*الدكتور شنفار عبدالله
في جدلية الاعتماد المتبادل بين شرعية القوة وقوة المشروعية في معادلة تحقيق النجاح التكتيكي الذي يتبعه أحيانًا فشل استراتيجي دريع في عملية حفظ السلم والأمن الدوليين؛ في العلاقات الدولية من خلال قراءة في سيناريوهات التهديد بالحرب بين روسيا وأوكرانيا والحلف الأطلسي بدعم أمريكي.
ففي الأبعاد النفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للحرب بين روسيا وأوكرانيا مدعومة من الحلف الأوروبي وأمريكا؛ نجد:
مخلفات فيروس كورونا على اقتصاديات العالم؛ والكساد الذي عرفته الصناعات الحربية من الأسلحة والطائرات الحربية والذخيرة؛ ومتطلبات تحريك عجلة وسائل الإنتاج والصناعات؛ وكذا ارتفاع الاحتياطي العالمي من المحروقات الغير مستهلكة بسبب حظر التنقل بين بلدان العالم.
ومن الجوانب الخفية كذالك نجد القوة العسكرية البشرية والنفسية المكبوتة التي تتطلب تنفيسها؛
كلها عوامل وأسباب رئيسية وراء التلويح والتهديد بالحرب.
لتحليل هذا الموضوع؛ ننطلق من بعض الأسئلة المنهجية؛ من أجل إزالة بعض الألغام في حقل البحث والدراسة.
فالاندفاع التشاؤمي؛ أو الإفراط في التفاؤل العاطفي؛ دون تحكيم العلم والعقل والحكمة؛ يبعدنا كثيرًا عن فهم الواقع وحقيقة القضايا المجتمعية المطروحة.
* هل من سبيل إلى أبواب الغيث لنزع فتيل الحرب التي ستكون جد مدمرة في ظل تطور الأسلحة النارية والكيماوية والنووية الفتاكة بالبشر والطير والشجر والحجر؛ والتي (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ)!؟
* هل لازال في العالم عقلاء وحكماء يتدخلون بخيط أبيض رفيع ووساطة رفيعة المستوى؛ للإبقاء على شعرة معاوية وتجنب الإنسانية ويلات الحرب!؟
* أم أن الاستقواء والاستعلاء البشري؛ وتضخم (الأنا) بسبب العقدة الشيطانية؛ (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ.)؛ سيزيد من التصعيد وارتفاع منسوب الاستكبار العالمي؛ والزيادة في جرعة الاستصغار الدُّولي!؟
* من له مصلحة في اندلاع حرب مدمرة قد تعيد البشرية إلى عصورها البدائية!؟
في القرن ال 21 لازال هناك من ينظر إلى الحروب برؤية العهد الجاهلي على طراز حرب داحس والغبراء؛ ويعتقد أن الاستعداد للحرب يتم من خلال إعداد وتحضير الرماح والسيوف والنبال والفرسان ورباط الخيل..!! في حين أن الحروب الحالية هي جد مدمرة ولها بداية وليس لها نهاية.
فقد لاحظنا براميل سوريا التقليدية وما تخلفه من دمار؛ فبالأحرى الحروب بالقنابل النووية والعنقودية الذكية وغيرها من المقنبلات والصواريخ والراجمات..!
الحروب أصبحت أكثر دمارًا وتُدار وتتم عن بعد دون مواجهة مع العدو أو الخصم على الميدان. فمن وراء جهاز كمبيوتر على بعد آلاف الكيلومترات؛ يجلس مهندس معلوميات متخصص؛ يمضغ (شوينگوم) ويتحكم في آلة عجيبة وذكية تتميز بهامش صفر من الخطأ في الدقة والتصويب وتصوير الهدف أو إزالته وشل حركته بشكل مباشر وسريع وبدون خسائر وبأقل تكلفة.
معروف أن الحروب عبر التاريخ؛ كانت وسيلة للاغتناء وجمع الغنائم والأسلاب. وحتى في العصر الحديث؛ الحروب أيضًا هي وسيلة للاغتناء؛ من خلال بيع الأسلحة والعتاد من طرف شركات متعددة الجنسيات وعابرة للقارات.
ففي الأبعاد النفسية للحرب؛ نجد التَّوقُّعات الصحيحة والصّادمة للملائكة حول سلوك وتصرفات بني آدم حين خلقه؛ انطلاقًا من قوله تعالى: {أتجعل فيها مَن يُفسِد فيها ويسفك الدماء!؟} غير أن الله عز وجل قلل من أهمية هذا التهويل وموقفها من خلق آدم عليه السلام. حيث كان الرد منه سبحانه؛ أن علم آدم الأسماء؛ وكان في ذلك تحديًا للملأ الأعلى.
