قضايا العالم العربي الإسلامي اللحظية في معادلة النجاح التكتيكي الذي يليه الفشل الاستراتيجى الذريع
*الدكتور عبدالله شنفار
تتميز قضايا ومشاكل العالم العربي الإسلامي؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الثقافية منها؛ بكونها دائمًا قضايا ومشاكل لحظية. وكلها ردود فعل مؤقتة واندفاع عاطفي بدون أجندة واضحة المعالم. ولا تتمتع بدرجة عالية من العقلانية؛ وبالتالي تغيب فيها الفعالية. وبالتالي فاستئصال الوعي المزيَّف من جذوره؛ هو إحدى المقدمات الصحيحة لبناء المجتمعات الحديثة ذات الفاعلية.
هذا؛ ويعرف أي عاقل كيف تبدأ، وكيف تستثار، وكيف تتفاعل، وكيف تنتهي!
أحداث لحظية، يليها انفجار من العواطف، وحملات تسويقية، وخلق هالة إعلامية حولها؛ مع تبادل الكثير من السب والشتم والاتهامات المتبادلة؛ والتنديد والاستنكار والشجب؛ والاستهجان، وحتى التهديد وقطع العلاقات وأوامر التواصل؛ وعدم الابقاء حتى على شعرة معاوية.
لكن؛ وماذا بعد؟ ثم لا شيء يلي ذلك من بعد.
وهكذا دواليك في انتظار حدث آخر جديد. في غياب أجندة واضحة المعالم، محددة الجهاز المعرفي والمفاهيم وغياب تحديد الإطار العام للقضايا والمشاكل المطروحة.
لكن كيف يتم خلق الهالة الحضارية حول أهم قضايانا المجتمعية؟
يتطلب النجاح الاستراتيجي؛ التفكير في إطار النظم والأنسانق المنسجمة والمتكاملة؛ ويقوم على نظام مدخلات، وعمليات لصنع القرار؛ ومخرجات؛ ثم نظام ضبط وتحكم؛ تتولد عنه ردود فعل تتراوح بين المؤيدين والمعارضين له؛ والغير المبالين به. ثم تغذية راجعة. (feed-back)؛ من أجل إخضاع القرارات للمراقبة والتتبع والتقييم والمراجعة والتصحيح؛ مجرد حملات مؤقتة؛ لأن الناس تنسى الأحداث والوقائع بسرعة..!
.فالحملات الأمنية التطهيرية؛
. والحملات التحسيسية؛ حول (حوادث السير؛ والنظافة؛ ووضع حواجز لحماية الآبار وصهاريج أحواض المياه…)
. وحملات تحرير الملك العمومي؛
.وحملات محاربة البناء العشوائي؛
.وحملات ترشيد استعمال الماء؛
تذكرنا (بالحَرْكاتْ) التأديبية الظرفية التي كان يقوم بها (المخزن) على عهد السيبة ضد بعض العناصر المتمردة التي ترفض دفع الجِزْية!
في حين لمَّا يتجدر الوعي بعد في المجتمع ويعرف الأفراد والجماعات؛ ما لهم وما عليهم من واجبات وحقوق. حيث ما تلبث أن تعود حليمة لعاداتها السابقة.
ربط ذلك بالمسؤولية التقصيرية عن فعل الأشياء الجامدة؛ حيث مسؤولية حارس الشيء قوامها الخطأ المفترض؛ بسبب عدم بذل العناية الخاصة التي تتطلبها حراسة الشيء.
أما حالنا على مستوى العلاقات مع الدول والخارج بصفة عامة؛ فيقال في تمغربيت: “اضرب لحديد من حدُّو سْخُونْ”. واستدعاء هذا المثل؛ جاء على هامش إعفاء رئيس الوزراء (بيدرو سانشيز) لوزيرة الخارجية، (أرانشا غونزاليس لايا) من مهامها؛ بسبب تداعيات اتهامها من قبل المغرب بالتواطؤ المكشوف في الصراع الآني المفروض على المغرب من قبل دول الجوار؛ من خلال النقطة التي أفاضت الكأس فيما أصبح يطلق عليه؛ (فضيحة بن بطوش) أو (بن بطوش غيت) من خلال عقد أو صفقة سرية بين جنرالات نظام الجزائر وحكومة إسبانيا التي بموجبها دخل المسمى إبراهيم غالي للتشافي والتداوي بأراضي إسبانيا.
