تطوّر أساليب الاحتجاج في المغرب: قراءة في جدليّة الفعل الشبابي بين غياب القيادة وبروز العالم الافتراضيّ
* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
لم يعد الاحتجاج في المغرب ظاهرة آنية أو مجرد رد فعل على أزمات ظرفيّة، بل تحوّل إلى مجال بحثي خصب، يكشف عن تصدعات عميقة في العقد الاجتماعي، وعن تحولات بنيويّة في علاقة الشباب بالمؤسسات السياسيّة والاجتماعيّة. وإذا كانت الأجيال السابقة قد مارست الاحتجاج تحت سقف التأطير النقابي أو الحزبي، فإن الجيل الجديد – المنخرط في فضاءات رقميّة عابرة للمؤسسات – يطرح أسئلة جد معقدة تتجاوز أنماط الفعل الكلاسيكي.
في هذا السياق، يفرض سؤال الحوار نفسه: كيف يمكن فتح قنوات تواصل مع فئات شبابيّة تتسم بالهشاشة وتعيش في الشارع أو تنخرط في أنماط سلوكيّة منحرفة، وتجد في العنف أو التدمير وسيلة وحيدة للتعبير؟ وكيف يمكن لمؤسسات الدولة والمجتمع أن تتعامل مع هذا “الآخر الداخلي”، في ظل غياب قيادة واضحة أو مرجعيّة أخلاقية مشتركة؟
تتمثل الإشكالية المركزية في: كيف يمكن بناء فضاء حواري ومؤسساتي مع فئات شبابية بلا قيادة تنظيمية، متأرجحة بين العالم الواقعي والعالم الرقمي، في ظل هشاشة اجتماعية وأخلاقية بنيوية؟
وتتشعب عن هذا السؤال المركزي ثلاث عقد فرعية:
1. كيف يمكن ضبط المدخلات والعمليات والمخرجات في مسار حواري مع فئات لا تخضع لأية سلطة تقليديّة، دون أن يتحول الحوار إلى إعادة إنتاج للهيمنة؟
2. ما هي الشرعيّة الأخلاقيّة والسياسيّة التي يمكن أن يؤسس عليها فعل احتجاجي صادر عن فئات مهمشة (أبناء الشارع، الجانحين، فاقدي الضمير الجمعي)؟
3. بأي آليات يمكن تحويل الطاقات الانفعالية واللاعقلانية إلى قوة إنتاجية قادرة على المساهمة في البناء الاجتماعي والسياسي؟
أولا: من غياب القيادة إلى استحالة الحوار التقليدي
كيف يمكن الحوار مع جيل لا يمتلك بنية تنظيمية ولا قيادة ضابطة؟ الفعل الاحتجاجي في المغرب يكشف أن غياب القيادة لا يعني غياب الفعل، بل يعكس تحولًا جذريًا نحو أنطولوجيا احتجاجية جديدة.
- سياسيًا: غياب القيادة يفرغ الحوار المؤسساتي من مضمونه، إذ لم تعد الدولة تواجه تنظيمات يمكن التفاوض معها، بل جموعًا رقمية متفرقة، تتحرك بسرعة وتختفي بالسرعة نفسها.
- اجتماعيًا: انعدام الوسائط التقليدية (الأسرة، المدرسة، النقابة) يحول الشباب إلى “ذوات منفلتة”، تبحث عن بدائل للتعبير خارج القنوات الرسمية.
