حينما يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بأنه يَسْتَنسِخُ كل مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

في إحدى الأيام كنت أقود سيارتي بالطريق السيارة الرابطة بين مدينتي مراكش وأكادير؛ فأوقفني الدرك الملكي على مستوى محطة الأداء (أمسكرود)؛ فوجه لي اتهام بمخالفة تجاوز السرعة القانونية المحددة في 120 كلم في الساعة..!؟
أبديت استغرابًا واعتراضًا وراودني الشك في ذلك؛ لأنني كنت أضبط السرعة على جهاز التحكم الآلي في حدود 127 كلم في الساعة! فما كان من عنصر الدرك إلا أن واجهني بصورة لسيارتي وعلامة ترقيمها ونوعها مصحوبة بصورة لي وأنا أقود السيارة في اليوم والساعة والدقيقة والثانية ونوع كاميرا مراقبة السرعة المحمولة على جهاز ثابت ثلاثي الأرجل والسرعة الملتقطة في 128 كلم في الساعة؛ وإمضاء إليكتروني لضابط المرور المكلف بالمراقبة بكل دقة متناهية.

لا يهم السبب في ذلك؛ حيث انسيابية السيارة نتيجة المنحدرات القوية المعروفة بالطريق السيارة المؤدية إلى مدينة أكادير؛ ومدى تأثيرها على الزيادة أو النقصان في السرعة حسب اتجاه الرياح القوية.
اقتنعت بالمخالفة وأديت الغرامة المحددة في ال 150 درهمًا وأمضيت معهما على المخالفة وتسلمت وصلاً عن ذلك؛ وصافحت الدركيين بعد دردشة قصيرة من الحديث معهم دعوا لي بطريق السلامة؛ والدعاء لهم: بتَمْغَرْبِيتْ: (الله يخرج السربيس على خير.)

تابعت طريقي؛ و(مونولوج) يعتمل بداخلي وأقول مع نفسي: تصور لو تعلق الأمر بجنحة من درجة معينة أو جناية -لا قدر الله- ويواجهك القاضي بمثل هكذا فعل جرمي موثق بالصور والمشاهد المستنسخة!؟ فحتى المحامي لن يجد لك مخرجًا سوى التماس التخفيف والرحمة والرأفة؛ نظرًا لعدم سوابقه أو نظرًا لوضعه وحالته الاجتماعية!؟
الذي يهم في استحضار هذه الحكاية؛ هو هذه الآية الكريمة من سورة الجاثية؛ التي يقول فيها عز وجل:
{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ؛ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.}
لما حضرتني هذه الآية؛ أصبت بنوع من الخشوع والخوف والرعب والدهشة والذهول؛ فقلت مع نفسي هذه مجرد كاميرا من صنع البشر؛ فما بالك بكاميرات الخالق سبحانه وتعالى!؟ وكيف أن الله عز وجل لديه نسخًا من كل أفعالنا الكبيرة والصغيرة؛ مسجلة ومخزنة على شكل نظام الخوادم المعلوماتية (Systèmes Serveurs) لا يعلم سرها إلا الله.

سافرت أستحضر كثيرًا من الآيات الكريمة في نفس السياق؛ فتذكرت قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ.}
هذا التحذير في الآية الكريمة؛ يتأكد مرة أخرى في قوله عز وجل: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا. ولا يكشف عنها ويفك شفراتها إلا هو سبحانه: ﴿یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَیَّانَ مُرۡسَىٰهَا قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّی لَا یُجَلِّیهَا لِوَقۡتِهَاۤ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ لَا تَأۡتِیكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةࣰ یَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِیٌّ عَنۡهَا قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ قُل لَّاۤ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِی نَفۡعࣰا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ وَمَا مَسَّنِیَ ٱلسُّوۤءُ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرࣱ وَبَشِیرࣱ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ.﴾

يعلم الشاذة والفادة من أفعالنا دون حذف أو بتر أو حجب؛ كما يفعل البعض من بني البشر بالتصرف في المعلومات والمعطيات والأحداث والوقائع؛ بالزيادة والنقصان لتمرير ما يريدون.
في قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.}
أفعالنا إذن كلها موثقة ومسجلة ومخزنة في اللوح المحفوظ حتى حين طرح السؤال المعلوم: ﴿قَـٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِینَ؟ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲ فاسْأل ٱلۡعَاۤدِّینَ. قَال إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ.﴾ حيث كان الله وحده بالسر عليمًا.
ويوم العرض حيث؛ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ.}؛ حتى الأمي يصبح يقرأ ويقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا.}
هذه تهم الدار الآخرة؛ حيث لن تجد محاميًا للدفاع عنك لتخفيف الموازين تقلت أو خفت سوى شفيع الأمة ورحمة الله التي وسعت كل شيء.

اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا ممن يُحشر من القوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؛ ضمن الذين على منابر من نور، والذين يمرُّون على الصراط كالبرق الخاطف، ومن الذين نورهم تشخص منه الأبصار.
اللهم اجعلنا يا رب ومضة نور وخير في مشهد الحياة والعمر القصير.

*كاتب ومفكر وباحث وراصد مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...