فُم لگْصرْ سوسيولوجيا المكان ونوستالجيا والمتخيل

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

ماذا يوجد بمداخل لگْصورْ؟

لگْصرْ؛ أو القصور بالجنوب الشرقي للمملكة المغربية؛ هي عبارة عن أحياء وتجمعات سكنية تذب فيها الروح والحركة ومختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؛ وليست مجرد بيوت مخصصة للمبيت مساءً بعد العودة من العمل أو لقضاء العطل؛ كما هو الشأن لبعض الأحياء والإقامات السكنية المغلقة بالمدن الحديثة وضواحيها.

فُم لگْصرْ؛ مؤسسة لمناقشة قضايا اجْمَاعه ومخيال اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي. وهو المدخل لولوج القصر؛ وتكون أربعة مداخل؛ لكن في الغالب نجد مدخلان رئيسان؛ أحدهما عَن اليمين والثاني عن الشمال. ويحمل تسمية يعرف بها عند (اجْمَاعه)؛ مثل المدخل القبلي؛ يعني الموجه نحو القبلة عن اليمين. حيث توجد عدة أريكات للجلوس عبارة عن حجارة مربعة أو مستطيلة أو حائط مرتفع صغير من الأرض على علو ارتفاع من 50 إلى 60 سنتمتر يسمح بالجلوس المريح؛ ويوضع عليه حصيراً مصنوعًا من سعف النخيل أو السمار.

لكن ما هو تأثير السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ على النسق القيمي والعائلي وقواعد التحالف بالقصور والمجتمع التقليدي؟ كيف ساهمت السياسات العامة والعمومية والقطاعية والترابية والقرار الجهوي والإقليمي والمحلي في تحديث المجال الترابي؟ وكيف تم التعامل مع البنيات التقليدية على مستوى النسق القيمي والعائلي؟ ما هي القرارات التي أدت إلى انفتاح هذه البنيات المنغلقة على ذواتها؟ ذلك ما سنتولى تحليله من خلال تدليل المقصود ببعض المصطلحات ذات الصلة بالموضوع.

أولًا: كلمة عائلة تستخدم للدلالة على التجمع المنزلي، أي مجموع الأشخاص الذين يعيشون على نفقة رجل حام، حيث أن وظيفته هي القيام بأمور العائلة أو النفقة والتكفل والحماية.
وتستعمل كلمة دار للدلالة على منزل الجماعة المتقاربة التي تقطنه، أو ما يطلق عليه الأسرة الأبوية.

ثانيًا: نجد أيضًا كلمة أخرى؛ وتسود بالجنوب الشرقي، وهي كلمة “كانون” للدلالة على المكان الذي يطهى فيه الطعام وكذلك للدلالة على العائلة، ويتم استعمالها كلما تعلق الأمر ببعض الالتزامات أو الحقوق والواجبات للفرد تجاه الجماعة: ( توزيع مادة معينة، أو واجبات إمام المسجد، في التويزة، في السخرة، في تواله… وغيرها من الأعمال التضامنية في المجتمع التقليدي…).

ثالثا: كلمة “خيمة” التي تعني المنزل المصنوع من الوبر، ويسكنه الأب والأم والأطفال غير المتزوجين. كما أن كلمة “خيمة” تشير إلى الجماعة النسبية، وتشمل بالتالي جميع الأفراد المنتمين إلى مؤسس النسب أو الخيمة، سواء كان حيا أو ميتا، وقد تمتد حتى إلى خيام وبيوت الزبناء أو ما يسمى بـ ” تانسفرات ” أي الجار والخدم والأتباع وعنصر التآخي في الله.

فالخيمة بجنوب المغرب، وخصوصا المناطق الصحراوية والشبه الصحراوية، تعتبر بمثابة الخلية الاجتماعية الصغرى، وتعتبر أيضا الإطار الاجتماعي الأول للحياة اليومية للمترحل. بحيث لا تعتبر مجرد وحدة اقتصادية واجتماعية متميزة فقط، بل تعتبر كذلك وحدة قانونية معترفا بها على المستوى الإيديولوجي مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية الأخرى، أي حقوق وواجبات كل عضو تجاه الآخرين حسب السن والجنس والنوع داخل المجتمع.

