الزعامة الحزبيّة والقدرة على احتواء الصراعات السياسيّة: وظيفة تشكل عقدة تمارين الإخفاق الإرادي
بقلم: د. عبد الله شنفار
من حسنات القنوات التلفزيونية التابعة للقطب العمومي؛ أنها تنقل للمشاهد المناقشات بين النخبة حيث تكشف حجم الهوة وعدم القدرة على احتواء النقاش في جو من التعايش، وحسن الإنصات والإصغاء؛ واحترام الرأي المُخالف والمُغاير؛ كنعمة عظيمة تؤدي إلى التسويات والتفاهمات والالتقائية حول الأفكار والآراء.
ماذا بعد أن أصبح الرصيد الشعبي غير كافٍ لإجراء جولة ثانية من الانتخابات؟ ما هي طبيعة المواجهة بين حَرَسْ القديم وحرس المعبد وحَرَسْ الحديث وحَرَسْ الظل؟ من هي هذه الأحزاب التي تعيش في عزلة بسبب هشاشة تكوين عناصرها وعجزهم في تدبير شؤون البلاد والعباد؟ وما هي طبيعة عملها ومنهجها؟ وماهي أنواعها وخصوصياتها وحدودها؟
من خلال عدم قدرتها على احتواء المعنى وإنتاجه وتوجيهه؛ كيف يمكن لأحزاب أن تزعم احتكار التأطير الشرعي للمواطنات والمواطنين، وهي لا تسيطر حتى على ولاء من يفترض أنهم حماة شرعيتها من أعضاء وكوادر الحزب وأتباعه؟
وهي وظيفة تشكل عقدة مختلف المجالس المشكلة من ممثلي الأحزاب؛ لم تقدر النخبة على التخلص منها.
يُلاحظ أنّ بعض القيادات الحزبيّة في السياق العام المغربي، تبرع في ممارسة نوع خاص من الكفاءة السلبية؛ إذ لا تغادر مواقعها إلّا وقد أنجزت، طوعًا ودون إكراه، مهام جوهريّة تأخذ عدة تمظهرات فيها الظاهرة وفيها الخفية؛ تؤدي إلى عملية تفريغ الحزب من مضمونه ووظيفته:
• الأول: المهام الخمس الجوهرية للإفراغ البنيوي للحزب
يُمارَس داخل بعض الأحزاب نمط خفي من الإفشال الإرادي يقوم على سلسلة من المهام المركّبة التي تُنَفَّذ باحترافية تحت غطاء الشرعية التنظيمية، بينما تؤدي في العمق إلى تفريغ الحزب من مضمونه السياسي، وتعطيل بنيته الوظيفية والنضالية. وهذه المهام، التي تمثل جوهر “الكفاءة السلبية”، تتوزع كالتالي:
1. تدجين السقف السياسي:
تتم عملية منهجية لخفض سقف المطالب والرهانات السياسية للحزب، سواء من حيث الشعارات أو الخطاب أو المواقف، حتى يفقد الحزب طبيعته كفاعل اقتراحي ونقدي، ويتماهى تدريجيًا مع منطق السلطة بدل أن يكون معبّرًا عن هموم المجتمع وتناقضاته. بهذا، يتحول الفعل السياسي إلى مجرد إدارة للموقع، لا مشروعًا للتحول.
2. تطهير العقل النقدي:
تُنفّذ عمليات تأديب تنظيمي ضد كل تفكير مستقل أو نقد داخلي، باسم وحدة الصف والانضباط، مما يؤدي إلى تصفية الأدمغة المعارضة للزعامة وإقصاء الكفاءات. فمتطلبات الحكمة التاريخيّة تحيل إلى القدرة على احتواء الانفعالات دون اللجوء إلى أسلوب العنف بنوعيه المادي والرمزي.
والنتيجة: حزب بلا رأي داخلي، بلا تعددية حقيقية، يتحول إلى جهاز مغلق يُدار عموديًا بلا روح تشاركية.
3. خصخصة الموارد الحزبيّة:
يتم تحويل الإمكانات التنظيميّة للحزب الماديّة والبشريّة إلى أدوات تخدم مصالح فئويّة أو عائليّة ضيقة. بحيث تتحول الفروع والكتابات الإقليميّة والجهويّة للحزب إلى واجهات مقاولات سياسيّة، ويُستعمل الموقع الحزبي لمراكمة المنافع بدل تحقيق التمثيلية. بذلك، تنمحي الحدود بين الشأن العام والخصوصي داخل الفعل الحزبي.
4. تبخير القاعدة التنظيمية:
بفعل الاستبعاد والإحباط، تتآكل القاعدة الحزبية وتضعف بنيتها، فتتقلص أعداد المنخرطين والمتعاطفين. لا يعود الحزب حاضنًا للطاقات أو فضاء للنقاش العمومي، بل يتحول إلى جهاز فوقي تديره قلة منعزلة، تكتفي بالتموقع خلال المحطات الانتخابية أو الظرفيات الرسمية.
5. تسليع الخطاب السياسي:
يُعاد تشكيل الخطاب الحزبي بوظيفة إعلامية ترويجية، تُفرغه من مضمونه الفكري والسياسي، وتحوله إلى شعارات استهلاكية ظرفية بلا امتداد نضالي أو عمق مرجعي. وبدل أن يكون أداة للتأطير والتعبئة، يصبح الخطاب وسيلة للظهور الإعلامي والبيع الانتخابي، مما يفقد الحزب هويته الرسالية.
