ذَكَرٌ أنْتَِ أمْ أُنْثَى؟! قضايا تحديد الجنس في وثائق الحالة المدنيّة بين الخطأ المادي في التدوين وسوء النية حين التصريح بالولادة

إيطاليا تلغراف

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

يُعدّ تحديد الجنس في وثائق الحالة المدنيّة خطوة تأسيسيّة في بناء الهويّة القانونيّة، لما يترتب عليها من آثار قانونيّة وإداريّة واجتماعيّة تمتد مدى الحياة إلى الإرث والنسب والزواج والمعاملات المدنيّة والجنائيّة.
ومع انتقال الإدارة المغربية نحو الرقمنة وتحديث قواعد البيانات الوطنيّة، بدأت إشكالات تطفو على السطح وقضايا أكثر تعقيداً من مجرد خطأ مادّي في التدوين أو تصريح كاذب، إذ ترتبط بجوانب طبيّة وسيكولوجيّة وفقهيّة، خاصة عند الحديث عن حالات الخنثى أو عن تغيير الجنس الجراحي خارج الحدود.
ورغم وضوح الإطار القانوني المنظم للتصريح بالولادات بالمغرب، فإن الممارسة اليوميّة داخل بعض مكاتب الحالة المدنيّة تكشف عن اختلالات ناجمة إمّا عن أخطاء ماديّة بشريّة في التدوين، أو عن تصريحات مضللة يصدرها بعض المواطنين بدافع الجهل أو التحايل أو سوء النية حين التصريح بالولادة.
– أوّلاً: التصريح بالولادة: الإطار والممارسة
يحدد القانون المغربي على أن عملية التصريح بالولادة تقتضي الإدلاء بمجموعة من الوثائق الأساسية، مثل شهادة الولادة، شهادات السلطة المحليّة، ونسخة من عقد الزواج، إضافة إلى تصريحات بالشرف عند الاقتضاء، وفحوص طبيّة في حال وجود شك في صحة وقوع الولادة.
غير أنّ التطبيق العملي لهذه الإجراءات يتطلب درجة عالية من الدقة والصرامة، لأن أي خلل بسيط في التدوين قد يؤدي إلى التباس كبير في هوية المولود.
وفي المقابل، يتيح هذا الواقع الهش مجالاً لاستغلال الثغرات القانونيّة والإداريّة، وهو ما يظهر بشكل جلي في حالات التحايل على وثائق الحالة المدنيّة، خصوصاً عندما ترتبط العملية بمكاسب ماليّة مجزية.
من المهم الإشارة إلى أن مسألة تحديد الجنس ليست دائماً بهذا الوضوح، إذ يوجد في الفقه الطبي والشرعي ما يُعرف بـ: “الخنثى”، وهو مصطلح يشير إلى من لا تتبين فيه علامات الذكورة أو الأنوثة بوضوح.
* أنواع الخنثى وسياقها الفقهي:
يقسم الفقه الإسلامي الخنثى إلى نوعين:
1- الخنثى غير المشكل: وهو من يمكن تمييز جنسه من خلال ظهور علامات واضحة، فيعامل معاملة الجنس الذي ترجحت علاماته.
2- الخنثى المشكل: وهو من لا تتضح فيه الصفات، أو تتعارض، فيصبح تحديد جنسه صعباً، وتترتب عليه إشكالات في الإرث والنسب والصلاة والدفن… وغيرها من الأحكام.
ومع تطور الطب وظهور عمليّات تصحيح الجنس، أو الرغبة في تغييره عمداً؛ أصبحت الإشكالات أكثر تعقيداً، خاصة حين يغادر الفرد بلده ليُجري عمليّة جراحة تغيّر وضعه البيولوجي والاجتماعي.
– ثانياً: توسّع الإشكال: جدل تغيير الجنس خارج الحدود
في إحدى القضايا التي أثارت نقاشاً قانونياً وأخلاقياً وإدارياً، أقدم شاب إماراتي على إجراء عملية تحول جنسي خارج بلده، ليصبح فتاة. غير أن أول صدام واجهه كان مع سلطات الحدود للدولة التي غادر منها، حيث لم يطابق مظهره الخارجي وثيقة السفر المعتمدة.