إن دراسة نظام القرابة والعائلة والقبيلة، يخضع لعناصر عديدة في تحديد أبعاده ومحدداته، بحيث لكي نقوم بعزل الدائم والمستمر والمتغير والمتحول في الأحداث والتقاليد والعادات الكثيرة والمتعددة، لابد أن نتوفر على معرفة شاملة حول الأشكال التي كانت ولازالت تأخذها هذه العائلات والقبائل في نظامها القرابي وعلاقاتها الإثنولوجية، خاصة قواعد ومظاهر القرابة والزواج والعائلة، وتعدد الزوجات، والإرث، وأراضي الجموع والتحالف والتضامن العضوي، إلى غير ذلك من البنيات التقليدية السائدة لرصد مدى تأثير القرارات والسياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ الجهوية والإقليمية والمحلية على هذه البنيات التقليدية المنغلقة.
ربط المسؤولية بالمحاسبة في أنماط التدبير الجماعي للشؤون المحلية بالمجتمع المغربي التقليدي.
ينص أول فصل من الدستور المغربي للعام 2011؛ على أن “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية.
يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.” انتهى منطوق الفصل الدستوري.

المجتمع المغربي التقليدي، تميز بأنماط تدبير جماعي تنم عن وجود فكر التدبير للشؤون المحلية بشكل مستقل عن تدخل الدولة. كما تميز بربط المسؤولية بالمحاسبة في أنماط التدبير الجماعي للشؤون المحلية بالمجتمع المغربي التقليدي؛ بشكل أكثر صرامة منه في الوقت الحالي؛ خاصة في بلاد ما سمي ب: (السيبة)؛ التي إذا تجاوزنا المعنى القدحي للكلمة؛ فإنه شكل من أشكال التدبير المحلي لشؤون الأهالي؛ من خلال بنية مسيطرة ومجتمع تراتبي؛ حيث نجد سيادة مفاهيم تمثل التضامن في شقيه: تضامن الضرورة وتضامن الندرة وتضامن الوفرة المحلية والآليات التي يتم من خلالها التواصل واجتماع (اجْماعة) من أجل تدبير شؤون القبيلة والدوار والقصر أو المدشر، كتجمعات شكلت النواة الأساسية الأولى لانطلاق وبروز الوحدات الإدارية الترابية.

هذه المفاهيم كمعطى أصلي يشكل محورًا ومرجعية أساسية لفهم المغرب العميق والحقيقي، وليس المغرب المزيف؛ مغرب المدن الحديثة المدارة بأحزمة دور الصفيح، وسيادة ثقافة واقتصاد الدراويش، والباعة الجائلين بالشوارع والأزقة. والتي لها حمولة ورصيد تاريخي في إعمال المقاربات التشاركية والفكر التعاوني والتضامني في تدبير الشؤون اليومية المحلية. حيث تتولى النخبة التي تدير الشأن المحلي وتتخذ القرارات التي تهم شؤون اجْماعة، وتتشكل من زعيم أو (شيخ) القبيلة، الذي يتم اختياره من لدن شيوخ القبائل.

نجد كلمة (تَوَلَه) و(تادُّولَه) أو (الدولة) والتداول والتناوب؛ هي مفاهيم لها امتداد تاريخي وأبعاد وسياقات حضور مكثف في المخيال الاجتماعي للقبائل، خاصة بالجنوب الشرقي من المغرب، وهذه المفاهيم تحيل إلى التوالي أو التناوب في إدارة وتدبير شؤون القبيلة أو التجمعات السكانية، خاصة: في مجال الرعي، وفي الإشراف على توزيع مياه السقي، وفي إطعام فقهاء وأئمة المساجد… إلى غير ذلك، بشكل؛ دوري من خلال تناوب أفراد هذه العائلة أو الفخذة أو تلك في التدبير والإشراف على مصالحهم. و”تادولة أو توله” واجب لا يمكن التحلل منه، وعليك أن تقوم به على أحسن وجه، تحت مساءلة ومراقبة أعيان القبيلة وباقي أفرادها، الذين ينزلون العقاب في حق المخالف الذي لم يدبر ما أنيط به على أحسن وجه، أو بدره، كأن يترك القطيع يأكلها الذئب أو يترك المخزن: “دار القبيلة” يتعرض للضياع والتلف… إلى غير ذلك، وقد يذهب أبعد من ذلك إلى تحميله المسؤولية التاريخية، كمقاطعة أفراد الفخذة، أو إقصائها من تولي مهام أخرى في القبيلة، كشغل منصب مقدم أو جراي أو شيخ أو أن يكون أحد كبار القبيلة المنتخب أو ممثلها في علاقتها بالقبائل الأخرى.
هذا، وبالاضافة الى ذلك؛ نجد هنالك مفاهيم أخرى تدل على تحضر وثقافة المجتمعات في التضامن والتنظيم والقيم والعدالة في تدبير شؤونهم اليومية.

