* الدكتور عبدالله شنفار
خلق الهالة حول بعض الأشخاص؛ من خلال التطبيل والتهويل الاعلامي وتسخير عُراب للتلميع من أجل تقديمه للرأي العام بصورة مثالية تُفضي إلى نتيجة كارثية وهي: تكريس استمرار الأغبياء في تدبير شؤون البلاد والعباد إلى ما لا نهاية؛ من خلال رسم صورة مزيفة عن واقع وحقيقة هؤلاء الأشخاص؛ والتي تفقدنا المعرفة الحقيقية لدرجات التقييم الموضوعي للمردودية والكفاءة والأداء الحقيقي.
تقييم المردودية والكفاءة والأداء الذي يعتمد معيار ومؤشرات آلية ال 360 درجة. فما هو المقصود بهذا النوع من التقييم في المردودية والكفاءة والأداء؟
جرى العرف، في مختلف المؤسسات والإدارات، أن يتم تيقييم العمل والكفاءة والقدرة على الأداء والمردودية؛ من طرف الرئيس المباشر لوحده؛ ولكن نظرا إلى أن الرئيس
إنسان قد يتأثر مثل غيره بالجوانب الذاتية والنفسية؛ كالتحيز والمحسوبية وغيرها من الأمراض الاجتماعية السائدة في مختلف التنظيمات؛ فقد قدم علماء الإدارة آلية تسمى بالتقييم القائم على ال 360 درجة لتقييم الكفاءة والمردودية لدى شخص ما.
هذا؛ وتتلخص فكرة تقويم ال 360؛ درجة بأن يتم تقييم الأشخاص سنويًا وفق عدة أبعاد وعدة مؤشرات ومعايير؛ بدلًا من التقييم الأحادي للمسؤول المباشر عليه أو السلطة الرئاسية التسلسلية فقط.
وهذه الأطراف والعناصر يمكن أن تشمل:
• زملاء العمل،
• المتعاملون مع الإدارة،
• المرؤوسين،
• المواطن العادي،
• وكل شخص ترى الإدارة المركزية أنه يفيد في التقييم،
• بالإضافة إلى تقييم الرئيس المباشر.
وهكذا نظمن نسبيًا تفادي ظلم الأشخاص جراء تقييم جائر يقوم على نرجسية الرئيس المباشر الذي يصعب أحيانًا التمييز بين موضوع التقييم وذاته وقوله وفعله.
نجد في قياس بعض مؤشرات مدى الشعور والإحساس بالكرامة الوجودية للإنسان في مجتمع ما:
1. أمَّا المؤشر والقياس الأول؛ فيكمن في؛ حينما تبعث بطلب ما؛ أو شكاية ما؛ أو ملف يحمل وثائق ما؛ إلى جهة ما؛ في تاريخ ما؛ وتكون مطمئنًا أنه سيتم التفاعل معه؛ وإعطائه كل ما يستحق من بذل جهد وعناية؛ وأن لا يكون مآلها الضياع وسِلَّة المُهملات.
2. وحينما لا تكون مجبرًا على ضرورة الاحتفاظ بنسخ من إشهاد أداء فاتورات: الماء، والكهرباء، والهاتف..! حيث لا تخاف من أن تسأل عن الإدلاء بها يومًا ما؛ لجهة ما؛ من أجل إبراء ذمتك..!
3. وحينما لا تكون مجبرًا على ضرورة الاحتفاظ بنسخ من إشهادات بفسخ عقدة مع مؤسسة ما: البنك ومصلحة الماء والكهرباء والهاتف… وغيرها. حيث لا خوف عليك من أن تسأل عن ضرورة الإدلاء بها يومًا ما؛ لجهة ما؛ لإثبات إنهاء العلاقة بينك وبينها دون تبعات تذكر.!
4. أن تستفيد من حقوقك بشكل سريع ومباشر أيضًا، عن طريق المساواة، ودون تماطل أو ابتزاز أو إستفزاز؛ وأن تتوصل بحقوقك كاملة المضمونة بنظام وانتظام؛ وفي وقت معقول، دون انتقاص، ودون أن تكلف نسفك عناء السؤال أو التماس البحث عنها.
5. أن لا يمنعك مجرد حارس أمن خاص أو عام؛ أو موظف صغير في أدنى السلم الإداري؛ لا يمتلك حتى سلطة القرار؛ من الوصول إلى خدمات المرفق في كل زمان ومكان؛ من خلال خلق استشكال ما؛ ويحول الطلب إلى حد جهة قانونية ما، أو قضائية ما، أو رقابية ما؛ لا لشيء إِلَّا لحَاجَةٍ فِي نَفْسِ الموظف المعني قَضَاهَا؛ أو لمزاجية مقيتة؛ أو لسبب مجهول؛ في نفسه لا يعرفه إلا هو.
هناك بعض العقليات من حرسْ القديم في الإدارة؛ (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)؛ وليس لها من ثقافة العصر الحديث إلا الخير والإحسان؛ وحتى الهاتف بين يديها؛ لا تعرف استخداماته المتنوعة والمتعددة؛ سوى الزر لونه أخضر لتلقي المكالمة، أو الزر الأحمر لإنهاء المكالمة!
تتشبع بنوع من الثقافة في حالة جمود وركود؛ لا سلامة ولا نفع ولا فائدة فيها؛ وتعود لعهد فتوحات الأندلس! ومع ذلك متشبثة بالتمديد؛ وإعادة والتمديد؛ وحتى عند حفل توديعها والإحالة الجبرية والقسرية؛ على المعاش أو التقاعد؛ حيث تكثر عبارات النفاق الإداري؛ من طراز: “ذهاب فُلان؛ أو عِلاَّن؛ خسارة فادحة للإدارة؛ وأن المؤسسة ستنهار بذهابه..!”
يا سلام!!
مع أنه في القيم الأنطولوجية للإسلام؛ نجد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَما الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ!؟
قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ. وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَاد وَالْبِلَاد وَالشَّجَر وَالدَّوَابْ.”
فهل قدرنا أن نبقى تحت رحمة هذه العقليات؛ في حين جيل كفؤ ومتشبع بثقافة العصر؛ يهمش، ويتم إبعاده وإقصاؤه من المشهد لفكره وثقافته وتكوينه!؟
في تعليق للدكتور محمد خمسي؛ قال فيه: (المداحون يطيلون أعمار سادتهم من غير حق؛ إلا للعيش على فتات.)
_____
*المفكر والراصد الاجتماعي والمحلل السياسي والاقتصادي المغربي