وفعلًا النفسُ البشريَّة الأمَّارة بالسُّوء؛ دشنها قابيل الذي سوَّلت له نفسه ارتكاب أول جريمة بشعة عرفها التاريخ؛ بقتل أخيه هابيل: [فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.] فعجز حتى عن: {كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ.} لولا غُرَاباً بَعَثَه اللَّهُ: (يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ.)
الصراع بين الخير والشر؛ هو صراع أبدي و أزلي ولن ينتهي أبدًا؛ حيث تحكمه العقدة الشيطانية: [أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ.] كرد فعل على الكرامة الوجودية للإنسان؛
وقد يأتي زمان يتغلب فيه أحدهما على الآخر. لكن؛ ومع ذلك سيبقى الصراع مستمرًا؛ ولو بشكل متقطع ومنفصل؛ حسب الصيرورة التاريخية؛ وحتى حين قيام الساعة.
كان ينتظر من هذا الخليفة أن يكون مصلحًا في الأرض بوعيه وعلمه وأفكاره؛ التي علمها الله إياه من خلال مُسْتَقِلاَّتٍ عقلية لكل إنسان؛ من أجل إعمار الأرض، وتفادي سفك الدماء.
قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}؛ ثم؛ {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ}.
على الرغم من هذه الكرامة الوجودية للإنسان؛ فقد تجبر وتكبر في الأرض وعاث فيها فسادًا وسفك الدماء فعلًا؛ وهذا ما توقعته الملائكة. وبذلك يكون قد شوه ذلك التكريم الإلهي الوجودي المطلق؛ حيث جاءت النتيجة العكسية للعلم.
حينما نستحضر مسارات الطغاة؛ والتاريخ المليء، والملطخ بالدماء؛ حيث إن الحياة هي صراع أزلي بين الخير والشر، وحيث كان لابد من وجود الطغاة والجبابرة والأشرار؛ كما وجد الأخيار والمصلحين فيها، هؤلاء وإن اختلفت أهدافهم وأسباب فسادهم، إلا أنهم لم يروا في البطش والدموية سوى الطريق الأمثل لتحقيق مآربهم.
نجد تاريخ البشرية مليء بالأمثال حول حكام صنعوا من الوهم والوعي الزائف غذاءً لهم؛ وخلفوا وراءهم الكوارث؛ وما دور الأتباع والمنافقين والمناصرين والمؤيدين بقليل؛ مرورًا بفرعون وهامان؛ {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ.} لذلك كان نبي الله لهم موسى عَدُوّا لهم.
إلى (نيرون) الطاغية الذي أحرق (روما) أعظم مدينة حضارة في التاريخ، وأشاع القتل والاغتصاب؛ لكن “نيرون مات، ولم تمت روما بعينيها تقاتل لازالت تقاتل.”
وصولًا إلى فتنة الرمز؛ (ادولف هتلر) الذي خاض حربًا راح ضحيتها ثلث الشعب وضحى بالرصيد الاحتياطي من الشباب الألماني. كان هتلر مسؤولا عن واحدة من جرائم الإبادة الجماعية الأكثر منهجية وفعالة في التاريخ.
و(جوزيف ستالين) الذي مارس العديد من عمليات التطهير العرقي، وكان مسؤولا عن مقتل ما يقرب من 20 مليون مواطن، سواء بسبب السجن أو الإعدام أو التهجير.
وأيضًا (بنيتو موسوليني)؛ المعروف أيضا باسم الدوتشي، كان واحدًا من الشخصيات الرئيسية في إنشاء الفاشية، وكان يعرف جيدًا بأنه مولعًا بالتكتيك الحربي الوحشي فضلًا عن الاستخدام الكثيف لغاز الخردل، وغيرها من الأسلحة الكيماوية.
وغالبًا ما تصل العدوى للرمز مع الجرعات الزائدة من التمجيد؛ فيخيل إليه من أمره أنه فوق التاريخ والوقائع؛ مع ارتفاع رصيد صفة الشعبوية والمبالغات وخلق الهالة والأبهة ويغيب زمام العقل والتعقل؛ وتصبح الظاهرة تبادلية يغذي بعضها بعضًا.
