ما بين خطاب المحبة؛ “لِتَعَارَفُوا” وخطاب الكراهية؛ “لتتنابذوا” في مجال كرة القدم
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ
لمقاربة هذا الموضوع؛ أستعير تغريدة رائعة جدًا لفضيلة الدكتور جاسم سلطان؛ بمناسبة مونديال قطر 2022؛ تحت عنوان: “الطرافة بين حوارين”.
شاهدنا كيف افتتح الشاب القطري غانم المفتاح؛ مونديال قطر بالآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .)
وشاهدنا كيف افتتح دوري “عظيم الشَّانْ” في كرة القدم بالجزائر؛ حفيد نلسون مانديلا المسمى: (شيف زوليفوليل) بخطاب للكراهية: جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ؛ لتنابذوا ولتصادموا؛ ولتناطحوا؛ ولتصارعوا؛ ولتكارهوا؛ ولتحاقدوا..!
“في بداية ومنتصف المشهد الكروي لدوري “عظيم الشَّان”؛ ترى الإنسان الجزائري العادي بانفعالاته، وفرحه، وحزنه، وإنسانيته، وذكاءه، وغفلته، وهو في الغالب جاء للاستمتاع بالكرة؛ لا لترديد شعارات تحمل خطاب الحقد والكراهية وركوب الدناءة من أجل الإساءة للشعب المغربي؛ مع هامش احتمال طبيعة المتفرجين من عناصر الجيش الجزائري.
هؤلاء البسطاء من الشعب الجزائري المكافح من أجل تطبيق مشروع نهضة بناه المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله؛ يريدون خوض تجربة جديدة؛ ربما لقطة بزي جديد، أو وجبة مختلفة مع شريك في الإنسانية، أو لمسة حنان بين أم وابنها، أو موقف أخلاقي يحتفظون به في ذاكرتهم بمناسبة انعقاد تلك التظاهرة الرياضية.
وعلى طرفي النقيض من المشهد؛ تجد من يلتقط أصوات دق طبول الحرب وذكريات التاريخ ومعارك الماضي المجيد والحاضر؛ ليفسر بها يوميات ما يرى.
فالمشهد واحد، والقارئ يضفي عليه ما تخفيه نفسه من أحلام، وآمال، وانتكاسات وخيبات أمل، ومختلف العقد النفسية… كنا عندنا وعند الآخرين؛ تبدوا نفس الصور.
لا يمكن عقلنة الجميع؛ ولكن الآمال واسعة أن يلتقط أحد ما منطقة الوسط ليترجم رسالة: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا.) وأن يمنع سيناريو الأطراف التي تنادي بخطاب: (لتتنابذوا) و (لتصارعوا) و (لتحاربوا).
ربما حان الأوان أن يُسمع صوت الإنسان للإنسان.”
تلك صراعات بعناوين مختلفة بين مجتمعات وشعوب وأمم الأرض في معادلة الخير والشر؛ في مساحة (لِتَعَارَفُوا) // (لتننابذوا)؛ وما بين لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً؛ وبين وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ؛ حيث اختلاط المشاعر.
فالعالم ملئ بالصراعات؛ وكثير من الصراعات لها عناوين سياسية؛ وإن وجدت عوامل كبرى يتم إغفالها.
أحوال بلاد العرب في أغلبها بيئات طاردة لأهلها من جهة؛ وضعيفة اقتصاديًا وعسكريًا وعلمياً للدفاع عن نفسها. ناهيك عن المطالبة بحقوقها في بلاد العالم، من جهة أخرى.
هناك توجهان متضادان:
1. أحدهما يتكلم عن التعارف الكوني؛ (لِتَعَارَفُوا) ويريد إطفاء خطاب الحقد والكراهية ، وايجاد مخرج آمن للبشر في كل مكان، ويطمع لتوسعة مجال الأصدقاء، وتضييق مجال الأعداء.
2. في مقابل توجه يرى الرد على العداوة بالعداوة والكره بالكره وهو يسير في عكس الأول تمامًا -إمَّعَة-.
أما الجمهور العام؛ فهو يتقلب بين حب السلام، وبين نداءات الغاضبين، ولا يلام. فهو ليس محصن ضد الانفعالات، وهو عرضة لتأثيرات معسكر الحرب، ومعسكر السلام.
لكل عمل عواقبه؛ فإلى أين سينتهي هذا المشهد؛ الله أعلم! هل ستزداد موجة الكراهية وتتفاقم؛ وبالتالي ستزداد معاناة القريبين من دوائر الاشتعال؛ أم ستنجح محاولات من يبحثون عن أرض للقاء كوني حول الحدود الدنيا من الإنصاف..!
المشاعر المتقلبة والإستراتيجيات المتضاربة؛ لها تكلفة. فمن سيدفعها!؟ ذلك هو السؤال..!
فخطاب الكراهية هو إحدى المقدمات الأولى للإرهاب. ولمقاربة هذا الموضوع؛ نستحضر مقولتين للمفكر القطري الدكتور جاسم سلطان؛ يقول في الأولى: “خطاب الكراهية والانتقاص من الأمم الأخرى؛ أصبح منتشرًا لدرجة أن فاعله يقوم به دون أن يستشعر التناقض بين ما يكرهه وما يمارسه..”
أمَّا في الثانية؛ فكتب يقول: “خطاب الكراهية وتأجيج نار البغضاء وارتفاع جرعة التشاحن بين البشر؛ سلوك منتشر لدرجة أن الغاضب منه؛ هو ذاته من يحتضنه ويغذيه..”
فالعقل العربي المسلم أكبر، وأكثر سهولة من غيره قابليةً للاستفزاز.
والخلاصة؛ تنامي أنماط خطاب الحقد والكراهية يعد إحدى المقدمات الأولى لكل أشكال العنف والارهاب وعدم الاستقرار في العالم.
* المفكر والراصد الاجتماعي المغربي