والخلاصة: هذه المهام الخمس لا تمثل مجرد إخفاقات عَرَضية، بل هي آليات ممنهجة لتفريغ الفعل الحزبي من جوهره، تقوم بها الزعامات الورقية بوعي أو مصلحة، فتُحوِّل الحزب من فاعل جماعي إلى جهاز شخصي فاقد للشرعية السياسية والاجتماعية.
نحن أمام زعامات كرتونية لم تُفلح في إدارة التوتر داخل التنظيم ذاته، فكيف لها أن تمارس أدوار الوساطة أو التصارع المنتج مع باقي الفاعلين داخل الحقل السياسي؟ إنها زعامات عاجزة عن احتواء الأزمة، بل قد تكون شريكًا في إنتاجها وإعادة إنتاجها بصيغ جديدة.
هذا، بالإضافة إلى وجود مهام خفية وغير مرئية تمارسها بعض الزعامات الحزبية، تسهم بذكاء في تفريغ الحزب من مضمونه السياسي وتفكيك بنيته النضالية، وهي مهام مبتكرة تتجاوز الإفساد التقليدي، إذ تنخر جسد الحزب من الداخل بأساليب ناعمة تضرب جوهره من حيث لا يُتوقع
وهذه بعضًا منها:
• الثاني: المهام المبتكرة وغير المرئية في تفكيك الحزب
تتجاوز آليات الإفراغ الحزبي المهام التقليدية لتشمل مهامًا خفية ومبتكرة، تمارسها بعض الزعامات بشكل ممنهج يضرب عمق العمل الحزبي من حيث لا يُتوقع، فتؤدي إلى تفكيك البنية التنظيمية وإضعاف الفعل السياسي عبر عدة محاور:
1. تبني خطاب مزدوج:
يرفع الزعماء شعارات المعارضة في الفضاءات العامة والمؤسسات خارج السلطة، بينما يمارسون في الخفاء التواطؤ أو الخضوع التام لمراكز النفوذ داخلها. ينتج عن هذا انفصام في الوعي الحزبي، ويفقد الحزب مصداقيته أمام قواعده.
2. تحويل الحزب إلى منصة فردية لتسويق الذات:
بدل بناء جهاز جماعي متماسك، يصبح الحزب أداة لخدمة صورة الزعيم الشخصية في الإعلام والندوات وحتى التعيينات، فيختزل الحزب كله في شخصية الزعيم الأوحد، مع إلغاء الدور الجماعي والحزبي.
3. إعادة تدوير الفشل عبر الولاءات:
يُكرّس معيار الولاء للزعيم فوق معيار الكفاءة، فيُستمر في ترقية الفاشلين انتخابيًا وتنظيميًا، مما يؤدي إلى إضعاف جودة القيادة، وتكريس منطق الرداءة داخل الجهاز الحزبي.
4. مأسسة الغموض التنظيمي:
يتم تعطيل القوانين الداخلية أو تغييبها عمدًا، ويُترك كل شيء لتأويلات الزعيم ورغباته، مما يحول الحزب إلى فضاء رمادي لا مرجعية واضحة فيه، تعيق محاسبة القادة.
ومن بعض تجلياته؛ التحالف أحيانًا مع السلطة ضد القواعد؛ حيث تُبرم مساومات سرية مع مراكز النفوذ السياسي أو الإداري لضمان استمرار الزعامة، حتى ولو كان ذلك على حساب استقلالية الحزب أو مطالبه التاريخية، مما يضعف تمثيل القواعد ويُضعف دور الحزب الحقيقي.
5. احتقار وتهميشه الكفاءات الشابة والنخب الفكريّة:
يُمارس استبعاد ممنهج لكل من يمتلك رأيًا مستقلًا أو قدرة تحليلية متميزة، خوفًا من تهديد الزعامة، مما يؤدي إلى نزيف في العقول، وتصحر فكري داخل الحزب.
والنتيجة: نصبح أمام الحزب كجمعية موسميّة خاوية؛ حيث يتحول في ظل هذه الاستراتيجيات إلى ما يشبه جمعيّة موسميّة تفتقد إلى الأفق السياسي الواضح، تُستدعى فقط في فترات الانتخابات أو لتمرير الشعارات والخطابات الشكليّة، فاقدًا صلته الحقيقيّة بالمجتمع وبالزمن السياسي.
إن استئناف دور الأحزاب في التأطير والبناء المجتمعي؛ ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة حضارية تستدعيها الأزمات العميقة التي تعيشها المجتمعات، حيث تفقد منظومات المؤسسات الرسميّة قدرتها على احتواء النزاعات ذات الجذور الثقافيّة والاجتماعيّة العميقة.
ففي الزمن الذي تتزايد فيه الفجوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، تبرز الحاجة إلى أحزاب قادرة على أن تعيد إنتاج الأمان المجتمعي، وتُرمم النسيج الاجتماعي الذي تآكل بفعل النزاعات والفوارق الاجتماعية والعدالة المجاليّة والتهميش.
حسن الانسحاب السياسي المشرف من أجل حفظ ماء الوجه في الزمن المناسب قبل استنفاد الرصيد السياسي والتعاطف الشعبي والتأييد الجماهير. فقُدرات حَرَسْ القديم على العطاء؛ تحمل عِلَّة وأعراض زوالها بداخلها؛ حيث العجز المتعدد الأبعاد. وبالتالي يتم اللجوء إلى تقنية محاولة إعادة التدوير السياسي والاجتماعي في الوظائف والمهام لتكرار وإعادة إنتاج نفس الانتكاسات.





