شجرة النخيل المباركة: أيقونة الصمود والحمال كحارس للهويّة في مجتمع الواحات..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عبد اللَّه شَنْفَار

 

 

على الرغم من أن أشجار النخيل لا توفر ظلالًا وافرة مقارنة بالأشجار العريضة، إلا أن اختيارها لتزيين شوارع المدن الحارة ليس عبثًا.
أنا ابن الباديّة الذي عاش وترعرع في مجتمع الواحات، واختبر النخيل عن قرب، يمكنني القول إن هناك مجموعة أسباب عملية وجمالية تجعل من النخيل خيارًا مفضّلًا في البيئات الحارة، منها:
– تحمّلٌ عالٍ لدرجة الحرارة والجفاف:
النخلة تتطلب حوالي 2200 درجة حرارة تراكميّة على طول السنة لإنتاج التمر، مما يجعلها من أكثر الأشجار قدرة على تحمّل الحرارة العالية وقلة الماء.
في المقابل، كثير من الأشجار العريضة تموت أو تضعف في البيئات شديدة الحرارة أو الملوحة، بينما يزدهر النخيل.
– جذور غير تخريبية:
جذور النخيل عموديّة وغير ممتدة أفقياً، لذلك:
* لا ترفع الأرصفة.
* لا تفسد البنية التحتية للطرقات والساحات.
* لا تتسبب بمشاكل لشبكات الصرف الصحي أو الكهرباء أو مياه الشرب أو الهاتف.
هذا يسهل زراعته على جوانب الشوارع الرئيسية والساحات العامة.
– مقاومة الرياح والعواصف
شكل النخلة وطبيعة سعفها يجعلها أكثر استقرارًا وأقل عرضة للسقوط مقارنة بالأشجار ذات التيجان الممتدة، وهو أمر مهم خصوصًا في المدن الساحليّة أو ذات الرياح الموسميّة.
– مظهر جمالي وهوية ثقافية:
النخلة رمز بيئي وتراثي مرتبط بالهوية المحليّة. وجودها في المدن يوفر:
* طابعًا بصريًا أنيقًا ونظيفًا.
* شعورًا بالمكان والهوية.
* تناسقًا مع البيئة الصحراوية أو الساحلية.
– صيانة أقل مقارنة بأشجار الظل الأخرى:
الأشجار الكبيرة تتطلب ريًا كثيفًا وتقليماً متكررًا ومعالجة أمراض أكثر، بينما النخيل قليل الصيانة ويتحمّل الإهمال نسبيًا.
– يسمح برؤية الطريق ولا يحجب الإضاءة
نظرًا لطول النخلة وتاجها المفتوح:
* لا يحجب رؤية السائقين.
* لا يعوق لوحات المرور.
* لا يحجب إنارة الشوارع.
* وهذا يجعله خيارًا آمنًا للطرق السريعة والمتوسطة.
لكن لماذا لا نزرع أشجار ظل بالمدن بدل أشجار؟
في بعض المدن هناك توجه حديث لزراعة أشجار ظل أكثر فعالية مثل: السدر (Ziziphus sp.)، الغاف (Prosopis cineraria)، اللبخ أو لسان التيس (Albizia lebbeck)، الفيكس نيتيدا، البونسيانا (Delonix regia).
لكن هذه الأشجار تحتاج إلى مياه وفيرة وصيانة دورية، وقد تسبب مشاكل تحت الأرض، مما يحد من استخدامها في بعض المواقع.
* الخلاصة:
صحيح أن النخيل لا يعطي ظلًا كافيًا، لكن الأفضل لخلق بيئة مشاة مريحة في المدن المعروفة بارتفاع درجة الحرارة؛ هو زراعة أشجار ذات تيجان عريضة مثل السدر والغاف والبونسيانا.
كل نوع له شروطه وقيوده، ويعتمد الاختيار على الموقع والبنية التحتيّة ومدى توفّر المياه.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...