مفهوم العلمانيّة وسوء الفهم الكبير في العقل المسلم..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
الكاتب والمفكر المغربي.

 

 

 

ما بين الفعل الدِّيني والفعل السّيّاسي، ورجل العلم ورجل السياسة والتمييز بين المسارين وعدم الخلط بينهما. وفي جدليّة الاعتماد المتبادل في معادلة الدِّين والدولة، والمثال والواقع، وما هو كائن، وما ينبغي أن يكون، صعوبة الفصل والتمييز بين الإسلام السيّاسي والإسلام الدعوي، في الفضاءات الإسلامية؛ نجد حتى القوانين والمؤسسات الأمريكيّة والفرنسيّة والتركيّة والألمانيّة… وغيرها من الدول التي تأخذ بالعلمانيّة؛ وفصل الدّين عن شؤون الحكم والسياسة، تسكنها روح دينيّة؛ وبالتالي ليست كل الدول العلمانية خالية من التأثير الديني. ففي بعض الأحيان، قد تتأثر القوانين التنظيميّة والقرارات السياسية بمعتقدات ثقافيّة أو دينية، رغم العلمانية الرسمية الموجودة.

وحينما نستحضر قصة نبي الله يوسف عليه السلام التي وردت في القرآن؛ والذي كان قد وجد وسط نظام سياسي في عصره، وقوم لا يؤمنون بالله، ومع ذلك اختار الاندماج في ذلك الوسط والدخول في تعاقد مع ذلك النظام؛ دون أن يفرض أجندة المشروع الذي يحمله، من خلال عدم الخلط بين المسارين:
1. مسار نمط ثابت في الدِّين والعبادة؛ دون التخلي عن إسلامه وإيمانه ودينه وتقواه؛ وأخلاقه وورعه في الإشراف والقوة والأمانة. (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.)
2. ومسار نمط توافقي متغيّر في السياسات المالية والاقتصاديّة والاجتماعية والبيئية… وقوانين تدبير وتنظيم العلاقات الماليّة والاقتصاديّة والسياسية والاجتماعية في الدولة المصريّة آنذاك؛ في ظل السياقات العامة الموجودة، وتحت الضغط القوي لحرس وكهنة المعبد.

في السيَّاسات العامة والعموميّة الخالدة؛ وحين استحضار حجة الوداع أو خطبة الوداع لمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم؛ التي رسم فيها الخطوط الرئيسية للسيّاسات العآمة الخالِدة، لدستور مشروع الدولة ذات المرجعيّة الإسلاميّة التي تقوم على أساس نظام الشورى في الخلافة، وهي:
1. حُرْمَة الدِّماء؛
2. حُرْمَة الأموال؛
3. حُرْمَة الأعراض؛
قوامها مسلسل ومسارات: التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، والتمسك بأركان الإيمان الخمسة. والأمانة ومسؤولية تبليغ الدعوة، والأخوة والمساواة، وتحريم الظلم وسفك الدماء، وصون حقوق المرأة وعدم انتهاك الأعراض.

وحتى تبقى سياسات عامة خالدة؛ ختم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته بقوله: “أيها الناس؛ فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبّ مبلَّغ أوعى من سامع.” بهذه الخطوط العريضة، ودّع الرسول أمته وبيّن لهم أصول ومحددات دينهم وحقوقهم، وهي دستور حياة للمسلمين جميعاً في الدولة المعاصرة.
في الدولة المعاصرة، وما بين الفعل الدِّيني والفعل السّيّاسي، ورجل العلم ورجل السياسة والتمييز بين المسارين وعدم الخلط بينهما. فكيف برجل دِين أو رجل دعوة، المفروض فيه نوع من الحِيّاد القيّمي؛ يقول اليوم بمسلمات وقِيّم ومُثُلٍ عليا؛ ويقول غداً بما يناقضها!؟
قد يتعرض بسبب ذلك للسب والشتم والتنابز اللفظي من طرف النّاس؛ فيطاله السب والشتيمة، ويطال ويشمل عمامة الدِّين التي يرتديها. وهنا لا نميز بين الشخص والمؤسسة والرمزيّة التي قد تتعرض للإهانة. فدخول رجل الدًين أو الدعوة، مجال السياسة يحوله إلى رجل سيّاسة، يتماهى مع انعدام القِيّم والأخلاق؛ بحيث يجعله عرضة للتنابز اللفظي، والكذب والنفاق السياسي في تدبير شؤون الحكم.

وبالتالي نحتاج إلى التمييز بين المسارين في الفضاءات الإسلامية، التي تشكل نسقا منسجماً على مستوى الدِّين؛ والغير منسجمة على مستوى الدولة.
فالنسق يفترض نوعاً من الانسجام والتكامل والتطابق والتعايش والتضامن والتمازج بين جميع القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. وحينما ينعدم هذا التكامل والتمازج؛ لم نعد داخل نسق؛ بل فقط داخل فضاء مفتوح “كلها يلغي بلغاه”.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...