المآلات الاستراتيجية للصراع المغربي الجزائري بين التصعيد والتكامل..
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
الحديث عن المآلات هو في حد ذاته نهاية الحديث. لكنه يحتاج إلى ضرورة استحضار التاريخ لمعرف بدايات الحديث عن المآلات.
* الإشكال المركزي:
من أجل قراءة نقديّة واقعيّة للصراع المغربي-الجزائري علينا طرّح اسئلة جوهريّة عقلانيّة، دون السقوط في التفاؤل العاطفي. وحتى يعكس تناول الموضوع رؤية تحليليّة معمقة لطبيعة الصراع بين المغرب والجزائر، مع إبراز التناقض بين الخطاب العاطفي الداعي إلى الوحدة والتكامل والواقع السياسي القائم على منطق القوة والصراع الاستراتيجي.
فإلى أي مدى يمكن تحقيق التكامل التنموي في ظل استمرار النزاع الحدودي والتباين في الرؤى الاستراتيجية بين الدولتين؟
* أبرز الأفكار المطروحة من حيث طبيعة الصراع:
– إطار الصراع التاريخي والاستعماري: يتجلى في مخلفات الاستعمار الفرنسي في الجزائر ونظام الحماية في المغرب، وما خلفه ذلك من ترسيم حدودي تعسفي.
– طبيعة الصراع الحالي: يتأرجح بين صراع صفري (إقصائي) وصراع تنافسي (تنموي-استراتيجي).
– الحدود الشفافة: ضرورة تجاوز الصراع الجغرافي إلى تكامل اقتصادي وتنموي على غرار التجارب العالمية.
– مفارقة الخطاب العاطفي والممارسة السياسية: الدعوة للوحدة المغاربية تتناقض مع الممارسات الميدانية المبنية على الهيمنة والتسلح.
– التفاعل بين القوة الصلبة والقوة الناعمة: الجزائر تعتمد على دعم الانفصال كوسيلة ضغط، بينما المغرب يعزز موقعه عبر الدبلوماسية والاستثمارات الدولية.
المآلات الاستراتيجية للصراع بين المغرب والجزائر تتوقف على عدة عوامل، من بينها التوازنات الداخلية لكل بلد، والتحولات الإقليمية والدولية، وطبيعة التفاعلات الثنائية بين الدولتين. ويمكن تصور السيناريوهات التالية:
1. سيناريو استمرار التوتر والتصعيد البارد:
هذا السيناريو هو الأكثر واقعية على المدى القصير، حيث تستمر القطيعة الدبلوماسية والمناوشات السياسية والإعلامية، مع سباق تسلح متزايد، واستمرار دعم الجزائر لجبهة البوليساريو، مقابل تعزيز المغرب لمواقفه الدبلوماسية والاقتصادية في القارة الإفريقية وحشد الدعم الدولي لمغربية الصحراء.
2. سيناريو مواجهة غير مباشرة عبر حروب بالوكالة:
قد يتطور الصراع إلى دعم غير مباشر لأطراف داخلية أو تحالفات إقليمية معادية، بحيث يدعم كل طرف جهات معينة في دول الجوار مثل: (ليبيا ومالي والنيجر وتونس) بهدف تقويض مصالح الطرف الآخر. ويمكن أن تأخذ هذه المواجهة شكل أزمات حدودية أو تجارية أو حتى اختراقات استخباراتية وسيبرانية.
3. سباق التسلح والتحالفات العسكرية:
مع تزايد الإنفاق العسكري، سيواصل كل من المغرب والجزائر تعزيز قدراتهما الدفاعية والهجومية، مما قد يؤدي إلى خلل في ميزان القوى الإقليمي. فالمغرب يعتمد على تحالفاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، بينما تستمر الجزائر في تعميق علاقاتها مع روسيا وإيران والصين، مما قد يزيد من الاستقطاب الجيوسياسي في المنطقة.
