سفر في الزمان: العَلْوَة بين الجغرافيا والتاريخ وسوسيولوجيا المتخيل
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
العَلْوَة… هل هي مجرد اسم أم أنها رمز يحمل دلالات أعمق؟ أين تقع العَلْوَة؟ هل هي امرأة فاتنة، مجذوبة وساحرة كما يتخيل البعض، أم أنها فضاء جغرافي يحتضن الذاكرة والتاريخ؟ ومن هو العَزْرِي والفارس الشهم الذي يذكره لسان حال الجماعة في تَمْغَرْبِيتْ؟ وما سر ارتباطه بالعَلْوَة؟ من هم ضُمَّانْ وجْوَادْ العَلْوَة، ضامنو الخير والبركة فيها؟ وكم كان عددهم؟ الأهم من ذلك، أين ذهبت بركة المكان، وضريح “السيد”، وأين اختفت النِّيَّة؟
لكن، هل البركة خاصية حقيقية للأمكنة؟ أم أنها جزء من المتخيل الجماعي الذي تَشَكَّلَ في سياق تاريخي محدد؟ ولماذا عندما نستحضر مفاهيم مثل “بلاد السيبة” و”بلاد المخزن”، نجد أنفسنا أمام تصورات تتجاوز الجغرافيا إلى عالم الذهنيات؟ وما علاقة بني ملال ببني هلال؟ ثم كيف يصل الإنسان إلى حالة من الانتشاء الروحي تقابل فيزيولوجيًا إفراز هرمون الدوبامين، المسؤول عن السعادة والراحة النفسية؟
* العَلْوَة: جغرافيا المصطلح وتاريخ المكان:
“العَلْوَة ومَّاليها والصلاح اللي فيها”—بهذه العبارة كان الأجداد يصفون المكان. فهل كان ذلك الزمن حقًا عصر وفرة أم عصر ندرة؟ وهل لا يزال هناك من يحرس العَلْوَة كما في السابق؟
في جغرافيا المتخيل، تأخذنا العَلْوَة في سفر عبر الزمن، بعيدًا عن صخب المدن، إلى قلب البادية المغربية، حيث توصف بأنها “زينة البلدان التي خرجو منها شلاَّ قومان”. يرتبط المصطلح في بنيته اللغوية بمفهوم “العُلُو”، أي المرتفعات. وتمتد العلوة عبر هضاب الشاوية العليا، في محيط مدن سطات، وبرشيد، والكارة، وبنسليمان، والنواصر، والمحمدية (فضالة)، ومديونة، كفضاء تاريخي احتضن قبائل بني هلال واتحادية قبائل الشاوية، وصولًا إلى سهول تادلة وسايس والجنوب الشرقي، حيث امتد نفوذ دولة بني مرين.
* إرث بني هلال وضمانات المكان:
تحتل العَلْوَة موقعًا استراتيجيًا في قلب الشاوية، يحدها شمالًا قبيلتا لمذاكرة وأولاد حريز، جنوبًا بني مسكين، ومن الشرق بني عمير، وغربًا أولاد سي بن داود، وشمال غرب زعير، وشرقًا ورديغة. وتشير المصادر التاريخية، مثل كتاب “الإستقصا” للناصري، إلى أن بني هلال لعبوا دورًا محوريًا في نشر الإسلام والعربية في مناطق زناتة، وأسهموا في تأسيس دول بني يفرن، ومغرواة، وبني مرين، بعد القضاء على برغواطة، الذين كانوا قد ادعوا النبوة ووضعوا نصوصًا دينية بديلة.
إلى جانب بني هلال، شهدت الشاوية استقرار قبائل عربية أخرى خلال القرنين الرابع والخامس الهجري، مثل بني سليم، وبني معقل، وبني رياح، وجُشَم، وكلها تركت أثرًا واضحًا في البنية السوسيولوجية والثقافية للمنطقة، حيث اختلطت أنماط العيش القبلية بالأعراف المحلية، ما أدى إلى تشكيل نسيج اجتماعي مميز قائم على التوازن بين النفوذ القبلي والسلطة المركزية.