في استئصال الوعي المزيف؛ حيث الناس قد ملَّت من إزدواجية الخطاب والشعارات الجوفاء البعيدة عن الواقع؛ التي يكرسها المُفْسِدون في الأرض؛ فبين الخطاب السياسي المبني على معطيات الواقع والخطاب العاطفي المبني على الأوهام؛ نجد صاحب الخطاب السياسي المبني على معطيات الواقع؛ يكون له التزام؛ وعندما لا يستطيع تغيير الواقع؛ فإنه يعمل على إحداث تعديلات وإدخال تغييرات على شروط إنتاج واستمرار هذا الوضع أو الواقع؛ وذلك من خلال دراسة معمقة حول الممكن والغير الممكن؛ المنطقي والغير منطقي؛ المتاح والغير متاح من الجيوش واللوجستيك والمعدات وحتى التوقيت والمكان والمناخ الداخلي والخارجي والدولي والعالمي المتغير باستمرار… وغيرها.
أما صاحب الخطاب العاطفي؛ فمسكين له أنماط تفكير مبنية على التمني بأن معجزة ستحدث يومًا ما وتغير حياته ومجريات الصيرورة التاريخية. وحال لسانه لا يوقفه شيء؛ إلا سعة الإمكانات.
في المجتمعات الحديثة؛ هناك حرب أفكار مستدامة. وعندما نخاطب عقولًا وأفكارًا؛ فنحن نصنع بذلك الرأي العام؛ من خلال محاولة إحداث تغييرات وتأثيرات عميقة فيه.
وبالتالي لكي ننجح في إيصال فكرة معينة؛ لابد من معرفة شيفرات المتلقي أو من نخاطب. هذه الشِّيفرات تتغير باستمرار، ومن حال إلى حال؛ وفيها الثابت الذي لا يتحول ولا يتغير وفيها حالة الجمود.
الأمر اذن يتطلب ذكاء وقدرات لمعرفة قوانين التحول الاجتماعي؛ التي هي عبارة عن فضاءات ومساحات ملغومة ومزروعة بالعديد من الأفكار والقيم والألغام السابقة من مختلف القناعات والمصالح المتناقضة؛ الاجتماعية والثقافية والسياسية والمالية والاقتصادية والشخصية والعسكرية والإستراتيجية… وغيرها؛ ومنها الضارة ومنها النافعة؛ ومنها الإيجابية ومنها السلبية.
ومن هذه القوانين والمعايير والمؤشرات؛ والأبعاد المتواجدة في عقول البشر؛ هي إدراك مدى القابلية للأفكار المطروحة ومعرفة مدى عناصر المقاومة وردود فعل الحرس القديم واستيعاب كل تلك المتناقضات الاجتماعية منها.
فمعرفة شِيفرات هذه الذاكرة المشوشة والتي تعيش حالة شك وريب وارتباك أو حالة جمود وركود وأفكار ميتة؛ يتطلب القدرة على التواصل؛ من خلال عملية انتقاء المعلومات ودراستها بدقة؛ لمعرفة من ستقاوم ومن ستقتنع بسهولة ومن يسهل تغييرها؛ مع إخضاعها للتقويم والتتبع والتجاوز لخلق فضاء مفتوح قابل للتطور ومن ستمانع عناصر التغيير.
وبالتالي كل خلل في الخطاب والتواصل وفهم الواقع الدولي والمحيط العالمي؛ سوف يؤدي حتماً إلى نتيجة عكسية.
فتاريخ الأيديولوجيات؛ يصنع نوعًا من الوعي الزائف المفرغ من الحقيقة، وهو تاريخ مشبع بالحِكَم المزيفة والمخالفة للواقع. تاريخ؛ في أحسن الأحوال؛ يقود إلى المغالطات المنطقية؛ ومنها يرمي بأصحابه الذين يصبغون عليه تاريخ الميكانيكا؛ إلى التهلكة؛ ومع ذلك يحاولون عبثًا أن يبررونه بالحتميات.
أيضًا حاملي الفكر الرأسمالي أو الحد الأقصى القائم على المنافسة وطحن الآخر في إطار لعبة يحكمها سقف قواعد السوق، دون الأخذ بعين الاعتبار المشترك من الأخلاق والقيم.
وهنا يمكن القول بظهور الأعراض المرضية على مفهوم الديمقراطية على الطراز الغربي، كعلة تحملها بداخلها؛ وتندر باقتراب نهاية عالم وتوجهات أيديولوجية؛ حيث أصبح استدعاء الديكتاتورية من طرفها أحيانًا لقهر شعوب وأمم أخرى؛ من أجل تحقيق الرفاه لمجتمعاتها على حساب الأولى؛ أمر واقع ويحصل كل يوم بين الشعوب والأمم والدول.
وبالتالي ليس في صالح البشرية أن تندلع حربًا عالمية ثالثة.
اللهم قنا شر الحروب والفتن ما ظهر منها وما بطن..
____
*بصفته مفكر وكاتب ومحلل سياسي واقتصادي وراصد اجتماعي مغربي.





