بنية المسئوليّة الفرديّة بين الوعي الروحي والتمثّل الشعبي: تحليل بنيوي للآية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} في سياق التشريع والأخلاق والاجتماع
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
كيف يمكن لمجتمعٍ ما أن يستقيم إذا أُسقطت المسئوليّة بشكل جماعي مطلق؛ بينما جوهر الخطاب القرآني يرسّخ قاعدة فردانيّة الحساب؟
تمثل الآية القرآنية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [سورة النجم: 38] مدخلاً تأسيسيًا لإعادة تشكيل مفهوم المسئوليّة عن الفعل الفردي في الفكر الإسلامي، حيث تُقدّم مبدأً وجوديًا وقانونيًا يجعل الفردَ مركزَ الثقل الأخلاقي والقضائي.
وفي سياق موازٍ، يتردد صدى هذا المبدأ في الثقافة الشعبيّة المغربيّة عبر المثل الدارج على لسان حال تمغربيت: “كُلْ شَاةْ تْعَلَّقْ مِنْ كْرَعْتْهَا”، الذي يعبّر بلغة مجازيّة عن ذات القاعدة التشريعيّة.
تهدف هذه القراءة إلى تحليل البنى الفلسفيّة والتربوية والاجتماعيّة المتعلقة بهذا المبدأ، وفحص إشكاليته في مواجهة البنى الجمعيّة التقليديّة والمعاصرة، مع رصد تجلياته في الخطابين الديني والشعبي.
* أولاً: الفردانيّة الأخلاقيّة بين النص القرآني والتمثُّل الشعبي
يُشكّل مبدأ “عدم حمل الوازرة وزر أخرى” تحديًا جذريًا للأنماط الاجتماعيّة القائمة على المسئوليّة الجماعيّة العرفيّة.
فبينما يُرسّخ النص القرآني عدالةً أخرويةً مطلقةً ترفض توريث الذنب أو تحميل الجماعة مطاردة لعنة أو تبعات وِزر الفرد، يُعبّر المثل الشعبي عن الفكرة ذاتها بصورة حسيّة: “كُلْ شَاةْ تْعَلَّقْ مِنْ كْرَعْتْهَا”.
فبعدما سوى الله آدم ونفخ فيه الروح؛ أمر الملأ الأعلى بالسجود له تعظيمًا وتكريمًا وتشريفًا له حتى وأنه لازال لم يقدم شيئًا في الوجود والكون؛ وسجله فارغًا.
وبالتالي حرر الله تبارك وتعالى الإنسان من اللعنة الأبدية التي اعتقد التفكير الديني القديم قبل الإسلام أنها تطارد بني البشر بعد الخطأ المرتكب بأن عصى آدم وحواء ربهما بالاقتراب من شجرة أمرًا بألا يأكلا منها؛ ويفهم من خلال قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ.)
هنا تبرز إشكالية مركزية: كيف ينتقل المجتمع من ثقافة “التضامن العرفي” إلى “التضامن الأخلاقي” القائم على المسئوليّة الفرديّة دون أن ينهار تماسكه الاجتماعي؟
يبدو أن النص القرآني لا يلغي التضامن، لكنه يعيد تعريفه: فالتضامن ليس نقلًا للتبعات، بل تعاونًا على البر والتقوى. وهذا يفتح الباب لسؤال آخر: هل يمكن أن تكون المسئوليّة الفرديّة أساسًا لعدالة جماعيّة أكثر صدقًا؟
* ثانيًا: ثقل الوزر بين الدلالة الرمزيّة والتجسيد الشعبي
الوزر في القرآن ليس مجرد خطيئة، بل عبء وجودي وقانوني. وفي المثل الشعبي، تُقدّم الصورة الحسيّة للشاة المعلقة من قوائمها تجسيدًا واقعيًا لهذا العبء. يُظهر هذا التمايز كيف يخاطب النص المقدس الضمير الإنساني في أفقه الأخروي، بينما يوجّه المثل الإنسان البسيط إلى إدراك مباشر لمسؤوليته اليوميّة.
