافة عامة ذات الاستقطاب المفتوح؟

فالتكوين المهني لوحده غير كاف. والتكوين العام أو الثقافة العامة غير كافية لوحدها أيضًا، فالأولى وحدها سوف تقود إلى عقليات تكنوقراطية، وجيل خدمي، في حين التكوين العام النظري سوف يؤدي بصاحبه إلى تقليص معارفه التقنية؛ وبالتالي فقدان القدرة على التدبير التقني والضبط والرقابة. لنستنتج أن عنصر الموارد البشرية الإدارية المطلوبة؛ هي التي تجمع بينهما معًا.

هل الإدارة المغربية في حاجة إلى كفاءات؟
هل البحث في مجال الفعل الإداري المغربي يبقى من باب العبث؟
هل هناك فعلًا وجود لمجتمع مدني يستطيع الوقوف في وجه بعض النزعات التسلطية للفعل الإداري بالمغرب؟
ما هي أبعاد أزمة مفهوم السيادة والتحول من دولة سيادة إلى دولة الخدمة العمومية المقدمة للمواطن؟
الإدارة المغربية وبطاقة التنقيط إلى أين؟ شعار الإدارة الرقمية كمدخل للشفافية والتحديث إلى أين؟ كيف ندرس الفعل الإداري وعقلية الإدارة المغربية؟ ما هي القيمة المضافة لهذه الدراسة؟
هذه بعض الأسئلة المنهجية التي تعتبر كمدخل لابد منه لتفكيك بعض الألغام المتواجدة بحقل البحث في مجال الإدارة والوظيفة العمومية بالمغرب.

تنبع فرضية هذه التساؤلات من كون الإدارة المغربية بصفة عامة، ومن خلال الفعل الإداري؛ تحيل إلى جدلية في سخف المؤسسات العمومية الناتج عن معادلة سخف في العقليات الإدارية. وأنا أدَّعي في اعتقادي أننا نحن لسنا في حاجة إلى كفاءات إدارية في المغرب؛ فالإدارة مليئة بهذه العقليات التي تجاوزت حد التضخم في الكفاءة في جميع الميادين والمجالات والتخصصات والقطاعات؛ بل؛ أصبحنا نحتاج في الفعل الإداري المغربي والعقليات الإدارية إلى:

* أشخاص كوسيلة أداء يجمعون بين الكفاءة والثقة والصدق والإخلاص في العمل؛
* في الحاجة إلى قيادة إدارية فاعلة متشبعة بفكر المقاولة وتستهدف الربح؛ ربح الجودة في العمل وخدمة الصالح العام؛ لا لشيء؛ فقط لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس؛ كما سبق وعبر عن ذلك جلالة الملك محمد السادس بالقول: (ولوضع حد لهذا المشكل، فإن العامل والقائد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس.) انتهى كلام جلالة الملك.
هناك بعض الموظفين الغير مسؤولين عن تأدية واجباتهم الوظيفية بالأسلوب الذي ينعكس إيجاباً عليهم وعلى خدمات المرفق، ولا يبذلون أي جهد في تطوير قدراتهم ومهاراتهم باستمرار حسب متطلبات العمل، وأهدافهم ومتطلباتهم الذاتيـة.

وقد سبق وأدان جلالة الملك هذا السلوك أيضًا في الفعل الإداري ووصفه بشكل دقيق حينما قال: (أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم، ولا تحركهم دائمًا روح المسؤولية. بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي. إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين.) انتهى كلام جلالة الملك.

الإدارة المغربية لا تُعنىٰ بوظيفة واحدة فقط؛ أي التوظيف لوحده لا غير؛ بل لها عدة وظائف تتجلى في كونها:

* موكول إليها بمهام متعددة الهادفة إلى تحسين الوضعية والترقية الاجتماعية.
* موكول إليها كذلك وظيفة الإدماج الاجتماعي والقضاء على التنضيد والتراتبية الاجتماعية المتنافرة، حيث المجتمع الإداري يجمع عدة عقليات من جهات ومناطق وتقاليد وعادات مختلفة من المغرب.
* موكول إليها كذلك التوظيف السياسي؛ حيث نسمع بأحزاب الإدارة، والتوازنات السياسية الحزبية من خلال ترضية الخواطر بتعيين مدراء يسيرون قطاعات تفوق نشاط وزارة بكاملها أحيانًا.
* موكول لها وظيفة الحركية الاقتصادية من خلال القطاع العام الذي يعد أكبر مقاولة للتشغيل وامتصاص البطالة في صفوف حاملي الشواهد والدبلومات.
* موكول إليها أيضًا سد مختلف الاختلالات المركبة الناتجة عن الفراغ بأي طريقة بعد ذهاب جحافل المغادرين طوعًا.
وبالتالي فإن القول بوزارة الوظيفة العمومية؛ وليس وزارة الموارد البشرية يجد تفسيره في إطار مختلف هذه الوظائف التي تقوم بها.