وبعودته إلى بلده، تقدّم بطلب تغيير اسمه وجنسه في السجلات الرسميّة، فواجه رفضاً قانونياً صريحاً، لأن التشريع الإماراتي يشترط:
* تقديم شهادات طبيّة دقيقة توضّح طبيعة الحالة: هل هي اضطراب عضوي حقيقي أم مجرد رغبة نفسيّة وسلوكيّة؟
* الحصول على ترخيص شرعيّ مسبق قبل الإقدام على أي تدخل جراحي.
هذه الحالة تفتح الباب أمام أسئلة تأطيريّة تهم المغرب أيضاً، في ظل تعديل قانون الحالة المدنيّة:
* كيف ينعكس تغيير الجنس على الإرث؟
* ما مصير النسب الثابت سابقاً؟
* هل هو حق ثابت للفرد أم قرار متحوّل يفرض قيوداً؟
* ما مدى استقرار المعاملات السابقة المبرمة مع الشخص قبل تغييره الجنس؟
* كيف يتعامل الفقه الإسلامي مع من كان “هو” وأصبح “هي” أو العكس؟
* وكيف تعالج القوانين التنظيميّة هذا التعقيد؟
* بل حتى على مستوى الطقوس الدينية: كيف يُصلّى عليه؟ أهي جنازة رجل أم جنازة امرأة؟
هذه الأسئلة لا تهم فقط من يولد بخلاف جنسه الظاهر، بل أيضاً من يغيّر جنسه بقرار طبي أو سلوكي.
* دراسة حالة: “سعيد” الذي لم يولد بعد..!
فضمن سياق مماثل، ولكن من زاوية مختلفة، تكشف إحدى القضايا التي حصلت فعلاً؛ تحايلاً على نظام الحالة المدنيّة لتحقيق مكاسب مالية، حجم التعقيد الذي قد تتسبب فيه تصريحات مغلوطة أو كاذبة داخل مكاتب الحالة المدنيّة.
فقد تقدم سخص بشهادة ولادة غير سليمة الأساس، مصحوباً بوثائق اعتياديّة مثل شهادة القائد وبحث عون السلطة، بغرض التصريح بمولود جديد. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا “المولود” لم يكن قد وُلد بعد في الحقيقة؛
بل إن المعني بالأمر؛ عن سبق إصرار وسوء نية؛ صرح بأن المولود ذكر، واختار له اسم “سعيد”، بما يتيح له لاحقاً، في حال رزق بطفلة، أو عثر على مولود سفاح؛ الادعاء بأن اسمها “سعيدة”، وتحميل الخطأ المادي للإدارة بدل الاعتراف بتصريح مزور.
ويبدو أن دافع هذا السلوك مرتبط بالحصول المبكر على تعويضات عائلية من شركة ما، عند حدوث الولادة الأولى، ما يجعل الإغراء المالي محفزاً قوياً للتحايل على القانون.
غير أن تدقيق الوثائق سرعان ما يكشف التلاعب؛ إذ يتبين أن تاريخ التصريح جاء بعد أيام أو أسابيع قليلة من توثيق عقد النكاح، وهو ما يخالف المنطق البيولوجي للحمل الذي لا يقل عن سبعة أشهر في حالات الخداج. كما أن عدم وجود تطابق بين زمن الولادة المزعومة وتاريخ إعداد الوثائق يعزز الشكوك حول صحة التصريح.
تؤدي مثل هذه الحالات غالباً إلى عرض الملف على القضاء لاستصدار حكم قضائي يحدد الجنس الحقيقي للمولود المفترض، ويبتّ في صحة الوثائق والتصريحات المقدمة قصد تضمينها بطرّة السجل المركزي لمكتب الحالة المدنيّة المعنيّة.
– ثالثاً: أبعاد قانونيّة وإداريّة واجتماعيّة
1. البعد القانوني:
تكشف الحالة ضعفاً في آليات التحقق داخل بعض مكاتب الحالة المدنيّة، رغم وجود نصوص قانونيّة صارمة.
فالاعتماد على شهادات السلطة المحليّة، دون طلب فحوص إضافيّة في حالات الشك، يفتح الباب واسعاً للتلاعب.
2. البعد الإداري:
تبرز الحالة الحاجة الملحّة لرقمنة مسار التصريح بالولادة، بما يضمن توحيد المعطيات وربطها بنظام مراقبة تلقائي يكشف أي تناقض زمني أو معلوماتي.
