ضربة إيران، خيبات و مكاسب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور سمير شوقي
رئيس مركز أوميغا للأبحاث الإقتصادية و الجيوسياسية

 

 

 

اتضح بما لايدع مجالاً للشك أن رد إيران على العملية الإرهابية التي قادها النظام الصهيوني على قنصلية إيران بدمشق شد انتباه العالم و غطى على كل قصاصات الأخبار بالعالم. كل كان يُتابع العملية من منظور مصلحته الضيقة و يربط نجاحها من فشلها حسب انتظاراته هو و ليس اللاعب الرئيسي، إيران. لذلك كان عادياً أن تُخلف الكثير من الخيبات دون إغفال مكاسبها، ربما على قِلَتِها.

خيبات و ويلات
كان أكثر من يتمنى أن تكون ضربة إيران موجِعة و مخلِفة قتلى و ضحايا هو بنيامين نتنياهو. الرجل يُراهن على أي حدث يستدرج عطفاً داخلياً و خارجياً و إن كلف ذلك قتلى إسرائيليين. ففي وقت بدأت الحرب على غزة تجلب غضب الغرب الأمريكي-الأوروبي جراء “تجاوز” حكومة نتنياهو الحد “المسموح به” من الجرائم ضد الفلسطينيين العُزَل، راهن رئيس الكيان الصهيوني على ضربة إيران ليجعل منها مشجباً للنواح و تِكرار سردية “الكيان المضطهد” و جر أمريكا لمواجهة مباشرة مع إيران. و قد نجح في المشهد الأول بحيث سارع قادة الغرب على التعبير عن دعمهم للكيان الصهيوني مادياً و معنوياً و تجندت أمريكا و بريطانيا و فرنسا للتصدي للمسيرات و لصواريخ إيران. لكن إيران أذكى مما يعتقد البعض بحيث لم تَنْجَرْ لحرب شاملة يريدها الكيان الصهيوني من زمان لتحطيم المشروع النووي أولاً و لجعل إيران مثل العراق، بلد ينتمي للقرن التاسع عشر. هنا بالضبط خاب ظن نتنياهو و صُدِمَ عندما قررت أمريكا نهاية اللعبة من الطرفين، و انتهى الأمر لأن الرد الإيراني كان أقل مما كان مُنتظراً. داخلياً كان نتنياهو يريد الإستثمار في مواجهة مباشرة مع إيران لإسكات أصوات المعارضة الداخلية و جعل ملف الأسرى يتوارى خلف الأحداث و يدعو للنفير العام و حالة الإستثناء التي تلغي الإستحقاقات الإنتخابية و ربما المؤسسات الدستورية، لكن خاب ظنه.

الخيبة الأخرى أحس بها العرب، حُكاماً و شعوباً. فالحكام الذين لا يحملون إيران في قلوبهم كانوا يُمنون النفس بحرب طويلة مُدمرة تُكسِر بشكل نهائي شوكة إيران صاحبة المشروع الشيعي الخاص بها و القوة النووية المستقبلية التي ترى فيها تهديداً مباشراً لأنظمتها. أما الشعوب العربية فهي في غياب قدرة حكوماتها على التصدي للكيان الصهيوني الوحشي و إيقاف مجازره اتجاه شعب فلسطين الأعزل، تتمسك هذه الشعوب بأي قشة قادرة على إزعاج الصهاينة و كانت تُمني النفس بحرب إيرانية-إسرائيلية لعلها تُنفِس على إخواننا في فلسطين و تُلحق أضراراً بالكيان الصهيوني لكن دون أدنى حِساب لما قد تُخلفه من دمار لجمهورية إيران! لذلك ترجمت خيبتها بصب جام غضبها على إيران و كأنها كانت ضحية كاميرا خفية أو كأن إيران وعدتها بشيء لم تُوَفِ به.

مكاسب محتشمة لكن محسوبة

مقابل الخيبات السالفة الذِكر و التي لا تعيرها إيران أي اهتمام، لعب النظام الإيراني على رسالة الجبهة الداخلية التي كانت تعيش احتقاناً جراء عجز إيران الرد على أي من العمليات الإرهابية التي ارتكبها الكيان الصهيوني اتجاه قيادات الحرس الجمهوري و النخبة العلمية الإيرانية. الهدف هو تهدئة البركان النفسي الداخلي و إبراز قدرة الهجوم على الصهاينة في عقر دارهم. و هذا مربط فرس الرسالة الخارجية التي كانت طهران تريد تبليغها للعالم أجمع و مفادها أننا نستطيع ضرب عُمق إسرائيل مباشرة من الأراضي الإيرانية (لأول مرة منذ أزيد من ثلاثين سنة عندما ضرب صدام تل أبيب). و كان لإخبار إيران قِوى دولية بشكل غير مباشر و منها أمريكا إشارة لكون الضربة لها دور رمزي ليس إلا و أنها تتوخى الزجر فقط، لذلك لم تستعمل إيران حتى 10% من قوتها الردعية في هذه الضربة التي قال عنها ضابط بالحرس الثوري “أنها قرصة أِذن أكثر منها ضربة و إذا عادوا سنعود بشكل آخر”.

في المُحَصلة، إيران خططت لردها وِفقَ مصالحها الخاصة دون أي نزعة عاطفية و أنها توخت إرضاء رأيها العام فقط دون أن تكون التداعيات مكلفة لاقتصادها و برنامجها النووي، و إعلان أمريكا “نهاية اللعبة” بين إيران و إسرائيل يتوافق تماماً مع ما تريده إيران حتى الآن. هذا هو المشهد العام الذي يذهب كل واحد لتحليله وِفقَ مصالحه هو و ليس تبعاً لأهداف الفاعلين الأساسييين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...