التوصيّات السريّة الماكرة والغادرة: تشريح لآليات الاغتيال الرمزي والمعنوي في بعض المؤسسات

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

 

في دهاليز البيروقراطية المُعتِمة، حيث تتقاطع المصالح بِقَدر ما تتشابك الظلال، تُختزَل مصائر البشر في أوراق باردة تُدوَّن بيدٍ ترتجف من الخبث لا من المسؤوليّة.
هناك، في المساحات التي يَهرب منها الضوء، تولد أدوات هدم خفيّة لا تُرى، لكنها تُصيب في مقتل.
إن “الكلمة الصغيرة” (Un Petit Mot) ليست توصية… بل طلقة صامتة، ورصاصة مطاطيّة غادرة تُطلق من خلف المكاتب، تخترق الظهر ثم تُدفن في المحاضر.
هي فنّ اغتيال معنوي يرتدي ربطة عنق، ويتحرك بثقة قاتل مأجور يعرف أنّ أحدًا لن يحاسبه.
* منطق الهمس وأخلاقيات الصمت:
المؤسسات ليست بنايات ولا هياكل… إنها بيئات نفسيّة واجتماعيّة تنمو فيها الخطابات الخفيّة كما ينمو العفن في الأقبية الرطبة.
وهناك، حيث يلتقي الظاهر بالباطن، ينشأ وحش اسمه “التوصية السريّة”؛ وحش ناعم الملمس، لكنه قاطع الحلقوم.
إنها الوجه المظلم لثقافة إداريّة تستبدل الحق بالظنّ، والكفاءة بالانطباع، والعدالة بالهمسات.
يكفي أن يهمس مسؤول نصف مؤهَّل بجملة طائشة ليُعدم مسار مهني استغرق سنوات لينمو.
ومع كل همسة، يُضاف مسمار جديد إلى نعش المعنوية داخل المؤسسة.
* البنية التحتيّة للرمز: اقتصاد التوصيات وطقوس الاغتيال الهادئ
وراء هذه الظاهرة يعشش “اقتصاد رمزي” خبيث، تُتداول فيه الإشارات المسمومة كما تُتداول الرشاوى، لكن دون أثر مادي واحد يُدين أحدًا.
– أولًا: انقلاب البرهان لصالح الانطباع
يُستبدل الدليل بـ”شعور” غامض، ويتحول التقييم إلى مزاج، والمزاج إلى حكم، والحكم إلى سيف.
هكذا يُقصى موظف بكلمة رخوة، ويُقتل مساره بصياغات قاتلة من نوع: “غير مندمج”، “غير منسجم”، “لا يناسب بيئة العمل” “مشكوك في ولتئه للمؤسسة” … عبارات منفوخة بالخبث، فارغة من المعنى، لكنها مميتة كغاز بلا رائحة.
– ثانيًا: احتكار الحقيقة وتأليه المسئول
يصبح المسؤول عرّافًا، مُفسّرًا للنيات، قارئًا للنفوس وما تخفيه الصدور، يوزّع القداسة على آرائه كأنها نصوص لا تُراجَع.
هو وحده من يحمل “الحقيقة” والطبعة الأصليّة عن الموظفين، حتى الحقيقة التي لا يعرفونها عن أنفسهم.
والأسوأ: أن توصيته الشريرة بالإساءة، لا تُواجه ولا تُستأنف وغير قابلة للطعن؛ فهي سريّة، مكتومة، تتسرب كالسمّ في الجسد الإداري ثم تختفي بلا أثر يُمسك به أحد.
– ثالثًا: الانزياح من الأخلاق إلى البراغماتية العفنة
يُعاد تسويق الخبث الإداري باعتباره “ذكاءً مؤسسيًا”. وتُرفع السرية إلى مرتبة المهارة، كأن التلاعب بمصائر الموظفين بطولة تستحق التصفيق.
* سوسيولوجيا التواطؤ: حين يتحول الصمت إلى جريمة
