هندسة الاستفزازات الموجّهة: قراءة إستراتيجيّة في استهداف الجاليّات المسلمة وإعادة إنتاج التهميش..

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

لا تأتي بعض الاستفزازات التي تستهدف الجاليّة المسلمة في الغرب من فراغ، بل تنبع من مخططات محكمة تُحاك في الظل.
نستحضر مثلاً مسألة حرق المصحف، التي تتكرر بتواتر مثير للريبة، فهي ليست مجرد فعل عابر من شخص مختل أو متطرف؛ بل غالبًا ما تكون جزءً من إستراتيجيّة مركّبة، تُدار خيوطها من طرف أكثر من جهة، حيث تبدأ من دوائر اليمين المتطرف ولا تنتهي عند بعض الأجهزة التي لها أهدافها الخاصة.
* نفس السيناريو يتكرر بتقنيات شبه ثابتة:
1. الشرير المنفِّذ: بحيث يُستدعى شخص تافه ومشحون بالحقد وبالكراهيّة، ليقوم بالفعل والعمل الاستفزازي أمام الكاميرات.
2. الرد العاطفي الاندفاعي من طرف بعض الأغبياء: بحيث يُدفع بعض المسلمين للرد بعنف وغالبًا دون وعي بسياق اللعبة الكبرى.
3. الانتهازيون المتحمسون: ويظهرون في الإعلام والمنصات ويحللون ويُحرّضون ويسبون ويشتمون وينفخون في نار الغضب، كل ذلك بمنطق رد الفعل لا الفعل.
4. المخططون الباردون: وهؤلاء لا يتحدثون، بل يحصون النتائج ويستثمرونها من خلال تعزيز خطاب الحقد والكراهية وتسويق الخوف وتمرير سياسات إقصائيّة ورفع شعارات مثل: “لا تعايش ممكن مع المسلمين.” قصة تتكرر بنفس الخطوات وبنفس الضحايا ونفس الرابحين.
في كل مرة، يسقط البعض في الفخ ذاته وتُعاد صناعة الهامش الإسلامي، عن قصد أو عن جهل. والغريب أن الوجوه نفسها تظهر على الساحة: أصحاب العمائم المسطّحة من مشايخ العصر الذين لا سلامة في فتواهم لا فكراً ولا شرعاً، يتصدرون المشهد باعتبارهم “حماة الدين”، يصرخون وينددون ويستنكرون ويلعنون الدول والمؤسسات، لكنّهم لا يجرؤون على طرح سؤال بديل: هل هناك طريق أو مسار آخر جديد؟ أو عقلانيّة إستراتيجيّة توازن بين الغضب والذكاء؟
الحقيقة أن هذا النمط من الانجرار المتكرر لا يخدم سوى خصوم المسلمين. أما من يدّعون أنهم ناطقون باسم الدين؛ فإنهم مع الأسف الشديد، يفضلون “بطولة رد الفعل” على مشقة التفكير في الحلول. فهم يستثمرون في أزمة دائمة، لا في مشروع دائم. بل يفضلون التثبيت في دور الناطق الرسمي باسم الغضب الأعمى، لأنه يضمن لهم استمرار المتابعة والنجوميّة اللحظيّة.
لقد آن الأوان للتفكير خارج هذا القالب والصندوق المأزوم والنظر في كيفيّة تحويل الاستفزاز إلى فرصة لإعادة تعريف الذات وتطوير خطاب عقلاني لا يُستدرج، بل يُبادر.
* من الاستدراج إلى الاستباق:
إن إعادة إنتاج المسلمين كضحايا متكررين في مسرحيّة الاستفزاز؛ لا ينبغي أن تتحول إلى قدر محتوم؛ بل إن تكرار السيناريو ذاته يجب أن يدفعنا إلى كسر الحلقة، وذلك من خلال التفكير النقدي والانتقال من موقع المستهدف إلى موقع المُبادر.
ولذلك، يمكن طرح بعض المداخل العمليّة التي تستحق النقاش داخل الأوساط المسلمة، لا سيما في أوروبا:
1. بناء وعي استراتيجي جماعي: الوعي الذي لا يتغذى فقط على الغضب والانفعال، بل يتغذى على تحليل السياقات العامة وفهم أهداف الاستفزاز وامتلاك أدوات تفكيكه.
2. تطوير خطابات بديلة: الحاجة ماسّة إلى وجوه جديدة قادرة على تمثيل المسلمين بخطاب عقلاني وذكي وغير معتذر لكنه غير متهور، يعبر عن الكرامة الوجوديّة للإنسان، دون صراخ ويدافع عن القيّم دون تهديد.
3. تأسيس مرصد متخصص في رصد وتفكيك خطاب الكراهية والاستفزازات: يكون أداة معرفيّة وتحليليّة، غير حكوميّة، ترصد الحوادث وتكشف خلفيّاتها وتفكك بنيتها النفسيّة والسياسيّة وتساهم في إنتاج سرديّة مضادة.
4. بناء تحالفات مدنيّة ذكيّة: فالمسلمون ليسوا وحدهم في ساحة الدفاع عن القيّم الإنسانية ويمكن توسيع جبهة التضامن مع مكونات مدنيّة أخرى ترفض العنصريّة وخطاب الإقصاء والحقد والكراهيّة، شرط الحفاظ على الخصوصيّة والوضوح في المواقف.
* والخلاصة:
لا يجوز للمسلمين أن يظلوا في موقع ردة الفعل الأبدي. فالتعايش لا يُنتزع بالعنف ولا يُحمى بالصراخ، بل يُبنى بالعقل ويُرسّخ بالمبادرة ويُربح بالتماسك الداخلي والبصيرة العميقة.
وأخطر ما في هذه اللعبة ليس فقط تكرارها؛ بل تكرار فشلنا في قراءتها. التاريخ يعيد نفسه، لكنه هذه المرة لا يفعل ذلك كملهاة؛ بل كخدعة مستمرة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...