البنى الصلبة والبرمجيّات الوُجُوديّة: في اشتباك الهُوِيَّات مع قوى الهيمنة وإشكاليَّة إعادة الترميم الحضاري

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

* سؤال التغيير في زمن الهيمنة المركَّبة والمتعددة الأبعاد والوظائف
ننطلق من بعض الاسئلة المنهجيّة لإزالة الألغام من حقل البحث والدراسة؛ كيف تُعاد برمجة العقل الجمعي وهو مركَّبٌ على أُسُسٍ تبدو ثابتةً في وجه رياح التغيير؟ وكيف تُعاد كتابة السرديَّة الوُجُوديّة لمجتمعات تتعرض قواها الناعمة للتحييد، وتُقهر صلابتها بالهيمنة المادية؟
هنا لا يتعلَّق الأمر بمجرد “تحديث برامج” ثقافيَّة، بل بمعركة وُجُوديّة على “سُوفتْوير الوُجُود” ذاته؛ ذلك النظام الرمزي والمعرفي الذي يتحكم في إدراك الواقع، ويُشكِّل الذاكرة، ويوجِّه الفعل.
* أوّلاً: التاريخ كحقل قوى: من “الهَاردْوير” الحضاري إلى استعصاء “السُّوفتْوير”
لم تكن العلاقات بين مختلف الحضارات مجرد تبادلٍ سلعي أو صراع حدودي؛ لقد كانت؛ وما تزال؛ ساحة صراع على “هاردوير التاريخ” (الأرض والموارد الطبيعيّة والممرات والبنى التحتيّة للسلطة…) و “سوفتوير الوعي” (من المفاهيم والرموز والسرديات الكبرى…).
فالدول، بوصفها كيانات عضويّة تسعى للبقاء والتوسع، لا تعمل في فراغ أخلاقي مُجرَّد، بل تنطلق من منطق المصلحة المتجسدة في ثلاثيّة إستراتيجيّة:
1. التعاضد مع الحلفاء التقليديّين،
2. وإدارة وتدبير الفجوات مع المختلف،
3. وتحجيم الخصم عبر أدوات متعددة المستويات.
هذه “الفيزياء السياسيّة” القائمة على موازين القوى المادية والمعنويّة، خلقت تاريخاً من الهيمنة لا يُغير الخرائط فحسب، بل يُعيد كتابة الذاكرة الجمعيّة للشعوب المُهيمَن عليها.
والسؤال الإشكالي الذي يطفو هنا: هل يمكن فصل “هاردوير” القوة عن “سوفتوير” الثقافة في عمليات الهيمنة التاريخيّة؟ أم أن الاحتلال المادي للبلدان يصاحبه دائماً احتلالٌ للخيال والرمز للعباد؟
* ثانيًا: التحليل البنيوي: الأيديولوجيا الكثيفة العزل والمجتمع المتنافر التردد
في ظل هذا التحدي تكمن المعضلة الأنثربولوجيّة: كيف تُبنى “الأمة” كمشروع وحدوي في فضاء اجتماعي مُتنَضِّدٍ ومصفوف على تنافر داخلي؟
فالمجتمعات التي تعاني من تشظِّي الذاكرة وافتقاد الوِجدان الموحَّد، تُشبه نظاماً حاسوبياً يعمل بتطبيقات متضاربة، وبلا نظام تشغيل جامع. وهنا تتحول “الآيديولوجيا الكثيفة” إلى جدار عازل؛ بل إلى نظام تشغيل بديل مُغلق؛ يحجب الواقع المُعاش، ويُنتج وعياً مزيّفاً مُتوافقاً مع ذاته فقط، مما يخلق صدمة دائمة لدى حامله عند اصطدامه بمعطيات العالم الخارجي.
هذه الآيديولوجيا ليست مجرد فكرة، بل هي بيئة إدراكيّة مغلقة، ترفض الترقيات والتحديثات الفكريّة.
فهل يمكن اعتبار “الكثافة الآيديولوجيّة” استجابة دفاعيّة لتهديد الذاكرة الجمعيّة، أم هي تعطيل متعمد لقدرة المجتمع على التكيف مع التحولات الجيوسياسيّة؟
* ثالثاً: استشراف إعادة البناء: نحو هندسة وِجدان وطني وذاكرة جامعة
الخروج من هذه الدائرة لا يكون بقوة صلبة تُحطم الجدران من الخارج، ولا بقوة ناعمة تُزين الواجهة فحسب. المطلوب هو “مشروع هندسة وجوديَّة” يعمل على مستويين متلازمين:
– الاول: صناعة الوِجدان الوطني: وهو العملية الإبداعية التي تحوِّل التعدد إلى تناغم، والذاكرة المتنازَع عليها إلى رواية جامعة لا تلغي التعدديّة بل تحتويها في سرديّة أوسع. وهذا يتطلب “فنَّاً سياسياً” يعيد تخيل المجتمع كنسيج رمزي موحَّد قبل أن يكون كياناً قانونياً.
– الثاني: إعادة تركيب الذاكرة الجمعية:
عبر استعادة التاريخ كحقل حيوي للحوار، لا كمتحف للمظالم أو متحف للمفاخر. الذاكرة هنا ليست أرشيفاً، بل منصة تشغيليّة تُعيد استحضار وتفسير وتأويل الماضي لخدمة حاجات الحاضر والتحديات المستقبلية.
والسؤال المركزي الاستشرافي: ما هي الآليات التي تمكن مجتمعاً ما من إجراء “ترقيّة وجوديَّة” لنظامه الرمزي دون أن يفقد تماسكه أو يستسلم للاستعارة الثقافيّة الخالصة؟ وهل يمكن أن تكون “القوّة الذكيّة” هي تلك التي تدمج الصلابة في الدفاع عن الهويّة مع المرونة في إعادة إنتاجها؟
* خلاصة تأمليّة: هل نحتاج إلى برمجة من الداخل أم لتحديث بالصدمة؟
الصراع على “سوفتوير” المجتمعات العربية والإسلاميّة هو الصراع المركزي في هذا العصر. إنه تحدٍّ يتجاوز السياسة والاقتصاد إلى أعماق النفس الجمعيّة.
النجاح فيه لا يعني تبني واستعارة “برامج” خارجيّة جاهزة، ولا الانكفاء على “نظام تشغيل” قديم يعاني من الأعطال.
بل يعني القيام بعملية جراحيّة دقيقة في العقل الجمعي تستهدف: فصل الأصيل عن المتكلس، والثابت عن المتحجر، والهُويّة عن الأيديولوجيا.
وهي عملية لا تقوم بها القوة الناعمة وحدها، ولا تفرضها القوة الصلبة بقسرها، بل تنبثق من إرادة واعية لفك شيفرة الذات، وإعادة برمجتها بلغة العصر، دون أن تفقد جوهرها الخَاصّ.
فهل تمتلك النخب الفكريّة والسياسيّة والمثقفة الواعيّة؛ أدوات هذه “القراءة الذاتيّة” الشجاعة والجريئة، أم أنهم هم أنفسهم جزء من “الكود” القديم الذي يحتاج إعادة كتابة؟

نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...