وهنا يمكن فهم فشل سياسة التعاقد في ظل جدلية الاعتماد المتبادلة في معادلة الجانب الاجتماعي ومتطلبات المردودية.
هذه السياسة التي تعود للعام 1995 المضمنة في تقرير البنك الدولي حول الإدارة العمومية بالمغرب التي نصحته بتبني سياسة التقويم الهيكلي؛ حينها كان اقتصاد المغرب على وشك السكتة القلبية.

مؤشرات تقييم السياسات العامة والعمومية والقطاعية من طرف مؤسسة البنك الدولي في تقريرها عن مؤشرات إدارة الحكم الرشيد عن كل عشر سنوات؛ تركز بالأساس على مدى قدرة الحكومات على بلورة وتنفيذ سياسات عامة وعمومية وقطاعية، ومدى مصداقية والتزام هذه الحكومات بتلك السياسات كمعيار للفعالية الحكومية، وذلك من خلال معايير مضبوطة اعتمدتها في عملية تقييمها للسياسات العامة القطاعية بمختلف الدول المعنية بمنحها المالية والتي حددتها في المعايير والمؤشرات التالية وهي: 

* أولًا: نوعية الخدمات العامة المقدمة من قبل الحكومات لتلبية الطلبات الاجتماعية ونوعية أجهزة الخدمة ودرجة استقلاليتها عن الضغوطات السياسية وغيرها من الضمانات الفعلية.

* ثانيًا: إبداء الرأي والمساءلة الديمقراطية وحرية التعبير والتنظيم وتكوين الجمعيات، وحرية وسائل الإعلام والاستقرار السياسي وغياب مسببات العنف السياسي الرئيسية وكذا مدى قدرة المواطن في بلد ما على المشاركة في انتخاب أعضاء حكومته بشكل حر ونزيه.

* ثالثًا: مؤشرات الإرهاب والاستقرار السياسي و انعدام العنف؛ أي مختلف التصورات المتعلقة باحتمال زعزعة استقرار الحكم من خلال وسائل غير دستورية أو عنيفة بما في ذلك الأعمال الإرهابية والانقلابات العسكرية.

* رابعًا: معيار الفعالية الحكومية؛ أي نوعية الخدمات العامة ووضع السياسات العامة ومدى مصداقية والتزام الحكومات بتلك السياسات ونوعية الإجراءات التنظيمية وقدرة الحكومة على تنفيذ قرارات وإجراءات تنظيمية سليمة تسمح بتشجيع القطاع الخاص وتنميته ومدى سيادة القانون ومدى ثقة الناس فيه.

* خامسًا: مؤشرات مكافحة الفساد ومدى محاربة استغلال السلطة العامة لتحقيق مآرب خاصة ومكاسب شخصية؛ بما في ذلك إعمال الشطط واستحواذ أصحاب المصالح الشخصية على ممتلكات الدولة.
فزرع الأمل في النفوس أهم من كل شيء؛ و(لا يمكن أن نطلب من شاب القيام بدوره وبواجبه؛ دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك.
علينا أن نقدم له أشياء ملموسة؛ في التعليم، والشغل، والصحة… وغير ذلك.

ولكن قبل كل شيء، يجب أن نفتح أمامه باب الثقة والأمل في المستقبل.”) مقتطف كلام جلالة الملك محمد السادس.
المؤسسة الملكية كضابط للنسق؛ تعمل على تأمين عمل عدة قوى تعمل داخل الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المغربي؛ والعمل على بلورة السياسات العامة والعمومية؛ التي في جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ تستهدف ثلاث قضايا وأبعاد رئيسية كبرى التي هي:

* قضية وجود؛ وتعني ضمان وجود الدولة والإنسان فوقها.
* قضية استمرار؛ أي ضمان استمرارية وغياب كل مسببات زعزعة الحكم والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
* قضية تنمية وبناء وسياسات حضرية؛ وتعني ضمان تطور وازدهار في جميع الميادين والمجالات.

نحن لسنا مجبرين على التخطيط للأجيال القادمة؛ خاصة في ظل سياسة إصلاح الإصلاح؛ وتغيير التغيير وبديل البدائل؛ التي حتى الأمس القريب تم التهليل والتطبيل لها على أنها من أجود البرامج.
ينطبق على حالنا قوله تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا.)

ويُوهم نفسه من يعتقد أن الأجيال القادمة سوف تستسلم بسهولة وتقتنع بأفكارنا ومبادئنا وقيمنا وبرامجنا ومخططاتنا..!
وبالتالي؛ كل عمليات الانتقاء والحجب والتمرير والتصرف في التاريخ بالزيادة والنقصان والبتر والحذف؛ لن يجدي معهم شيئًا.
فلماذا توقيف مسلسل ومسارات الصيرورة التاريخية عند حدود سياسة معينة أصبحت متجاوزة؟

*كاتب وباحث وراصد ومفكر مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...