* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
– (الكاتب والمفكر والخبير المغربي والمتخصص في شؤون الصحراء المغربيّة)
في كتابه: (التعرف على المغرب) (Reconnaissance au Maroc)؛ يشير الضابط الفرنسي المسمى: (شارل دو فوكو) إلى مفهوم “الأرض الخلاء” (Terra Nullius)؛ ولو بشكل غير مباشر. وهذا المفهوم، الذي يعني به صاحبه الأراضي غير المأهولة بالسكان، أو غير الخاضعة لسيطرة أو سيّادة دولة محددة؛ استخدمه واستغلته قوى الاستعمار، أبشع استغلال واستخدام، وتوظيفه في سياقات استعماريّة لتبرير التوسع أو السيطرة على الأراضي المغربيّة.
لكن صاحب هذا المفهوم لم يكن يُميّز بين مفهوم الرعِيّة أو الرّعايا على نفوذ ترابي ما؛ ومفهوم السيادة على أرض ما.
صاحب هذا المفهوم “الملغوم” يجهل الدُّعاء لأمير المؤمنين المتواجد حينها في مدينة فاس، والمتواجد بعدها في المملكة المغربية؛ في المساجد ب: مالي والسينغال ونيجيريا؛ وأتباع الطريقة الصوفيّة بالمساجد والزوايا والأضرحة في أنحاء القارة الأفريقية؛ على الرغم من أنهم لم يروه يوماً. وفيهم من لايزال يدعو لأمير المؤمنين محمد الخامس والحسن الثاني؛ وفي مخيلته أنهما لا يزالان على قيد الحياة. فهو تماهي إيماني وجداني وروحي قبل كل شيء.
فعبر تاريخ المغرب، ظل السلطان المغربي هو المصدر الفعلي للقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكل إنتاج حقوقي وقضائي وزمني وديني وثقافي، وهو المتصرف الأعلى في الدولة وواضع ومحدد للسياسة العامة والعمومية والقطاعية؛ من خلال التعليمات والقرارات والتوجهات والرسائل والظهار في المملكة الشريفة.
نميز تاريخيًا، في التقسيم الترابي للمملكة قبل الحماية، بين مناطق الاستقرار الذي طبع بعض التجمعات التي يمكن أن نطلق عليها مراكز أو مناطق أو جهات حضرية، والتي تشكل لحد الآن مظهرا عتيقا يضرب في القدم من حيث التكثيف الحضاري؛ حيث تواجد المخزن او الادارة كضابط لهذا النسق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (كمراكش، وفاس، وإليغ، سوس وغيرها…) من عدم الاستقرار الذي طبع بعض المناطق والتجمعات التي قامت على الترحال، كما هو الشأن بالنسبة للبادية المغربية التي تشمل حيزاً كبيراً من الأقاليم الصحراويّة وشبه الصحراويّة. وعدم الاستقرار الذي يتنافى وحالة التمدن، تلك التي شكلت هدفًا “لحركات” السلطان، وما أطلق عليه “ببلاد السيبة” والتي وإن لم تخضع لنظام المخزن، إلا أنها تعترف بالسلطة الروحية والدينية للسلطان ملك المغرب.
صاحب المفهوم هذا؛ يجهل تماماً أو يتجاهل الروابط التاريخيّة والدينية وعقد البيعة التقليديّة لسكان تلك المناطق للعرش المغربي.
صاحب هذا المفهوم المبتكر؛ يجعل أن الخيمة هي بمثابة الخليّة الاجتماعية الصغرى والإطار الاجتماعي الأول للحياة اليومية للإنسان المترحل، وتعتبر وحدة اقتصاديّة واجتماعيّة وقانونيّة متميزة معترف بها على المستوى الأيديولوجي والسياسي، مع ضمان حقوق وواجبات الجميع نحو الوحدات الكلية.
في هذا الإطار يمكن فهم الرّوابط التاريخية والجغرافيّة والقانونيّة والاجتماعية والثقافية… بين المغرب و(حْوازْ المغرب) وامتداداتها الجغرافيّة.
أَنَا منْ حَوْزْ اَلْمَغْرِبْ»؛ هو مقطع من أغنيّة جميلة جداً عنوانها: (مْنِينْ أَنَا! وُمْنِينْ أَنْتَ) التي غنّتها الفنانة الحاجّة الحمداويّة؛ لكن ما المقصود ب: “حَوْزْ الْمَغْرِبْ”؟
ليس المقصود به منطقة الحَوْزْ التي ضربها الزلزال العام الفائت؛ بل المقصود حَوْزْ الْمَغْرِبْ ما بعد بشّار وتيندوف؛ فحَوْزْ الْمَغْرِبْ؛ يشمل كل النفوذ الترابي للأراضي التي كانت تحت حيازة ونفوذ الإمبراطورية المغربية عبر العصور، وبالتّالي لا يمكن فهم الحدود الجغرافيّة للمغرب في سياقها التاريخي العام إلا من خلال الانتقال بين ضفتي المغرب والأندلس؛ ومختلف الوثائق التي بحوزة كل من فرنسا وإسبانيا.