من دون هذا الصمت الجماعي المخزي، لا يمكن لهذه المنظومة أن تبقى. فالصمت هنا ليس غيابًا للصوت… بل لغة كاملة تصنعها الخشية والأنانيّة الانتهازية والوُصُوليّة.
– تطبيع مع الانحراف: حيث تتكرّر الممارسة حتى تتحول إلى قاعدة، ويصبح الاحتجاج عليها خروجًا عن “النظام” لا دفاعًا عن العدالة.
– خوف الضحايا المحتملين: يعلم الجميع أنهم على قائمة الانتظار. يكفي أن يصطدموا بذَوق مسؤول، أو مزاج قائد، ليصبحوا جثثًا رمزية تنتظر الدفن.
– شبكات الامتياز: في هذه البيئة، يصبح الولاء الشخصي حصانة ضد الإبادة المعنوية، ويصير الاختلاف تهمة، والتفوق مشكلة، والاستقامة خطرًا.
ويكتمل المشهد بما يشبه “مؤامرة صمت”… الجميع يعرف، والجميع يرى، لكن لا أحد يجرؤ على الكلام.
* الانعكاسات الوُجُوديّة: من الوظيفة إلى أزمة في معنى الوجود
تتجاوز آثار التوصيات الغادرة حدود المحاضر والملفات. إنها تمس جوهر الإنسان: قيمته، وهويته، وإيمانه بعدالة العالم.
يستيقظ الموظف وقد جُرِّدت سنوات جهده من المعنى، ويحمل سؤالًا دامياً:
– من أكون إن كان مصيري مرهونًا بهمسات أشخاص لا يعرفون معنى العدالة؟
– اغتراب وجودي قاتل: ينهار الرابط بين الجهد والمردود، وبين الاجتهاد والمصير.
– تفكك رأس المال الاجتماعي: تصبح الزمالة ساحة ظنون، ويصبح القرب من المسؤول عملة، ويصبح التعاون مخاطرة.
– تآكل الشرعية المؤسسية: حين تتناقض الشعارات مع الأفعال، تسقط المؤسسة من مقام القيم إلى مرتبة المسرح الهزليّ.
* استراتيجيات المواجهة: إصلاح لا يجدي… لا بدّ من تفكيك البنية المقيتة
هذه المنظومة لا تُعالج بالمساحيق.
لا ينفع معها تجميل، ولا ترقيع، ولا “مدونة سلوك”.
المطلوب هو إعادة تأسيس كاملة للعقد الأخلاقي للمؤسسات الإدارية:
1. تقييم متعدد المراجع لكسر هيمنة المسؤول الواحد.
2. ربط كل كلمة بصاحبها ليصبح الجبن الإداري فضيحة لا مهارة.
3. ثقافة الاعتراف بدل ثقافة الانتقاء والانتقام.
4. تفكيك السلطة الهرمية لصالح الذكاء الجمعي الذي يوزّع المعرفة ويقلّل احتكار القرار.
* الخلاصة: إيكولوجيا مؤسسية جديدة… أو سقوط أخلاقي محتوم
مواجهة “ثقافة الهمس بتوصيّة الشرّ وركوب الدناءة بالإساءة ”؛ ليست معركة إداريّة فحسب، بل معركة أخلاقيّة قبل كل شيء.
المؤسسات التي تسمح بتدمير واغتيال وإعدام مسلسل ومسارات موظفيها بهمسة خبيثة، لا تهين الإنسان وكرامته الوُجُديّة فقط… بل تهين نفسها.
في النهاية، نحن أمام صراع بين ثقافتين:
1. ثقافة ترى الإنسان مجرد رقم في معادلة نفوذ.
2. وثقافة تراه حجر الزاوية لأي مشروع حضاري.
والاختيار بينهما… ليس خيارًا إداريًا، بل اختبارٌ لروح الأمة:
هل تُبنى مؤسساتها على أساس القيّم والأخلاق والفضيلة؟
أم تُسلّم رقاب أبنائها لسلطة الهمس ومشانق التوصيّات الغادرة من خلال توصيّة أو كْليْمَة صغيرة (Un petit mot)؟

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...