هل تكفي الرمزية الحسية وحدها لترسيخ وعي أخلاقي متجذر، أم أن الرؤية الروحيّة وحدها القادرة على استدامة هذا الوعي؟
* ثالثًا: الإنذار والاستعداد الداخلي بين الخطابين
يقترن الإنذار في الآية بمن “يخشون ربهم بالغيب”، مما يثير سؤالًا تربويًا عميقًا: هل التربية الروحيّة الفعالة تتطلب استعدادًا ذاتيًا أم أنها قادرة على خلق هذا الاستعداد؟
هذا يقود إلى إعادة تقييم لدور المربّي: ليس كمُلقّن، بل كمُسهّل لاستيقاظ الضمير. فالنص يُظهر أن الهداية لا تُفرض، بل تُكتشف ذاتيًا. المثل الشعبي، من جهته، يفترض هذا الاستعداد الضميري أيضًا، ويُخاطب الحسّ العملي في الإنسان مؤكدًا أن الهروب من نتائج الأفعال مستحيل.
* رابعًا: الصلاة والتزكية: نماذج للتوازن بين الفردي والجماعي
إقامة الصلاة تمثل نموذجًا عمليًا للتوازن بين الفردية والجماعية: فالمصلي يقف أمام الله وحده، لكن ضمن جماعة. كيف تحول الصلاة الفرد من كائن جمعي إلى فرد مسؤول دون أن تنعزله؟
الصلاة تُذكّر الفرد بأنه محاسبٌ وحده، حتى وهو بين الجماعة. أما التزكية، فهي عودة بالنفع على النفس أولًا، لكنها شرط لصلاح الجماعة. هل يمكن للفرد أن يكون فاضلًا في مجتمع فاسد؟ أم أن صلاح الجماعة شرط لنجاح التزكية الفردية؟
* خامسًا: المصير إلى الله كضمانة ضد استبداد السلطات الأرضية
ختم الآية بعبارة {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} يفتح الأفق على عدالة مطلقة، تمنع استبداد السلطات الأرضية بادعاء امتلاك الحقيقة النهائية. كيف يمكن أن نستلهم العدالة الإلهية دون أن ندعي امتلاكها بشكل مطلق؟
هنا يصبح “المصير إلى الله” ضمانة ضد استبداد البشر: فكل عدالة بشرية ناقصة، وهذا يُلزمنا بتواضع أخلاقي ونقد دائم للأنظمة والقوانين.
* الخلاصة: نحو نموذج توازني بين الفرديّة والجماعيّة
تكشف الآية والمثل معًا عن رؤية متكاملة: المسؤولية فردية، لكنها لا تلغي الدور المجتمعي. الفرد يحمل وزره، لكن المجتمع مسؤول عن توفير شروط الاختيار الحر. هذا يخلق توترًا خلاقًا بين الفرد والجماعة، يُجنّبنا خطرين: الفردية الأنانية والجماعية المستبدة.
السؤال الإشكالي الأخير: كيف نبني مؤسسات اجتماعية وقانونية تحمي المسؤولية الفردية دون أن تُفكك الروابط الجماعية؟
هذا السؤال يبقى مجالًا للاجتهاد، مما يجعل النص القرآني والموروث الشعبي مصدر إلهام حيٍّ ومتجددٍ لإعادة تأسيس العلاقة بين الفرد والمجتمع في كل عصر.
* ملاحظة منهجية:
هذا التحليل لا يغفل السياق العام التاريخي لنزول الآية، لكنه يسعى لاستنباط دلالاتها الفلسفيّة والأخلاقيّة المعاصرة، بما يخدم حوارًا نقديًا مع نظريات المسئوليّة في الفكر الغربي والشرقي على حد سواء، مع رصد تجلياتها في الخطاب الشعبي كشاهد على حيويّة المبدأ واستمراريّته.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)





