حَوْزُ الْمَغْرِبْ: الذاكرة الجيوسياسيّة والتاريخيّة والشعبية في بناء الهوية الوطنية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* د. عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

هنا لا يقصد بالحَوْز منطقة حَوْز مراكش الذي حكمت الأقدار بخراب بيوته بسبب الزلزال؛ الخَوْز له بُعد وسياقات أخرى.
إن “حوز المغرب” ليس مجرّد مصطلح من التراث، بل هو رؤية حضاريّة تختزل تفاعل الإنسان المغربي مع مجاله الجغرافي والسياسي والثقافي. وبين سطور الأغنية الشعبيّة وصدى الرواية الشفويّة، حيث يظل هذا المفهوم شاهدًا على أصالة التاريخ وامتداد الهوية المغربية في الزمان والمكان.
حين تُغني الحاجة الحمداوية: «أنا من حَوْزُ الْمَغْرِبْ»، لا تُطلق مجرد عبارة موسيقيّة تحمل الشجن والاعتزاز بالانتماء؛ بل تُحيي في لاوعي المتلقي مفهوماً مركزيًا عميق الجذور:
1. مفهوم “الحَوْزُ”:
بما هو تصور جيوسياسي وتاريخي وجغرافي وثقافي؛ يُحيل إلى الامتداد السيادي والرمزي للمغرب، لا فقط في لحظة زمنيّة، بل عبر تاريخٍ طويل، منقوش في الذاكرة الجماعيّة.
“حَوْزُ الْمَغْرِبْ” ليس مجرد تحديد أو تقسيم إداري ترابي أو جغرافي؛ بل هو مجال مركب يتضمن السيادة والثقافة والوجدان الشعبي، والرمزيّة الحضاريّة، مما يجعله مرآة لتاريخ المغرب ومختبرًا لتشكُّل هويته الوطنيّة.
* المعنى اللغوي والاصطلاحي: بين الحيازة والسيادة: في اللغة العربية: “الحَوْز”، كما في المعاجم الكلاسيكيّة، يُحيل إلى الحيازة والتملك والضمّ والحفظ. وهي معانٍ تكرّس الفعل السلطوي والوجود المادي على الرقعة الجغرافيّة. هذا المفهوم لم يكن محايدًا، بل وظيفيًا، يُوظّف للدلالة على السيطرة المشروعة والشرعيّة على التراب أو الارص.
* في السياق العام المغربي: الحَوْزُ خصوصيته، بحيث أصبح يُطلق على المجالات الخاضعة للنفوذ المباشر للسلطة المركزيّة، سواء كانت سلطنة أو إمبراطورية. بل تعدى ذلك لتشمل الدلالة الامتداد الرمزي للدولة المغربية، حيث كان يتم التعامل مع المناطق الخاضعة لبيعة السلطان كجزء من الحَوْزُ، حتى وإن كانت خارج المجال الجغرافي الدقيق للمملكة في لحظة معيّنة.
2. المفهوم الجيوسياسي المركب:
حَوْزُ الْمَغْرِبْ بهذا المعنى؛ هو مفهوم جيوسياسي مرن، لكنه متجذر في الوعي الجماعي والسياسي. وقد اتسع في عصور القوّة، مثلاً على عهد الموحدين، ليشمل شمال وغرب إفريقيا وجنوب الأندلس، وانكمش في مراحل الضعف أو الضغط الاستعماري.
غير أن الشرعيّة التاريخيّة والرمزيّة للحَوْز بقيت حاضرة في الوثائق، وفي الوجدان، وفي الخطاب الثقافي والديني والسياسي.
3. الامتداد التاريخي لحَوْزُ الْمَغْرِبْ: من الجغرافيا إلى السيادة:
* ما قبل الإسلام: قبل الفتوحات الإسلاميّة، شكّلت الممالك الأمازيغيّة (موريتانيا، نوميديا…) النواة الأولى لتكوين مجال سياسي شبه مستقل في غرب المتوسط. وشكلت المراكز التجاريّة الفينيقيّة والقرطاجيّة؛ بوابات للانفتاح على المتوسط، مما أرسى مبادئ التمركز والهوية المكانية.
* العصر الإسلامي: شهد هذا العصر ذروة تبلور الحَوْزُ” كمجال سيادي:
– الدولة الإدريسيّة التي وضعت الأسس السياسيّة لمفهوم السيادة المحليّة.
– المرابطون الذين ضمّوا المغرب والساحل الصحراوي وأجزاء من الأندلس.
– الموحدون الذين بلغوا أقصى اتساع جغرافي للإمبراطورية المغربية.
– المرينيون والوطاسيون وان شكلت فترة انتقالية، حيث استغلوا ضعف الدولة المرينية للوصول إلى الحكم، ولكنهم لم يتمكنوا من الاستقرار، مما أدى إلى انتقال السلطة إلى السعديين؛ الذين حافظوا على هذا الإرث مع تنويع في أساليب الحكم وبسط النفوذ.
* العصر الحديث: في العهد العلوي، وُوجه مفهوم “حَوْزُ الْمَغْرِبْ” بتحديات جديدة، منها: الأطماع الاستعماريّة الأوروبيّة، وتدويل المسألة الترابيّة. ومع ذلك، حافظت الدولة العلويّة على رمزيّة الحوز من خلال:
– المعاهدات الدولية (مثل معاهدة لالا مغنية).