هذا؛ ونجد أيضًا مجالس حكم عرفية تطبق العرف، أو ما يسمى ب: (ازرف) بالأمازيغية، يترأسها الشيخ الأدنى وعشرة مساعدين، ويطلق عليهم آيت عشرة، وهناك مجالس الحكم العليا ويرأسها الشيخ الأعلى، ويساعده سبعة أشخاص يختارون من اجْماعة وتبت في القضايا المعقدة. كما نجد أيضًا مجالس حكم خاصة. مع أنني لم أستطع الحصول على أية كتابات أو وثائق تؤرخ لهذه الأحكام، بقدر ما هي حكي شفوي. ومن خلال الاشراف ومشاهدة جلسات حكم منظمة من قبل مجلس لأفراد القبيلة، يعقد في حضورنا بشكل تلقائي، وبشكل عشوائي، دون تحديد مسبق لأعضاء المجلس للبث في النزاع. وبالفعل يصدر الحكم في حق المعني بالقضية، إمَّا بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، أو تغريمه، أو امتثاله لقوانين الجمعية أو القبيلة. فهم ليسوا في حاجة إلى تدوين أو توثيق هذه الأحكام والقضايا؛ لأن التنفيذ يكون على الفور وفي الحال وإجباريًا أيضًا، و إلا تعرض الفرد للقطيعة والعيش في انعزالية وتهميش مطلق من قبل المجتمع الذي يعيش فيه، وهذه أخطر عقوبة لا يمكن أن يسمح بها أي فرد اجتماعي بطبعه.

العديد من القضايا يتم البث فيها محليًا دون وصولها إلى ردهات المحاكم، وما يتطلب ذلك من مساطر طويلة الأمد، الشيء الذي لا يقبل به الناس خاصة، إذا تعلق الأمر بالترامي على الأرض أو الشرف (الأولاد) أو المال، التي تعتبر قضايا عِرْض، يحدد فيها الأفراد حياتهم.
هذه المجالس هي عبارة عن (محاكم) تصدر أحكامًا تسمى ب (النصاف) أو الإنصاف، من خلال الحكم بالغرامة على من تبث تورطه في قضايا معينة، إمَّا تجاه فرد بعينه، أو تجاه الجماعة.

وطريقة البث في القضايا تتم من خلال عرض النزاع على أحد الأشخاص الذين يتميزون بالورع والذكاء والدهاء والأخلاق والمروءة، ولا يعرفون طرفي النزاع؛ حيث ينقل إليهم موضوع النزاع، دون ذكر إسم الأطراف، فقط موضوع النزاع، وبناء على جرد تلك المعطيات يتم إعطاء و إبداء الرأي حول المشكل أو النزاع المطروح الذي قد يتم استئنافه من قبل من يهمه الأمر؛ حيث يعرض مرة ثانية وبنفس الكيفية على جهة أخرى محايدة لتبدي رأيها فيه؛ وهذه المرة يصبح ملزمًا للأطراف وبدلك قد- حاز قوة الشيء المقضي به-.

هنا نستحضر حينما نادت المعارضة العام 1965 باعتبار (الدوار) و(الدشر) جماعة ترابية وسلطة تنظيمية وشخصية اعتبارية؛ وكذلك على هامش اعتبار الدوار أو المدشر في ظل النموذج التنموي الحالي؛ بمثابة الخلية الاجتماعية الصغرى؛ كمنطلق للسياسة التنموية المجالية. وأيضًا الإطار الاجتماعي الأول الملائم للحياة اليومية لإنسان القرى والبوادي؛ بحيث لم يعد مجرد مكان اجتماعي واقتصادي وثقافي متميزة لتجمعات سكانية، بل أصبح كذلك مؤسسة قانونية معترفًا بها على المستوى الأيديولوجي للدولة؛ مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية، في إطار السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ أي التمتع بحقوق وواجبات كل عضو وأسرة؛ تجاه الآخرين حسب السن والجنس؛ والمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في تدبير اليومي.

فم لگصر شكل عبر العصور قبة برلمان للتداول ومناقشة قضايا ومشاكل (اجْمَاعه) بشكل بسيط ودون تعقيدات ولربما كان اكثر نجاعة من المؤسسات الحديثة؛ حيث أجواء جلسات البرلمان؛ التي منذ عهد الاستقلال إلى يومهم هذا؛ لم يستطع ممثلو الأمة احتواء الصراع والمناقشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حول السياسات العامة والعمومية والقطاعية للبلد؛ داخل القبة؛ وهي وظيفة تشكل عقدة مختلف المجالس؛ لم تقدر النخبة على التخلص منها!

*مفكر استراتيجي وراصد اجتماعي وسياسي واقتصادي مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...