دور إمارة المؤمنين في امتصاص الصدامات والغضب لإنقاذ ما تبقى من شتات الأسرة المغربية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ

 

 

 

المجتمعات والأمم والشعوب؛ تبحث دائمًا، وتتطلع إلى غد أفضل. وقد تمر من فترات حرجة، ومشاكل، وتدخل في تحديات مختلفة في مسلسل ومسارات قضاياها، وهذا شيء طبيعي؛ حيث تجعل منه رصيدًا ومرجعًا للتقييم والتصحيح واستنباط العبر.

هل لايزال هناك جبهة عُقلاء وحُنفاء الحضارة الذين يجيبون على إشكالات الإنسانية؛ بعيدًا عن مشروع طائفة ما، أو قبيلة حزبية أو إدارية!؟

إمارة المؤمنين في المغرب؛ المتجسدة في المؤسسة الملكية؛ كضامن للأمن الروحي والديني؛ وضابط للنسق السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي؛ للمغاربة؛ وصمام أمان لاستمرارية وجود الدولة؛ وآلية تحكيم ما بين أُولُو بَقِيَّةٍ وأُولِي الْأَمْرِ، وأهل الحل والعقد.
في ظل تنامي ظاهرة الغضب؛ وعالم التفاهة؛ وانعدام المعنى، وإفساد الذوق العام؛ هل لا يزال هناك “أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ” لإنقاذ ما تبقى من القيم وجمع شتات الأسرة المغربية!؟
فما بين قرار البناء وقرار الهدم القِيَّمي؛ توجد مسافة كبيرة؛ وهي ظاهرة قد تبدو طبيعية نتيجة لجدل الأفكار واختلاف الآراء. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً؛ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ؛ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ.)

فضبط النسق في جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ في العالم؛ يستهدف ثلاث قضايا ذات أبعاد رئيسية كبرى؛ وهي:

1. قضية وجود؛ وتعني ضمان وجود الدولة والإنسان.
2. قضية استمرار؛ أي ضمان استمرارية الدولة وغياب كل مسببات زعزعة الحكم والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
3. قضية تنمية وبناء وحضارة؛ وتعني ضمان تطور وازدهار المجتمع في جميع الميادين والمجالات.
فحينما نتحدث عن الدَّوْرُ الذي على النخبة أن تلعبه؛ معناه رسم الحدود في الاختصاصات والصلاحيات المخولة لكل جهة؛ والدَّوْرُ؛ هو مصطلح أدبي له بعدًا كبيرًا؛ ونتداوله كل يوم دون معرفة البعد العميق للكلمة التي قد تحيل إلى عدة مغالطات منطقية. فمصطلح دَوْر هو: اسم؛ والجمع: أَدوار والدَّوْرُ؛ قد يحيل إلى الطَّبَقَةُ من الشيءِ المُدار بعضُه فوق بعضِه. ومصدر الدَّوْرُ هو: مهمَّة ووظيفة كأن يقوم بدور ما أو لعب دور معين؛ كأن يشارك بنصيب كبير فيه. وقد يحيل معنى الدَّوْرُ إلى ترتيب الشَّخص وموقعه وتموقعه ومكانته وصلاحياته واختصاصاته بالنسبة للآخرين في المهام المنوطة به.
والدَّوْرُ عند المناطِقة يعني؛ توقف كل من الشيئين لما عداه على الآخر سواه.

لكن هل يمكن الحديث عن نسق سياسي؛ أم فضاء سياسي بالمغرب؟

النسق يحيل إلى البنية “والبنية” هي كل مكون من ظواهر؛ اجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية وثقافية؛ متماسكة يتوقف كل منها على ما عداه؛ ولا يمكنه أن يكون ما هو؛ إلا بفضل علاقته بما سواه”. على حد تعبير الفيلسوف (أندريه لالاند) في معجمه.
فالنسق يفترض نوعًا من الانسجام والتكامل على جميع المستويات؛ حيث الانسجام السياسي، والاقتصادي والاجتماعي. فهو بنية كبرى يتضمن انساقًا أو بنيات صغرى، وهذه الأنساق الصغرى يمكن أن تخرج من جوف النقيض، بحيث يمكن أن تكون غير منسجمة وغير متكاملة، حيث التنافر على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. كالتركيبة الاجتماعية، أو غياب الانسجام على المستوى الاقتصادي؛ كتوظيف وسائل تقليدية إلى جانب أخرى حديثة، أو المشهد السياسي الذي يحيل إلى التجاذب والتناقض بين أطراف اللعبة. وهنا تكمن دينامية المجتمع المغربي واستمراريته في خلق فضاء مفتوح وقابل للتطور.

