* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ
نجد في التأصيل التاريخي للظلم؛ أنه مجرد زلة (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) من آدم وحواء كان الثمن باهضًا جدًا.
السؤال: من يدفع ثمن فتورة الزلات؟
مرَّ الإنسان من أصعب اختبار في صيرورته التاريخية؛ وفي مسار ومسلسل حياة البشر حين خلقه الله.
وأنا طفل صغير؛ ابن البادية؛ حينما كنت بصدد حفظ القرآن الكريم في لمْسِيد؛ وأصغي إلى والدتي تحكي لنا عن قصة أبينا آدم، وأمنا حواء؛ التي ليست كما وردت في القرآن الكريم؛ بل زيد فيها ونفخ كثيرًا في القصة حتى أصبحت نوعًا من الأساطير كما في الميثولوجيا اليونانية؛ فتحكي لنا كيف وسوس لهما الشيطان بأن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عن مجرد الاقتراب منها؛ -شجرة الاختبار- تلك التي لا شيء يميزها عن باقي الشجر المُتمِر في شيء؛ إلا أنه مع ذلك ذلك تصر والدتي على أن تصنفها من ضمن أشجار التفاح؛ بدليل أن التفاحة بقيت عالقة في حلقم حنجرة آدم (La pomme d’Adam)؛
“ولا هي (بشَجَرَةُ الزَّقُّومِ) التي جَعَلها الله فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ؛ والتي تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِين.”
وكيف كنا سنعيش في الجنة دون تعب أو ملل؛ ودونما مكابدة ظروف الحياة وصعوبة العيش في هذه الأرض؛
* (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ.)
لكن الشيطان أغواهما، وأغراهما بطمع الخلد؛ وكان العقاب نتيجته الهبوط من الجنة؛ حيث العيش الرغد.
* (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ.)
السؤال الذي كان يحيرني؛ وأتخيل وأقول مع نفسي: لماذا الله سبحانه تعالى لم يجعل عَلَى تلك الشجرة حراسًا غِلَاظًا شِدَادًا؛ من المَلَائِكَة لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ؛ حتى لا يقترب أبونا آدم وأمنا حواء من تلك الشجرة!؟
ومع الأيام؛ أتعلم عظمة الله في اختبار المخلوق الجديد؛ حيث لا يخشى عليه من الاقتراب من الشجرة؛ بل حذره فقط؛ ولهما أن يتخذا القرار بشكل انفرادي؛ واستحضر التوقعات الصادمة للملائكة؛ وسبب إبداء تحفظها على جعل البشر؛ هذه النسخة الرديئة والفاشلة؛ خليفة في الأرض من قبل الله عز وجل؛ عوض أن يجعل فيها بشر بمثابة ملائكة تسبح بحمد الله وتقدس له..!
* (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً؛ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ!؟)
وكذا؛ اعتراض إبليس على السجود لآدم؛ حيث: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ.)
زود الله عز وجل بني آدم بمستقبلات عقلية وعلمية حيث في إطار نوع من التحدي:
* (عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.)
وانهزمت الملائكة أمام هذا التحدي؛ بحيث؛
* (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.)
استقالة جماعية من الفعل. ذِهنية صُمِّمَتْ على الاستقالة من الفعل! بحيث أصبح مطلوب من الله سبحانه؛ أن يتدخل في كل مرة ليحل محلنا في حل جميع مشاكلنا وقضايانا الشائكة.
هذه النسخة الغبية من البشر؛ هي من اتخذت قرار الهبوط إلى الأرض لتحمل المسؤولية بعد الزلة التي ارتكبناها؛ مسوولية عظمى وجسيمة؛ عُرضت على السماوات والأرض والحبال؛ فرفضت كلها تحملها؛ وحملها هذا الجاهل بعظمتها وحق قدرها.
* (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ؛ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً.)
فما هو دورنا نحن كبشر جَعَلَنا الله خَلَائِفَ الْأَرْضِ وتحمل المسؤولية!؟ لماذا هذا التخلي الجماعي عن الاختصاصات والصلاحيات التي علمنا الله!؟
يبدو أن كل الاختصاصات والصلاحيات التي تم تحويلها من الملأ الأعلى إلى البشر؛ يتم التخلي عنها تدريجيًا وإرجاعها إلى الله؛ بحيث قمنا بتجسيد الخير والشر في القوى الخارقة؛ وفي الطبيعة؛ والتمني بحدوث معجزات للخلاص وتغيير أحوالنا إلى الأفضل؛ وإرجاع كل شيء للقضاء والقدر، وانتظار انتقام الله والقصاص من الأعداء.
* والخلاصة:
نحن من يظلم نفسه أمام مخلوق ضعيف؛ (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا.) وليس له أية سلطة علينا ليغوينا أو يغرر بنا إطلاقًا؛ (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ.)
قديمًا قال حكيم: يا ولدي؛ لقد خلقنا لنسعد، لا لتشقى. ولكن نحن من نشقي أنفسنا بغرائزنا التي تطيش. فقبل أن تزرع القمح والشعير؛ ازرع ابتسامة في وجه إنسان. لا تحزن، لا تكره، لا تحقد، ولا تثور؛ العاصفة تهب وتمضي؛ ولا تبقى إلا البسمة الرقيقة.
الحياة جميلة وتستحق أن نعيشها ونحياها.
* كاتب ومفكر مغربي





