حذاري؛ ثم حذاري! للظلم فاتورة مرتفعة! فمن يدفع الثمن في ظل ضعف المناعة لدى الناس
*الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ
الظلم له فاتورة كبيرة جدًا؛ والمشاعر والمزاجية المتقلبة؛ والاندفاع العاطفي؛ أثناء وقوع الأزمات. والإستراتيجيات والمصالح المتضاربة؛ والمتناقضة؛ من الأكيد أن لها تكلفة؛ وفاتورة باهضة الثمن!
السؤال: من سيتولى دفعها!؟ وعلى حساب من!؟ وعلى حساب ماذا!؟
جاء في الحديث القدسي: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا..”
فلا يكفي محاربة الارهاب وضرب أوكاره؛ بل بالموازاة مع ذاك؛ علينا محاربة الظلم والتمادي في الشطط والتعسف؛ وعدم الامتثال للقوانين؛ ومحاربة الفقر والهشاشة والجوع والمرض.
محاربة التهميش والإقصاء والإبعاد؛ ومحاربة الاستفزاز والاستصغار والاستكبار والاستقواء. يَسْكُنُنا الكثير من جُنون العظمة؛ وتضخم زائد في جرعة الأنا؛ ويَسْكُنُنا الكثير من الاستعلاء والاستقواء البشري!
لدينا قابلية شديدة جدًا لِيَفْني؛ ويسحق؛ فيدمر؛ ويحطم؛ بعضنا البعض..! بل وقطع حتى مادة الأكسجين التي يستنشق البشر مجانًا..!
الفكر والمشاعر والأشواق الإنسانية والبشرية؛ والملاحظة؛ والذوق والشم واللمس؛ ومختلف الأحاسيس؛ تكون الوجدان الشعوري لدى الإنسان؛ من لذة وألم؛ وكلها مفاهيم تقوم على سلوك العقل البشري العاقل، وتحدد مستوى؛ المسؤولية عن أفعالنا كما ورد في القرآن من خلال الآية: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.}
فقد أعطى الله عز وجل الأولوية والأهمية في الدرجة الأولى؛ للسَّمْعَ؛ فيا ويل “بُو وْدَيْنَة وحده”..!
وكذلك الأمر مع نبي الله سليمان عليه السلام لمَّا جاءه الهُدْهُد بما اعتبره الخبر اليقين. فتبعًا لخبر يقين نقله الهُدْهُد الذي: [مَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ.]
والخبر اليقين كما جاء في الآية الكريمة؛ هو: {وَجَدتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ.} لكن نبي الله سليمان عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؛ ليس “بُو وْدَيْنَة وحده”؛ ولم يقتنع بكلام الهُدْهُد من الوهلة الأولى؛ لكن رد عليه؛ كما جاء في قوله تعالى: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}.
بعث الهُدْهُد محملًا بكتاب جاء في محتواه: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.﴾ وبالتالي علينا ٱجْتِناب كَثِير من منسوب ٱلظَّنِّ الذي بَعْضه قد يؤدي إلى سوء الفهم ويصبح إِثْمًا كبيرًا. وهو أيضًا امتثالًا لأمر الله: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.)
ففكر القاعدة؛ وداعش وأخواتهما؛ في العالم وبلاد المغرب الإسلامي؛ ودول الساحل ووسط الصحراء بإفريقيا؛ وامتداد فكر النصرة؛ يسكن وينام بداخل كل واحد منا بشكل مختلف.
هذه النسخة الرديئة من الأفكار الوثوقية والمتعصبة؛ منتشرة؛ وليست ظاهرة عسكرية فحسب؛ بل منظومة أفكار متطرفة يدعي أصحابها احتكار الطبعة الأصلية للحقيقة الكونية والدينية؛ والآخرون لديهم النسخة المزيفة فقط!
هذا النوع من التعصب للأفكار؛ يسكننا جميعًا كبشر؛ لكن بدرجة من الدرجات المختلفة؛ ولا ننتبه له؛ لأنه يكبر ويتوسع ويتجدر شيئًا فشيئًا؛ ليبتلع المجتمعات بكاملها إذا سمح له بالنمو والتطور.
ويرى المفكر الإيطالي (انطونيو گرامشي) أن القديم يعيش حالة احتضار..! في حين الجديد لمَّا يُولَد بعد..!
فحينما يحتضر الماضي ويعيش حالة تأزم؛ فلأنه لم يكن وليد اكتناف ثورة فكرية وثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية.
أما كون الجديد الذي لم يولد بعد؛ فلأن رافعة النهوض التنموي معدومة؛ لأن حالة التحضر هي فهم حديث يتنافى وبيئة الركود والجمود وتصدي حَرَس القديم وحَرَس المعبد؛ لكل ما هو جديد.
كثيرة هي الأغلاط والأخطاء؛ وحوادث السير في حياة المجتمعات والشعوب والامم؛ وعديدة ومتعددة ومتنوعة. وأحيانًا يجد الإنسان نفسه قد ركب القطار الخطأ؛ أو الغلط من أجل عبور جسر ما إلى الضفة الأخرى.
لذلك من المهم أن ينزل ويترجل في أول وأقرب محطة؛ فبقدرما تزيد المسافة؛ بقدرما تزيد تكلفة ثمن فاتورة وتذكرة العودة!
* الكاتب والمفكر المغربي.