صحيح أن هناك تنافرًا وتجاذبًا وتناقضًا بين القوى الفاعلة، إلا أن هناك ضابطًا وناظمًا للنسق: وهو المؤسسة الملكية، التي تعمل على تأمين عمل عدة قوى تعمل داخل المجتمع، وترعاها من خلال العديد من الآليات كالتحكيم وتقريب وجهات النظر وخلق نوع من التسويات والتراضي فيما بينها؛ عبر التفكير الاستراتيجي؛ الذي يعني استشعار مخاطر المستقبل من خلال التوقع لتحديد مكان التموقع؛ وهو الذي تتولاه المؤسسة الملكية.

أمَّا التخطيط الاستراتيجي؛ فهو يحيل إلى عملية تقنية تتضمن خطط وبرامج عمل تتم بلورتها وقابلة للتنفيذ في الحاضر والمستقبل؛ وهو الذي تتولاه الحكومة.

في التمفصلات المنطقية التاريخية لحياة المجتمعات والشعوب والأمم؛ والتحولات التاريخية الكبرى؛ تولد لحظات كتلة حرجة وفرص ذهبية فاصلة في مصير تلك المجتمعات والشعوب والأمم. وعندها فقط؛ إما تكون نُخبها جاهزة، فتنجح؛ وإما تكون نُخبها غير جاهزة وفاشلة فتخسر، وعليها أن تحاول مرة أخرى من جديد وصناعة نخبة لفرصة ذهبية أخرى قادمة وإن طال أمدها؛ وقد لا تتكرر.

فحينما تعجز المجتمعات والشعوب عن إنتاج النخبة؛ فإنها تحاول العمل على التأثير في شروط ومصادر إنتاج نخبة جديدة لتحل محل النخبة الموجودة. حينها تكون أمام ثلاثة سيناريوهات في مواجهاتها وتجاذباتها مع الواقع والتحديات:
1-) إما قبول المجازفة وركوب التحدي!
2-) أو نهج سياسة التحديث عبر التراكم والاحتشاد!
3-) أو جعل القطيعة مع الماضي وعهود الانحطاط والأفكار خارج العصر!

فالنخبة ليست مشروع تنظيم إطفائي، أو ترقيعي عشوائي وارتجالي؛ بل هي طرق عمل وأنماط تفكير؛ تقوم به جميع القوى الحية في المجتمع، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. وهو ثمرة مجهود تيار وعي مجتمعي يستطيع التصدي للنزعات التسلطية في الدولة؛ وليس تنظيمًا موازيًا للدولة أو يفوقها في شيء.

فالمسافة بين الهدم والبناء؛ هي حينما يكون واقع أي مجتمع مجرد:

عالم أفكار لا تنتمي للعصر الحديث؛ بل تتكئ على مراجع عصور الانحطاط خارج العصر التي لا سلامة فيها شرعًا ولا فكرًا ولا منطقًا.
وعالم علاقات مدمر بالعصبيات القبلية والعائلية والعشائرية والمحلية والعرقية والطائفية؛
ومحيط إقليمي قد حوله إلى ساحة وفضاء، لتبادل الرسائل المفخخة والمتفجرة؛
والدخل الاقتصادي للبلد معتمد بشكل أساسي على المعونات الخارجية؛
والكوادر المتعلمة تبحث عن طريق للخروج والهجرة ومغادرة البلد.
فعندما تتنوع أطياف أية أمة؛ فالاستقرار والتنمية، يصبحان لا سبيل لهما إلا بتوافق وطني على الحد الأدنى الممكن في ظل تلك الظروف والملابسات.
وتلك تبدو بديهية للوهلة الأولى؛ ولكن إذا نظرنا حولنا؛ فأرجعنا الْبَصَرَ ثُمَّ أرجعنا الْبَصَرَ كَرَّتَيْن؛ فسنجد أن العديد من التجارب قد انهارت. “فلا الإخضاع تم، ولا التنمية الموعودة والمزعومة هي تحققت. فتلك عبرة الدهر التي لا تنفع معها المُكابرة النظرية.”

فعلى عهد الإتحاد السوفييتي سابقًا؛ حيث نهاية عالم واندحار توجهات أيديولوجية؛ نجد في تجارب الحقبة الشيوعية؛ ما عرف بفكرة إجبار أطياف المجتمع للخضوع لحكم القوة؛ وجنون العظمة لفئة معينة؛ من خلال السيطرة المجهولة اجتماعيًا؛ لا لمنطق السيطرة المجهولة سياسيًا؛ حيث التوافق والتراضي والتسويات السياسية. وقس على ذلك تجارب العديد من الدول العربية والإسلامية والدول المتخلفة؛ حيث الاعتقاد الخاطئ بإمكانية إخضاع المكونات المجتمعية المختلفة لمنطق الغلبة.

* المفكر والكاتب المغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...