فقد كانت مساحة المغرب تعرف مدًا وجزرًا من حيث التمدد والتقلص في النفوذ الترابي والجغرافي؛ إذ تعاقبت عليه العديد من الدول والحضارات التي أثرت في تاريخه السياسي والجغرافي والثقافي، منذ عهد الفينيقيين والقرطاجيين (1200 ما بين 146 ق.م). والممالك الأمازيغية (146-40 ق.م). والحكم الروماني (40 ق.م – 429م). وعهد الوندال (429-533م). وحكم البيزنطيين (533-682م). والفتح الإسلامي (682م) مع مختلف الدول الإسلامية في المغرب، والدولة الإدريسية (788-974م). فالدولة المغراوية (974-1060م). والدولة المرابطية (1060-1147م). والدولة الموحدية (1147-1269م). والدولة المرينية (1269-1465م). الدولة الوطاسية (1472-1554م). والدولة السعدية (1554-1659م). الدولة العلوية (1666م). ثمّ الحماية الفرنسية والإسبانية (1912-1956). وصولاً إلى حدود عهد الاستقلال منذ سنة: (1956).
هذا؛ وقد تأسست ونشأت نتيجة لهذا التلاقح بين عدة إثنيات؛ وعدة أعراف وتقاليد ديبلوماسية، من خلال الاتفاقيات والرسائل المتبادلة بين المغرب والضفة الأخرى.
خلال نهاية القرن الثامن عشر؛ انتشرت فكرة إنشاء الدولة التي أصبحت من حق كل شعب له هويّة ولغة وقيّم ومشاعر وجذور مشتركة، ولهم رغبة في العيش المشترك. ومن هنا ولدت الدولة الحديثة. وهذا التشكّل في تكوين الدولة الحديثة؛ هو ما بنيت عليه فكرة دولة إسرائيل. وما تمخض عن اتفاقية (سايس بيكو) السريّة التي تمت بين كل من: فرنسا وبريطانيا، بموافقة روسيا القيصرية خلال الحرب العالميّة الأولى سنة 1916. وقد هدفت هذه الاتفاقية إلى تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، بعد انتهاء الحرب وسقوط الدولة العثمانية. وتقسيم العالم إلى دويلات لم تراع لا عيش مشترك ولا هويّة ولا وحدة قيم؛ دويلات تدخل في إطار تعاقد مفروض من فوق من خلال تحديد شكل معين للدولة على رقعة أرض؛ ومن بطن هذه التحولات ولد المنتظم الدولي المعاصر.
لا يهمّ الهوية الوطنية أو العيش المشترك؛ فمهوم الدولة هو غير ذلك؛ فهو يقوم على ضمان عناصر رئيسية تتجلى في: ضمان الوجود؛ وضمان الاستمرار؛ وضمان الأمن والاستقرار وضمان التنميّة والعمران؛
وباستحضار مقولة اللورد “ساليسبوري”؛ وهو أحد كبار الإمبريالية في القرن الماضي؛ حينما قال: “قمنا بتوزيع قارة إفريقيا على الخريطة وفرقنا الولد عن أخيه وعن أمه وعشيرته التي تأويه؛ وقسمنا الجبال والوديان؛ لم يواجهنا سوى مشكل بسيط؛ هو أنه أبدًا لم تطأ أرجل الرجل الأبيض تلك الأرض.”
من خلال هذا الكلام؛ يمكن فهم الإطار العام لمدى شرعية ومشروعية قضية الصحراء المغربية.
ومن خلال النبش في الصحراء المغربية والإنسان والمجال والطبيعة والجغرافيا والتاريخ؛ لفهم مدى مشروعية وشرعية تواجد المغرب وفرض سيادته على أقاليمه الصحراوية الجنوبية الغربية، يجب استحضار التاريخ. فهل الصحراء كانت أرضًا خلاء؟ من كان يحمي القوافل التجارية المتوجهة من وإلى السودان ونيجيريا وشنكيط ومالي وبلاد الصومال والسودان وغيرها من بلاد القرن الإفريقي والساحل؛ من قطاع الطرق في بلاد السيبة تلك؟ من يكذب إذن!؟ هل التاريخ!؟ أم الجغرافيا!؟ أم أعداء هذا الوطن!؟
الجواب يكمن في إن: البشر وحتى الطير والشجر والحجر؛ تشهد بمغربية الصحراء!
وبالتالي، ومن خلال هذا الجرد للمجال والإنسان والارتباط التاريخي؛ فمن أراد الرحيل أو المطالبة بالانفصال؛ ليس بالضرورة أن يحمل ولو حبة رمل في كعب رجليه من تراب حْوازْ المملكة المغربية الشريفة الممتدة من طنجة إلى لكويرة.