ارتفاع منسوب رصيد الغضب الممزوج بالتفاؤل العاطفي؛ إذا لم يتفوق عليه رصيد العقل والحكمة والتبصر؛ قد يقود اتجاه القطار نحو الانحراف عن السكة والهاوية.
تصاعد التكالب ضد بلدنا بشكل شرس، وشهدت أحداثًا وتداعيات وصراعات لبلدنا مع الجارة وأخواتها؛ فيها هبوط وصعود ثم نزول وصعود حول تكرار السيناريو؛ فَلنرْجِعِ الْبَصَرَ لنرَىٰ هل هناك مِن فُطُورٍ أو خلل أو نقص معين؛ ثُمَّ نرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَين؛ حتى لا يَنقَلِبْ إِلَيْنا الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ؛ نتيجة تَفَاوُتٍ أو خلل معين في جدلية العلاقات في معادلة القوة الصلبة والقوة الناعمة؛ والحفاظ على شعرة معاوية من أن تنقطع؛ لمعرفة ماذا نتعلم من دروس في الحد الأدنى من الصراع؟ وما هو الجانب الذي اتجهت إليه الأنظار؛ هل هو مشروع البناء والتأسيس لعلاقات قوية؛ ومتطلبات الديبلوماسية الحاسمة؛ أم اتجهت إلى مجرد جانب العواطف والتشاحن وتفريغها؟
وأيضًا السؤال كيف نراكم وعياً وتصورات تتجه نحو البناء، وعملًا وفعلًا يتسمان بالديمومة؟ وما هي العوامل التي ستؤدي إلى توطيد وعي الغضب وإعاقة نمو وارتقاء العقل والتفكير الاستراتيجي؟ وما هي العوامل التي ستقود إلى توطين مختلف صور قصور الوعي في ضمان الاستمرارية؟
هذه بعض الاسئلة الجوهرية؛ لتفادي بعض النجاحات التكتيكية التي يتبعها الفشل الاستراتيجي الذريع؛ في غياب رؤية واضحة وأجندة وخارطة نوايا دقيقة مرسومة ومخطط لها مسبقًا.
فمن المعروف في العلاقات الدولية؛ أن النجاح التكتيكي؛ يقابله أحيانًا فشلًا إستراتيجيًا ذريعاً. ومن الأمور المربكة في العقل العربي المسلم؛ حينما نجد ما يسمى بعقدة: النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي! فما هو المقصود بمفهومي الفشل الاستراتيجي والنجاح التكتيكي؟
نجد أحيانًا؛ الكثير من النجاحات التكتيكية الضخمة؛ غالبًا ما تكون مقدمة لكارثة وفشل استراتيجي كبير ومهول؛ ونضرب مثالًا لذلك، القضية الفلسطينية في صراعها مع إسرائيل نموذجًا! من خلال ما تحاط به العمليات من صور التهويل والتطبيل، والآلة الإعلامية؛ وصنع الرأي العام… وغيرها؛ والتي لا يليها أي حوار أو الجلوس إلى طاولة مفاوضات؛ فتبقى مجرد حبرًا دون ورق.
وبالتالي فإن تحقيق النجاحات التكتيكية؛ الديبلوماسية أو المناورات الاقتصادية والسياسية؛ وحتى العسكرية والمخابراتية؛ تبقى رهينة بالعمل على الجلوس إلى طاولة المفروضات بعد ذلك لأخذ العائد خبرة وعبرة بعد أشكال الابتلاءات المختلفة.
_______
* كاتب وراصد اجتماعي وسياسي واقتصادي مغربي