- رمزيًا: يتجسد الحوار في العالم الرقمي عبر الصور والفيديوهات والوسوم (هاشتاغات)، حيث لا مجال للتفاوض الطويل أو الصبر التدرجي، بل لحظة انفجار رمزي قد تتحول إلى عنف مادي.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن ابتكار نماذج بديلة للحوار تراعي هذا التفتت، أم أن الأمر يتعلق بمشهد احتجاجي عابر لا يمكن استيعابه إلا بآليات ضبط وقائيّة وأمنيّة؟
ثانيا: الشرعيّة الأخلاقيّة والسياسيّة للاحتجاج الهش
ما معنى أن يمنح المجتمع شرعية لفعل احتجاجي صادر عن فئات تُوصَف أحيانًا بأنها “بلا ضمير” أو “خارج النسق القيميّ”؟
- سياسيًا: الاعتراف بهذا الفعل قد يضعف شرعية المؤسسات القائمة، لكنه في الآن ذاته قد يفتح مجالًا لإعادة التفاوض حول العقد الاجتماعي.
- اجتماعيًا: الفعل الاحتجاجي للفئات الهشة قد يكون انعكاسًا لتفكك النسيج الاجتماعي أكثر من كونه رغبة في التدمير. السؤال إذن ليس: “هل هم بلا ضمير؟” بل: “أي ضمير جماعي فشلنا في إنتاجه كي يشعروا بالانتماء إليه؟”
- رمزيًا: العنف الجسدي والمادي قد يُقرأ كصرخة بحث عن اعتراف. التدمير هنا ليس نفيًا للمجتمع فقط، بل محاولة يائسة لفرض الذات على فضاء يرفض الاعتراف بها.
من ثمة، فإن الشرعية ليست ثابتة بل جدليّة، تتراوح بين الإدماج والإقصاء، وتحتاج إلى إعادة تعريف مستمر يواكب التحولات الرمزيّة للأجيال الجديدة.
ثالثا: التحول من العنف إلى البناء
هل يمكن تحويل طاقة الاحتجاج الهدّامة إلى قوة اجتماعية بنّاءة؟
- سياسيًا: يتطلب ذلك سياسات عامة مبتكرة، تقوم على المشاركة لا على الردع فقط، وعلى استباق الأزمات لا انتظار انفجارها.
- اجتماعيًا: إعادة إدماج الجانحين وأبناء الشارع يحتاج إلى شبكات دعم حقيقية (التعليم، التكوين، العمل)، لا إلى حلول أمنية ظرفية.
- رمزيًا: الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول من ساحة للعنف الرمزي إلى مختبر لإبداع رموز بديلة، تُحوّل “الضجيج” إلى لغة احتجاجيّة مسؤولة.
التحدي إذن ليس فقط في “السيطرة” على العنف، بل في إعادة هندسة مسارات الاعتراف، بحيث يصبح الاحتجاج لحظة لإنتاج المعنى، لا لتدميره.
* خلاصة:
يكشف الاحتجاج الشبابي في المغرب أن الفعل الجماعي لم يعد محكومًا بنفس القوانين التي سادت العقود الماضية. فغياب القيادة التقليديّة، وتفتت الضمير الجمعي، وصعود العالم الافتراضيّ الرقمي، كلها عوامل تجعل من الحوار التقليدي أمرًا شبه مستحيل.
لكن الاستحالة الظاهرية قد تخفي إمكانية كامنة: إعادة بناء نموذج حواري جديد يقوم على تعددية الفضاءات (الرقميّة والواقعيّة)، وعلى دينامية الاعتراف، وعلى تجاوز التصنيفات الأخلاقيّة الجاهزة.
إن الرهان ليس في إقصاء الفئات الهشة أو وصمها، بل في فهمها بوصفها مرآة لأزمة المجتمع ككل. فكل “ابن شارع” أو “جانح” هو، في جوهره، نتاج فراغ أخلاقي قبل أن يكون مؤسساتي ورمزي لم ينجح في دمجه. فابن السفاح والزنا لم يسقط من السماء. وهنا يصبح سؤال الاحتجاج ليس عن شرعيّته أو خطورته، بل عن قدرته على إعادة تعريف العقد الاجتماعي وصناعة مواطنة جديدة قادرة على الجمع بين الحرية والمسؤولية، بين الفرد والجماعة وبين الواقع والافتراضي.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)