– الزيارات السلطانية الرمزيّة للمناطق الحدوديّة.
– ترسيخ الارتباط الديني والسياسي بين المركز والأطراف.
في بلاد السيبة؛ وهو مصطلح تاريخي يشير إلى مناطق كانت خارج سيطرة الدولة المركزية، حيث يسود نظام القبيلة والعرف والعصبية القبلية بدلاً من القانون الحكومي.
لكن ومع ذلك؛ وعلى الرغم من المحن التاريخيّة للاستعمار الاسباني والحماية الفرنسيّة؛ يجب أن نستحضر الدعاء الصالح في المساجد والأضرحة والزوايا والرباطات لأمير المؤمنين؛ ومعناه الاعتراف بالسلطة الرمزيّة والروحيّة للسلطان؛ بغض النظر عن الموقف السياسي الأيديولوجي للجماعات. مع رفض الخضوع للسلطة المادية وفرض الضريبة وما يواكب ذلك من تجاوز وعنف الساهرين على جمع الضرائب لردع محاولات التمرد على عناصر المخزن.
4. الحوز في الوثائق والمصادر التاريخية:
* الظهائر والرسائل السلطانية: تشكل الظهائر والرسائل السلطانية مادة سياسيّة وتاريخيّة مهمّة لفهم وتحديد مفهوم الحَوْز.
– ففيها نجد الإقرار المتبادل بين السلطان وسكان الأقاليم، بما يعكس علاقة السيادة والبيعة.
– كما تكشف هذه الوثائق عن مدى مرونة وامتداد النفوذ المغربي في مناطق بعيدة مثل: توات وأدرار وتندوف.
* الخرائط: تُبرز الخرائط التاريخيّة والجغرافيّة؛ سواء المغربية أو الأوروبية؛ “الحَوْز” كامتداد مرن، يتجاوز الحدود الحديثة. وغالبًا ما تدرج هذه الخرائط مناطق واسعة ضمن المغرب، مما يُثبت الشرعيّة الجغرافيّة والسياسيّة لِحَوْز المغرب.
* المعاهدات الدوليّة: توثق معاهدات القرن 19 ومطلع القرن 20 حجم التنازلات التي فرضها الاستعمار على الدولة المغربية، لكنها تُعدّ أيضًا إثباتًا قانونيًا بأن العديد من المناطق كانت ضمن مجال “الحَوْز”، مثل معاهدة الحماية الفرنسيّة 1912، ومعاهدة طنجة الدولية.
5. الحَوْز في الذاكرة الشعبيّة والثقافيّة:
* الأغنيّة الشعبيّة؛ تمثل الأغنية الشعبيّة وسيلة فعّالة لحفظ الذاكرة الترابيّة؛ فحين تغني الحاجة الحمداوي: «أنا من حوز المغرب»، فإنها تستدعي الانتماء الرمزي إلى امتداد الأمة، لا مجرد جهة أو منطقة إداريّة. الأغنيّة هنا ليست ترفًا، بل أداة تأريخ وتوثيق. “أنا من حَوْزْ الْمَغْرِبْ” صوت الجغرافيا والتاريخ يُذكرنا بأن الأرض كانت أوسع، والهوية أعمق.
* الرواية الشفوية: تشكل الروايات المتناقلة عبر الأجيال، من شيوخ القبائل إلى الحجاج والمجاهدين، حفطاً الذاكرة “مدن مغربيّة مفقودة”، أو ما يُسمى بـ”الحوز الضائع”. هذه الذاكرة تقاوم النسيان والتجزئة وتعزز من تماسك الهوية الجماعيّة.
* الفنون الفلكلوريّة والرموز الثقافيّة: تتجلى الذاكرة الترابيّة في فنون البناء والمعمار وفي اللباس وفي طقوس الأعراس، وفي الشعر والملحون وفن الرّسمة وأحواش والركبة وأحيدوس، وفن الرسمة والشّمره، وحتى في الأمثال الشعبيّة… كلها تُعيد ربط الأفراد والجماعات بمفاهيم السيادة، والامتداد، والانتماء للمجال.
6. خلاصة: حَوْزُ الْمَغْرِبْ كرافعة لبناء الهويّة الوطنيّة الجامعة:
يمثل “حَوْزُ الْمَغْرِبْ” أكثر من مجرد مصطلح جغرافي أو تاريخي أو تقسيم أو تقطيع إداري؛ إنه إطار جامع للهوية المغربيّة، بتعدد روافدها: العربية والإسلاميّة والأمازيغيّة والحسانية واليهوديّة والأندلسيّة والإفريقية والمتوسطية والمشرقيّة.
هذا التنوع يشكّل عمقًا حضاريًا يجعل من الحوز حاملاً لمعنى السيادة الجامعة والذاكرة الجماعية المستمرة.
في عالم يعاد فيه رسم الحدود، وتمتحن فيه الهويات، فإن استحضار “حوز المغرب” يُعدّ ضرورة استراتيجية لبناء وعي جماعي تاريخي، يعزز من شرعية الدولة، ويضمن الاستمرارية السيادية والثقافية للأمة المغربية.
“أنا من حَوْزْ الْمَغْرِبْ”؛ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الأَرْضَ كَانَتْ أَوْسَعَ، وَأَنَّ الهَوِيَّةَ أَعْمَقُ مِنَ الحُدُودِ الجغرافية الحَدِيثَةِ.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...