أما ضمان العلوة، فهم أربعة أولياء صالحين: سيدي حجاج، وسيدي امحمد البهلول، وبويا الجيلالي، وسيدي بلقاسم. وجود هؤلاء في الذاكرة الشعبية يشير إلى مفهوم “الضمانات الجماعية”، حيث كان الناس يشعرون بالأمان في ظل حراسة روحية للمكان. في تلك الحقبة، كان نظام “الزطاطة” (الخفر) ضروريًا لحماية القوافل من قطاع الطرق، خاصة في بلاد السيبة، حيث غابت سلطة المخزن وحلّت محلها أشكال من الأمن الذاتي الجماعي.
* العلوة بين الرمز والواقع: عندما يتحول المكان إلى سلطة:
“واهيا الغادي العلـوة.. تعالى نوصيك بعـدا.. إلى لحكتي سلم.. في العلوة لا تتكلـم.. العلوة كَاع سيوف.. هز عينيك وشوف..”
بهذه العبارات الشعبية، تتجلى صورة العَلْوَة كفضاء تتحكم فيه الأعراف والتقاليد، حيث يتوارث الناس قانونًا غير مكتوب يحكم السلوكيات والتفاعلات الاجتماعية. لم تكن العَلْوَة مجرد مكان، بل شكلت سلطة اجتماعية قائمة بذاتها، تستمد قوتها من القداسة والرمزية والتاريخ.
تظل جغرافيا العلوة متشابكة مع المقدس، حيث استمرارية المواسم، والفلكلور الشعبي، والفنطازيا، والتبوريدة، وطقوس قراءة الفاتحة قبل ركوب الجواد، في تقاطع بين التقليد الديني والعرف القبلي. وفي هذا الإطار، يقول الموروث الشعبي:
“لعار أمول التوتة.. لمواسم فيك منعوتة.. إلى لحقتي الباب توضأ وتأدب.. وزُر جميع لقبب..”
* العلوة من الانتشاء إلى علم الأعصاب: الدوبامين والتجربة الجماعية
لكن كيف يصل الإنسان إلى حالة من النشوة الروحية تُحفِّز إنتاج الدوبامين، ذلك الهرمون المرتبط بالسعادة والراحة النفسية؟
ترتبط العَلْوَة في الوجدان الجماعي بتجربة حسية وروحية مكثفة، حيث تتيح الطقوس الجمعية، مثل “السواكن” و”كناوة” و”الحال” و”الغيْوان” و”الجدبة” و”العيْطة” والحضرة، هي فرصة للوصول إلى حالات وجدانيّة تتجاوز الإدراك العادي.
علميًا، يُعزى هذا إلى الدور الذي تلعبه الموسيقى والحركة الإيقاعية والتجربة الجماعية في تحفيز إفراز الدوبامين في الدماغ. هذا، وتشير الدراسات في علم الأعصاب، مثل أبحاث (روبرت زاتوري) حول تأثير الموسيقى على الدماغ، إلى أن الإيقاعات المتكررة والتجارب الجماعية تؤدي إلى تنشيط مناطق المكافأة في الدماغ، مما يرفع مستويات الدوبامين، ويُحدث إحساسًا بالنشوة الروحية المشابهة لما يصفه الصوفيون بـ”الوجد”. في هذا السياق، لا تعد العلوة مجرد فضاء احتفالي، بل هي مختبر اجتماعي حيث تُختبر حدود الجسد والروح ضمن إطار طقوسي منظم.
* العَلْوَة كفضاء روحي واجتماعي:
العَلْوَة ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي امتداد للوجدان الجمعي، حيث يختلط التاريخ بالمقدس، والمتخيل بالواقعي. إنها فضاء يحمل معاني متعددة: فهي رمز للفرح والسعادة، ولكنها في الوقت ذاته فضاء للغموض والسراب، تمامًا كالأحلام التي تسافر بنا عبر الزمن والخيال.
* الخلاصة:
إن العَلْوَة ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي جزء من هوية متحولة، تُعيد تشكيل نفسها باستمرار بين الأسطورة والتاريخ، بين الواقع والمتخيل، بين الجغرافيا وروحانيّة وسحنة صوفيّة للمكان والزمان.





