بين الوهم والاستنزاف: قراءة إستراتيجيّة في فشل التنظيمات المسلحة في تحقيق مشاريع مجتمعيّة..
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
منذ عقود، ما تزال بعض التنظيمات المسلحة تروّج لما تسميه “مشروع مقاومة” أو حق تقرير المصير أو التحرير. بينما تظل في الواقع تراوح مكانها في خنادق الاستعداد الأبدي.
إنها مشاريع مرتبكة، تفتقر إلى رؤية متكاملة، فتستهلك الزمن وتهدر رصيدًا بشريًا ثمينًا من خيرة الشباب الطموحين، الذين اندفعوا مدفوعين بعاطفة متأججة ووعود فضفاضة، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أسرى لوهم كبير.
* جبهة البوليساريو: بين الكفاح وبيع الوهم:
منذ إعلان تأسيسها سنة 1975، ترفع جبهة البوليساريو شعار “الكفاح المسلح” ضد المغرب، لكن واقع شباب وعموم ساكنة تندوف يُبرز سؤالًا صارخًا: بعد مرور 50 سنة، أي نصف قرن من الزمن؛ ما الذي تحقق فعليًا؟ هل تطورت المنطقة؟ هل تحققت تنمية؟ هل توفرت فرص حقيقية للعيش الكريم؟
الواقع أن ما حدث لا يتجاوز لعبة استنزاف طويلة تُدار من الخارج وتُباع وتسوق فيها الأوهام وتروح تحت شعارات التحرير والانفصال.
* النموذج الأفغاني: من طورا بورا إلى خراسان:
أما النموذج الطالباني، فهو يتكرر بشكل شبه نمطي مع كل جولة تاريخية. بدءً من أفكار الملا عمر وبن لادن وصولًا إلى “دولة الخلافة” (داعش)، حيث نجد نمطًا واحدًا: تمركز عسكري واستعمال شعارات دينية وسقوط مدوّ في الحكم وانهيار فادح في الاستراتيجية. لم يتحقق أي مشروع تنموي فعلي ولم يُنتج نموذجًا سياسيًا مستقرًا. بل إن الفشل الاستراتيجي هنا لا يمكن حجبه بأي نجاح تكتيكي ظرفي، كانسحاب الجيش الأمريكي أو سيطرة طالبان مجددًا على كابل.
* النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي: مفارقة العقل العربي؟
ما نلاحظه هنا هو مفارقة متكررة في العقل السياسي العربي والإسلامي: الانبهار بالنجاح التكتيكي (معركة تفجير هنا أو هناك، انسحاب للعدو…) يقابله غياب تام للنجاح الاستراتيجي (مشروع دولة أو أجندة محكمة أو نموذج حكم واستقرار وتنمية وعمران). لا خريطة نوايا، ولا خطة استراتيجية واضحة، بل إدارة بالعاطفة، واحتفاء بالغضب على حساب العقل.
* غياب التفكير الاستراتيجي:
– التفكير الاستراتيجي يقوم على ركيزتين أساسيتين:
1. التوقّع: ومعناه؛ استشراف المستقبل وتحليل الاتجاهات ورصد المتغيرات قبل أن تقع، بما يتيح لصاحب القرار أن يكون مستعداً لا مباغتاً.
2. التموضع (التموقع): ومعناه؛ اختيار الموقع أو الوضعيّة الأنسب ضمن المشهد العام (سواء كان سياسياً، اقتصادياً، عسكرياً، أو اجتماعياً) بما يضمن تعظيم الفُرص وتقليل المخاطر، وهو لا يكون عشوائياً أو ارتجاليّاً، بل بناءً على قراءة دقيقة للميزان القائم بين القوى والفرص والتهديدات.
وبين التوقّع والتموقع، تتولد باقي أدوات الفكر الاستراتيجي:
– التكيّف مع المتغيرات؛
– المرونة في تعديل المسارات؛
– الزخم في الفعل، بحيث لا يبقى حبيس ردود الأفعال.
– تصور واضح للهدف النهائي.
– مرونة تكتيكيّة وتحديث مستمر للأدوات.
– إدارة مدروسة للموارد البشريّة والزمنيّة؛
– تغذية راجعة تصحّح الانحرافات.
أما ما نراه فهو غياب شبه تام لهذه العناصر، مما يُحوّل الحركات المسلحة إلى أدوات توظيف خارجي أو مشاريع انفصال عقيمة لا تتجاوز حدود الخندق أو الكهف.
* نحو استئناف الوعي البنّاء:
البديل الحقيقي لا يكمن في تبني خطاب القوة الصلبة، بل في بناء مشروع مجتمعي حقيقي، آمن ومستقر، تتوفر فيه المؤسسات والقوانين والدولة التي تشتغل.
إن الانخراط في هذا المشروع، بما يتيحه من سلم اجتماعي ومساحات للتأثير، أكثر فعالية وجدوى من رهان القوة والمجابهة.
فإلى متى الانتظار في هامش “الاستعداد”؟
* خلاصة:
يواجه هذا الجيل من الشباب خيارًا ثلاثيًا:
1. المجازفة في طريق العنف والفوضى.
2. الانخراط في مشروع التحديث العقلاني والمجتمعي.
3. القطيعة مع الماضي الانفعالي واستئناف البناء الهادئ والمثمر.
فلننتقل من تفريغ العاطفة إلى تأسيس الوعي، ومن الانفعال إلى الفعل، ومن المقاومة الشعاراتية إلى الاستراتيجية المستدامة.





