الولاءات الضيّقة وأزمة تمثيل تنوع المجتمع المغربي..

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ

 

 

«لقد خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ خرجنا من معركة التحرر الوطني إلى معركة بناء الإنسان وتشييد الدولة العادلة.» (العهد الملكي لجلالة الملك محمد الخامس، خطاب الاستقلال.)
سؤال بناء الدولة الوطنية في المغرب، منذ لحظة الاستقلال، رهين معضلتين أساسيتين: ولاءات اجتماعية ضيقة لم تستوعب تعددية البنية المجتمعية، ومشروع سياسي حداثي ظل معلقاً بين الشعارات ومتطلبات الواقع المركب.
لقد كان الرهان المركزي يتمثل في تحويل تنوع الأعراق والثقافات إلى رافعة للوحدة الوطنية، غير أن الخيال السياسي المحدود للنخب الصاعدة، وعجزها عن تأسيس عقد اجتماعي متين، قاد إلى تفويت هذه الفرصة التاريخية.
يندرج هذا المقال ضمن محاولة نقديّة لتفكيك هذه الأزمة المركبة، بالاستناد إلى قراءة تحليليّة وتركيبيّة لمحطات التأسيس الأولى للدولة، واستلهام خلاصات بعض الأبحاث العلميّة الكبرى، وعلى رأسها دراسة باسكون ونجيب بودربالة حول علاقة القانون بالواقع في المجتمع المغربي المركب.
كما نسعى إلى إبراز كيف أن الولاءات التقليديّة، والعجز عن إدارة التنوع الثقافي، أسهما معاً في خلق بنية سياسيّة واجتماعيّة هشة لا تزال ترهن تطلعات المغرب إلى اليوم.
لم تكن لحظة الاستقلال المغربي نهاية معركة الاستعمار فحسب، بل بداية معركة أعقد: معركة بناء الدولة الوطنيّة الحديثة. هذا، وقد اختصر جلالة الملك محمد الخامس، طيّب الله ثراه، هذا التحول الجوهري حين قال: «لقد خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، مشيراً إلى أن معركة التحرر من الاستعمار العسكري كانت أيسر بكثير مقارنة بمعركة بناء الإنسان والمجتمع والدولة.
كان الرهان الأساسي يتمثل في تحويل تنوع المجتمع العرقي والثقافي إلى قوّة دافعة نحو الوحدة، لا إلى قنبلة موقوتة تحت جلد الكيان الوطني. غير أن الولاءات الضيقة التي طبعت ملامح الفعل السياسي والاجتماعي في مغرب ما بعد الاستقلال، سرعان ما كشفت عجزها عن استيعاب هذا التنوع في تركيبة المجتمع واحتواء الصراع، بل وعن هشاشتها البنيويّة أمام تحديات العصرنة والدمقرطة.
لإزالة الألغام من حقل هذه الدراسة؛ سأتناولها من خلال خمسة محاور رئيسيّة:
1. المحور الأول: نخبة عاجزة وخيال سياسي محدود:
حين نقرأ في “محاضن” النخب التي تولت القيادة بعد الاستقلال، ندرك أننا أمام نخب غير مؤهلة لا معرفياً ولا تاريخياً ولا أيديولوجياً لاحتضان المرحلة. لقد افتقرت هذه النخب إلى الخيال الاستثنائي القادر على تصور مجتمع جديد واكتفت بامتلاك خيال حرج ودفاعي، يرى إلى العالم بعين الريبة والتوجس.
هذا، ولما عجزت عن تعبئة الجماهير الشعبيّة وبناء عقد اجتماعي جامع، لجأت إلى شبكات الطبقات التقليديّة: تراهن على أعيان المدن والبوادي والوجهاء والفلاحين والتجار الكبار والمستثمرين ومشايخ القبائل والشرفاء، مستثمرة نفوذهم الموروث لإحكام السيطرة السياسيّة والاجتماعيّة. غير أن هذا الرهان لم يكن سوى إدارة وتدبير مؤقت للأزمة، إذ رسّخ البنية التقليديّة وأبقى قوى المجتمع الحيّة رهينة لوكلاء النظام القديم.
2. المحور الثاني: قشور الحداثة ومشاريع الإخفاق:
رفعت الدولة المغربية بعد الاستقلال شعارات الحداثة والتنمية والتعليم، وكان من أبرز مظاهرها الحديث عن فرص تعليم اجباري طال تعليم الرحل وإدماج الهوامش من خلال سياسات الاستقرار والتوطين والتعريب والمغربة. غير أن هذه المشاريع غالباً ما اقتصرت على القشور: مدارس بدون رؤية حقيقيّة ومناهج منفصلة عن واقع الرحل والهوامش ومبادرات تنمويّة تخضع لمنطق الرشوة السياسيّة أكثر من حاجيات السكان الفعليّة.
