د. عبد الله شنفار
تُعدّ أضحية العيد من الشعائر الدينية ذات الرمزية الاجتماعية العالية، غير أن الحكم الفقهي المتعلق بها ظل موضوع جدل بين العلماء، نتيجة لانتمائها إلى فضاء الفقه الظني لا إلى الفقه القطعي. يفتح هذا المعطى بابًا لمساءلة العلاقة بين الاجتهاد الفقهي والتحولات القيمية في المجتمع، بما يعيد طرح إشكالية مركزية: كيف يتفاعل الفقه مع القيم؟ وهل الاجتهاد أداة تقييد أم وسيلة تحرير لفهم الدين في سياق متغير؟
أولًا: فقه القطعيات وفقه الظنيّات: مفارقة جوهرية
في التقسيم الأصولي، تنتمي الأحكام الشرعية إلى مجالين:
القطعيات: وهي ما ثبت بدليل قطعي في الثبوت والدلالة، ولا يُقبل فيها الاجتهاد، مثل وجوب الصلاة والزكاة.
الظنيّات: وهي ما لم يثبت فيه دليل قطعي، فيبقى الاجتهاد فيها مفتوحًا، وتخضع لتقدير العلماء في ضوء السياقات الاجتماعية والنصوص الشرعية.
أضحية العيد تُعد نموذجًا لهذا الأخير، حيث يرى جمهور العلماء أنها سُنّة مؤكدة، بينما يرى الحنفية وجوبها، لعدم ورود دليل قطعي الثبوت والدلالة بشأنها.
ثانيًا: الاجتهاد ومفهوم النسبية في الرأي الفقهي
ينفي فقه الظنيات احتكار الحقيقة الفقهية، ويفتح المجال أمام تعدد القراءات. يقول الإمام الشافعي:
«رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»،
وهو قول أصبح قاعدة أصولية تُدرّس في كتب الفقه والأصول، ويجسّد تواضع العلماء أمام النصوص وظروف تأويلها.
لكن بعض الاتجاهات تُمارس نوعًا من الوثوقية الفقهية، حيث تُعامل اجتهادات ظنيّة كأنها قطعيات، وتبني عليها مواقف قيمية متصلّبة، تُشبه – استعارةً – القياس بمسطرة معوجة تُنتج قراءات غير دقيقة للواقع، ثم يُدافع عنها وكأنها النموذج الصحيح الوحيد.
ثالثًا: القيم المجتمعية بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات
في ضوء مقاصد الشريعة، يمكن تصنيف القيم إلى ثلاث مستويات:
1. الضروريات: كالأمن، العدل، والانتماء؛ وبدونها ينهار المجتمع.
2. الحاجيات: كالإبداع، التعايش، والمشاركة؛ وهي مهمة للاستقرار والتقدّم، وإن لم تكن لازمة للبقاء.
3. التحسينيات: كالآداب والذوق العام؛ وهي تزيّن الحياة وتُكملها دون أن تكون شرطًا لها.
غير أن اختزال القيم في هذا التقسيم دون مراعاة ديناميتها يُفرغها من مضمونها، ويحوّلها إلى مجرد شعارات منفصلة عن الواقع، في حين أن القيم، بطبيعتها، متغيرة تتفاعل مع حاجات الناس وظروفهم التاريخية.
رابعًا: تفاعل القيم مع فقه الظنيات: علاقة جدلية لا انعكاسية
لا يُمكن اعتبار الفقه مجرد انعكاس آلي للقيم، ولا القيم مجرد إسقاط على الفقه؛ بل العلاقة بينهما تفاعلية على مستويات ثلاثة:
التأويل: حيث تُعيد القيم الاجتماعية توجيه تفسير النصوص.
الاجتهاد: الذي يُفعّل النصوص في ضوء الحاجات الجديدة.
التكيّف: الذي يُوازن بين الثوابت الدينية والتغيرات الاجتماعية.
العبودية كانت مقبولة اجتماعيًا في الماضي، فجاء الفقه متكيفًا معها. أما اليوم، فقد صارت مرفوضة قيميًا، مما حسم الموقف الفقهي منها.
في قضايا المرأة، تطورت الاجتهادات من نظرة محدودة إلى أدوار أكثر شمولًا، استجابة لتغير الأدوار الاجتماعية.
البنوك الإسلامية ظهرت باجتهاد فقهي لتضبط المعاملات وفق الشريعة، مما أثّر في القيم الاقتصادية وساهم في خلق وعي جماعي جديد.
خامسًا: بين الثوابت والمتغيرات: أين تقع القيم؟
التحدي الأساسي يكمن في التمييز بين:
قيم ثابتة كالأمانة والعدالة، التي تتقاطع مع الفقه القطعي.
قيم متغيرة كأنماط اللباس والعلاقات الاجتماعية، التي تدخل ضمن مجال الظنيات.
في الماضي، أثّرت الأعراف القبلية في مسائل كالقضاء والشهادة. ومع بروز الدولة الحديثة، برزت اجتهادات جديدة تُعيد ضبط هذه المسائل ضمن سياق قانوني معاصر.
سادسًا: تكامل لا صراع: نحو اجتهاد مرن وبنّاء
العلاقة بين الفقه الظني والقيم المجتمعية ليست علاقة تصادم، بل تكامل متبادل. فقه الظنيات يُساعد في توجيه القيم، والقيم توفر سياقًا يساعد في تطوير فهم النصوص. هذا التفاعل إذا ما أُحسن إدراكه، ينتج اجتهادات مرنة تُراعي مقاصد الشريعة وروح العصر في آنٍ واحد.
خاتمة: من التنظير إلى التنزيل
السؤال المركزي اليوم لا يقتصر على تصنيف القيم، بل على كيفية إعادة إنتاجها وتنزيلها في الواقع، بحيث تُصبح جزءًا من مشاريع التنمية والعمران، لا مجرد أفكار نظرية يتجاوزها الزمن.
من هنا، يُصبح الاجتهاد الفقهي، المستند إلى فقه الظنيات، أداةً استراتيجية في هندسة القيم المجتمعية، وتفعيل مقاصد الشريعة بما يخدم الإنسان والمجتمع في الحاضر والمستقبل.





