إعادة بناء الفهم الديني: بين النص والتطبيق..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* * الدكتور عبد الله شنفار

 

 

 

يمثل الدين أحد المرتكزات الأساسية للهوية الثقافية للمجتمعات، وهو ليس مجرد منظومة اعتقادية، بل قوة حيوية تؤثر في السلوك الفردي والجماعي. غير أن المشكلة الأساسية التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم ليست في غياب الدين، بل في الفجوة بين النص والممارسة، حيث تحول التدين في كثير من الأحيان إلى طقوس شكلية تفتقد الروح الحقيقية التي جاءت بها التعاليم الدينية. هذا التباعد بين النصوص والممارسة أفرز حالة من الجمود الفكري، مما يستدعي مراجعة جذرية للفهم الديني بحيث يكون أكثر تفاعلًا مع الواقع وأكثر قدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية.
* إشكالية ردم الفجوة بين الدين والتدين:
إن العلاقة بين الدين والتدين ليست علاقة تطابق بالضرورة، فالتدين هو انعكاس اجتماعي وثقافي لفهم معين للدين، وقد يبتعد هذا الفهم عن مقاصد النصوص الدينية. في المجتمعات الإسلامية، نشأت تدريجيًا حالة من المبالغة في التركيز على الجزئيات الفقهية والطقوس التعبدية، بينما تم إهمال الجوانب الكبرى التي شكلت جوهر الرسالة الإسلامية، مثل العدل الاجتماعي، والمساواة، والحرية.
إن محمداً ابن عبدالله عليه السلام، في خطبة الوداع، وضع أسسًا واضحة لمنظومة أخلاقية واجتماعية عادلة، تتجاوز الأطر الضيقة للعبادات، وتركز على حقوق الإنسان، واحترام كرامة الفرد، وتحقيق التوازن في العلاقات الاجتماعية. غير أن هذه المبادئ غُيِّبت لصالح التركيز على المسائل الشكلية، مما أفرز تيارات دينية تبتعد عن روح النص، وتغرق في التفاصيل الثانوية، بينما تتجاهل الإشكالات الكبرى التي تواجه المجتمعات.
* نحو متطلبات إصلاح ديني: دروس من تجارب أخرى:
إن إصلاح الفهم الديني ليس بدعة، بل هو ضرورة لضمان استمرارية الدين كقوة مؤثرة في الحياة العامة. التاريخ يشهد بأن الأديان الكبرى مرت بمراحل إصلاحية أحدثت تحولات جوهرية في علاقتها بالمجتمع. أحد الأمثلة البارزة على ذلك هو الإصلاح البروتستانتي في أوروبا، الذي لم يكن مجرد انشقاق ديني، بل كان ثورة فكرية حررت الممارسة الدينية من سلطة رجال الدين، وفتحت الباب أمام اجتهادات جديدة في فهم النصوص.
وعلى الرغم من الاختلاف في السياقات، فإن الفكرة الجوهرية التي يمكن استخلاصها من التجربة البروتستانتية هي الحاجة إلى تحرير الفهم الديني من القيود التي تعطل قدرته على التفاعل مع الواقع. وهذا لا يعني هدم التراث الديني، بل إعادة قراءته في ضوء المستجدات الاجتماعية والعلمية، بحيث يصبح الدين أكثر قدرة على إلهام المجتمعات، لا على إعاقتها.
* إشكالية إقصاء العلوم الإنسانية من الفهم الديني:
من أبرز العوائق التي تواجه إصلاح الفكر الديني في المجتمعات الإسلامية اليوم هو العداء أو التحفظ تجاه العلوم الإنسانية، حيث ينظر البعض إليها على أنها تهديد للفكر الديني، رغم أنها في جوهرها أدوات تحليلية تساعد على فهم المجتمعات وتحولاتها.
إن العلوم الإنسانية، مثل علم الاجتماع، والفلسفة، وعلم النفس، ضرورية لفهم الدين في سياقه الاجتماعي، ولتقديم قراءة أكثر عمقًا للنصوص الدينية. فعلى سبيل المثال، فإن دراسة التاريخ الديني من منظور علم الاجتماع يمكن أن تكشف عن العوامل التي أثرت في تفسير النصوص عبر العصور، وتساعد على فهم لماذا سادت بعض التأويلات، بينما تم تهميش أخرى.
وفي السياق الأوروبي، نجد أن الفاتيكان نفسه تبنّى علوم الاجتماع والنفس في دراساته حول تأثير الدين في المجتمع، مما ساعده على تطوير خطابات دينية أكثر ملاءمة للعصر الحديث. أما في المجتمعات الإسلامية، فلا يزال هناك تردد في إدماج العلوم الإنسانية في مناهج تكوين الفقهاء وعلماء الدين، مما يجعل الخطاب الديني عاجزًا عن استيعاب التحولات الاجتماعية المعقدة.
* التوظيف السياسي للدين: إشكالية العلاقة بين السلطة والمقدس:
إحدى الإشكالات الكبرى التي تعيق تطور الفكر الديني هي العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة. فمنذ قرون، كان هناك خلط بين المجالين، حيث وظفت السلطة الدين لتبرير شرعيتها، بينما حاول بعض الفقهاء إخضاع السياسة لسلطة النصوص الدينية، مما خلق توترات مستمرة بين الديني والسياسي.
إن التجربة التاريخية تثبت أن الحل لا يكمن في القطيعة التامة بين الدين والسياسة، كما أنه لا يكمن في دمجهما بشكل مطلق. فالولايات المتحدة، مثلًا، لم تفصل الدين عن المجتمع، لكنها فصلت بين النصوص الدستورية والخطاب الديني، مما سمح بوجود تأثير روحي دون هيمنة دينية على القرار السياسي.
في السياق الإسلامي، تحتاج العلاقة بين الدين والسياسة إلى إعادة صياغة بحيث يكون الدين مصدرًا للقيّم الأخلاقية العامة، دون أن يتحول إلى أداة لشرعنة السلطة السياسية. وهذا يتطلب تطوير فهم جديد لمفهوم “الشورى”، بحيث لا يبقى مجرد مصطلح نظري، بل يتحول إلى ممارسة ديمقراطية حقيقيّة تحترم إرادة الشعوب.
* خلاصة أولى:
نحو تجديد الفهم الديني:
إن إصلاح الفهم الديني ليس خيارًا، بل ضرورة تاريخية تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها العالم. إن أي محاولة للإبقاء على الفهم التقليدي للدين دون مراجعة نقدية ستؤدي إلى مزيد من الانغلاق، وإلى تعزيز الفجوة بين الدين والمجتمع.
* خلاصة ثانية:
إن المطلوب اليوم هو إعادة قراءة النصوص الدينية بروح جديدة، تستفيد من العلوم الإنسانية، وتفصل بين الدين والسياسة دون إقصاء أي منهما، وتعيد التركيز على المبادئ الكبرى للإسلام، مثل العدل والحرية والمساواة، بدلًا من الانشغال بالجزئيات التي لا تقدم حلولًا حقيقية للمشكلات المعاصرة.
* خلاصة ثالثة:
إن أي نهضة فكرية تبدأ بإصلاح طريقة التفكير، وهذا الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توافرت إرادة جماعية لإعادة بناء المفاهيم الدينية بما يتناسب مع متطلبات العصر، دون أن يفقد الدين جوهره الروحي الذي يشكل أساس هويته.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...