وهكذا ظل أبناء الهوامش يرزحون تحت نير الأمية والجهل، رغم كل الدعاوى الرسميّة بالإنجاز. تحول الرحل إلى مجرد “أرقام” في تقارير حكوميّة لا أكثر، فيما استمرت البنية الاجتماعيّة في إعادة إنتاج وتدوير الإقصاء والتهميش والفقر باسم “التنميّة البشريّة”.
3. المحور الثالث: التنوع العرقي وأسباب التعسف الثقافي:
يتكوّن المغرب من خليط إثني وثقافي ثري: ومن مكونات الهوية المغربية نجد: الهوية العربية والإسلاميّة والأمازيغيّة ومن روافدها: الحسّانيّة واليهوديّة والأندلسيّة والمتوسطيّة والأفريقيّة. غير أن التنوع، بدل أن يكون ثراءً حضارياً، استُخدم في أحيان كثيرة كذريعة لممارسات تعسفيّة ثقافياً وسياسياً. فقد فُرضت ثقافة رسميّة موحدة وهوية قوميّة واحدة، في تجاهل متعمد للتعدد اللغوي والهوياتي، مما أسّس لمظالم صامتة تأجل انفجارها إلى توترات وحراكات اجتماعيّة لاحقة.
لقد أدى غياب الاعتراف الحقيقي بالتنوع إلى صراعات تحتيّة خفيّة بين مكونات المجتمع، وأنتج ثقافة سياسيّة تنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً وليس إمكانية للاغتناء.
* نافذة تحليلية: قراءة في ضوء باسكون وبودربالة:
لقد سبق للباحثين بول باسكون ونجيب بودربالة، في دراستهما المرجعية «Le Droit et le Fait dans la Société Composite»، أن نبها إلى عمق التعقيد البنيوي الذي ميّز النظام القانوني والاجتماعي المغربي عقب الاستقلال.
ففي مجتمع مركب، حيث تتقاطع الأعراف والقوانين الوضعية والشرائع الدينية، بيّن الكاتبان كيف أن “الحق والقانون” و”الواقع” يسيران غالباً في مسارين متوازيين، بل أحياناً متناقضين. وهذا التوتر بين “الحق والقانون والأعراف” و”الواقع” لم يكن مجرد ظاهرة قانونيّة سطحية، بل كان تعبيراً عن أزمة عميقة في تمثيل التنوع وفي بناء عقد اجتماعي حقيقي جامع.
من هذا المنظور، فإن الولاءات الضيقة التي انتقدناها آنفاً، لم تكن مجرد خيار سياسي عابر، بل كانت امتداداً لبنية مزدوجة ترى في التنوع خطراً ينبغي احتواؤه عبر “تدبير القوانين والأعراف” أكثر من بناء وحدة وطنيّة فعليّة.
4. المحور الرابع: الدستور يستهدف ثلاث قضايا رئيسية كبرى وهي:
1. قضية وجود؛ وتعني ضمان وجود الدولة والإنسان على رقعة أرضية.
2. قضية أمن واستقرار واستمرار؛ أي ضمان استمرارية وغياب كل مسببات العنف وكل ما من شأنه زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
3. قضية تنمية وبناء وعمران؛ وتعني تطور وازدهار في جميع الميادين والمجالات.
ثانيًا: محور تحقيق الأمن والسكينة والطمأنينة والصحة والسلامة للساكنة؛ التي بدونها لا يمكن تحقيق الاستقرار.
5. المحور الخامس: الإدارة والتدبير الذي من مقوماته: وجود ثلاث عناصر وهي: الإنسان؛ والموارد الطبيعية أو التراب؛ ثم عامل الوقت أو الزمن.
وتوجد خمسة أركان تقوي وجود الدولة؛ من خلال تركيز تفكير الشعوب والأمم؛ على الأبعاد والركائز الأساسية التالية:‏
1. العمل الوطني المشترك؛
2. السلم والسلام الاجتماعي؛ لتحقيق الأمن المجتمعي؛
3. تحقيق ألأمن القضائي والقانوني والعدالة؛
4. ترسيخ قيم المواطنة الحقيقية؛
5. عمليات التسويات والتوافقات والتراضي العادل؛ وتغييب التناحر اللامتناهي في الزمان والمكان؛
وبالتالي، فإن المشروع الحداثي الرسمي ظل رهين استراتيجيات ترميميّة فوقيّة، لم تُفلح في تأسيس شرعيّة قانونيّة ومجتمعيّة متصالحة مع تعدديّتها الذاتيّة.
* خلاصة مفتوحة:
اليوم، وبعد مرور عقود على الاستقلال، يعود سؤال الوحدة الوطنيّة ليفرض نفسه من جديد: كيف يمكن للمغرب أن يبني مشروعاً وطنياً جامعاً لا يقوم على إقصاء التنوع، بل على تحويله إلى طاقة خلاقة؟ وهل تملك النخب الجديدة خيالاً سياسياً رحباً يخرجنا من أسر الولاءات الضيقة، أم أننا محكومون بإعادة إنتاج نفس الحلقة المفرغة بتسميات أكثر حداثة ولكن بنفس الجوهر القديم؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...