3. البعد الاجتماعي والاقتصادي؛
الإغراءات المالية دفعت ببعض الأفراد إلى ارتكاب مخالفات قانونيّة دون إدراك لعواقبها.
كما يعكس هذا السلوك ضعف الوعي القانوني، واستسهال بعض المواطنين لعمليات التصريح بناء على شهادات قد تكون عرضة للتلاعب.
4. البعد الأخلاقي:
يُظهر المثال تراجعاً في الوازع الأخلاقي لدى فئة من المتحايلين الذين لا يترددون في خلق هويّة مدنيّة غير حقيقيّة لطفل متوقعاً ولم يولد أصلاً.
– رابعاً: بين التحايل حين التصريح والتعقيد البيولوجي
إدراج مسألة الخنثى وتغيير الجنس إلى جانب الخطأ المادي في التدوين أو التحايل حين التصريحات المدنيّة يبيّن أن:
1. تحديد الجنس ليس دائماً مسألة بسيطة؛ فقد يكون معقداً طبياً ونفسياً وفقهياً.
2. القانون يواجه نوعين من الإشكالات:
– إشكالات ناتجة عن الطبيعة البشرية (الخنثى، اضطرابات الهوية الجنسية).
– إشكالات ناتجة عن سوء النية والتحايل؛ بحيث أن القاضي ومن خلال الاطلاع على تاريخ تحرير عقد النكاح يرى أن المولود خارج الإطار الشرعيّ ويصدر حكماً برفض الطلب، بناءً على قاعدة في الفقه المالكي ترى: “إن الولد للفراش، سنة أشهر.”
مع الإشارة إلى التباين بين حكم قاضي الجديدة، الذي بنى على هذه القاعدة الفقهيّة، وقاضي طنجة الذي أخذ بعين الاعتبار الإقرار بناء على التحاليل الجينيّة والخريطة الوراثيّة.
3. رقمنة الحالة المدنيّة ستجعل من الصعب استمرار التلاعب، لكنها لن تُلغي التحديات المتعلقة بالحالات الطبيّة والإنسانيّة المعقدة.
* خلاصات ومقترحات:
تخلص هذه الدراسة أن إشكالية تحديد الجنس في وثائق الحالة المدنية ليست مجرد خطأ عرضي، بل قد تكون نتاج منظومة تتداخل فيها عناصر الضعف الإداري مع التحايل على القانون. ولتفادي تكرار مثل هذه الحالات، يُقترح:
1. تعزيز الرقمنة وربط التصريح بالولادة بقاعدة بيانات وطنية موحدة.
2. فرض فحوص طبيّة إلزاميّة في حالات الشك أو عندما لا تتوفر شهادة المستشفى.
3. تكوين ضباط الحالة المدنية في تقنيات التحقق ومناهج التحري الإداري.
4. تشديد العقوبات على المتورطين في التصريحات الكاذبة، خاصة عندما ترتبط بمكاسب مالية أو اختصار في مسطرة التكفل.
5. توعية في صفوف الجالية المغربية بالخارج مغاربة العالم بعواقب التلاعب بالوثائق المدنيّة، لما يترتب عليه من تبعات قانونية طويلة الأمد.
* خلاصة عامّة:
من التصريح بالمولود الذي لم يولد، والخطأ الماديّ في التدوين، إلى الخنثى المشكل، إلى تغيير الجنس خارج الحدود، مروراً بإقرار النسب؛ تتقاطع كل هذه الحالات في نقطة واحدة:
أن تحديد الجنس ليس مسألة شكليّة، بل هو محور الهويّة القانونيّة والاجتماعيّة والدينيّة.
إن حالة “سعيد” الافتراضي تكشف أن إشكالية تحديد الجنس ليست تقنية فحسب، بل هي مرآة تعكس التفاعل بين القانون والمجتمع والإدارة.
وبين رغبة الدولة في تحديث نظام الحالة المدنية، ومحاولات البعض التحايل لتحقيق مكاسب غير مستحقة، تظل الحاجة إلى إصلاح شامل وصرامة أكبر أمراً لا غنى عنه لضمان مصداقية الوثائق الرسمية وصون الهوية القانونية للأفراد.
ومع انتقال المغرب إلى منظومة رقميّة حديثة، يصبح لزاماً تطوير تشريعات مرنة تضمن حماية الحقوق، وتحفظ الأنساق القانونيّة، وتستوعب الواقع الإنساني بكل تعقيداته.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...