4. سيناريو تحول استراتيجي نحو التهدئة والتطبيع:
رغم صعوبة هذا السيناريو في المدى القريب، إلا أنه قد يفرض نفسه مستقبلاً إذا واجهت الدولتان ضغوطاً داخلية أو خارجية، خصوصاً مع تحديات اقتصادية واجتماعية تتطلب استقراراً إقليمياً. وقد يكون حل النزاع حول الصحراء المغربية هو المفتاح لأي تقارب مستقبلي.
5. إعادة تشكيل النظام الإقليمي المغاربي:
مع تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة وتزايد التنافس الدولي، قد تنشأ ترتيبات إقليمية جديدة تفرض على المغرب والجزائر مراجعة مواقفهما. وقد تؤدي مبادرات أفريقية أو دولية إلى فرض واقع جديد إما عبر تسويات قسرية أو من خلال مبادرات اقتصادية تكامليّة تعيد تشكيل المنطقة المغاربية.
1. العوامل الداخلية وتأثيرها على الصراع:
– الديناميات الداخلية: محرك للصراع أم فرصة للتهدئة؟
* الجزائر تواجه تحديات اقتصادية نتيجة تقلب أسعار النفط، إلى جانب ضغوط داخلية تطالب بالإصلاح السياسي.
* المغرب يسعى لتنويع اقتصاده وجذب الاستثمارات، لكنه يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية تؤثر على استقراره.
* قد يستخدم كلا البلدين الصراع الخارجي لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، أو قد يجدان في التهدئة وسيلة لضمان استقرار داخلي أكبر.
2. الاقتصاد: أداة ضغط أم فرصة للتكامل؟
– غياب التكامل الاقتصادي بين المغرب والجزائر واستمرار إغلاق الحدود يكبد الاقتصادين خسائر كبيرة.
– يمكن للاقتصاد أن يكون عامل ضغط لإنهاء الصراع، إذا أدرك الطرفان أن تعزيز التعاون الاقتصادي أكثر فائدة من الاستمرار في العداء.
– المبادرات الاقتصادية المشتركة يمكن أن تشكل أرضية لحوار سياسي أكثر مرونة.
3. دور المجتمع المدني والنخب الفكرية:
إلى جانب الفاعلين الرسميين، يمكن للمجتمع المدني ورجال الأعمال والنخب الفكرية لعب دور إيجابي في تحسين العلاقات، من خلال:
– الدفع نحو مبادرات اقتصادية وثقافية مشتركة.
– التأثير على الرأي العام من خلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
– دعم الحوار غير الرسمي بين النخب في البلدين لإيجاد حلول بديلة للصراع الرسمي.
* استنتاج عام:
هل سيبقى الصراع المغربي الجزائري قدرًا محتوماً، أم أن هناك إمكانية حقيقية للخروج من دوامة العداء نحو أفق جديد من التعاون؟
يبقى مستقبل الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن الأرجح أن يستمر التوتر في المدى القريب، مع إمكانية تطور المشهد بناءً على المعطيات الدولية والإقليميّة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها شمال إفريقيا والساحل والصحراء.
* والخلاصة:
في المآلات المحتملة للصراع المستدام بين المغرب والجزائر توجد مآلات استراتيجية ثلاثيّة الأبعاد يمكن أن يصير إليها النزاع:
1. التسوية والتطبيع التدريجي: وهو السيناريو الأصعب لكنه ممكن على المدى البعيد عبر مفاوضات تتجاوز الخلافات التاريخية.
2. الاستمرار كعامل كابح للاستقرار والتنمية: حيث يؤدي النزاع إلى استنزاف الموارد ويزيد من الأزمات الداخلية.
3. تفاقم الصراع إلى مستوى يهدد استقرار المنطقة: مما قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الدول المغاربية وزيادة التدخلات الخارجية.
فبينما يبدو التصعيد هو السيناريو الأقرب، فإن ضغوط الواقع قد تفرض مستقبلاً مسارًا مختلفًا يتجه نحو التعاون، إذا توفرت الإرادة السياسية والوعي بأهمية التكامل بدل الصراع.





