كرّوسة شْعَيْبَة: مقاربة في تخوم اليومي والسياسة الخفيّة للهيمنة الرمزيّة
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
لا يندر أن تصبح الحكاية اليوميّة، حين تُقرأ بعيون نقديّة، نافذةً تكشف ما هو أعمق من تفاصيلها المباشرة. فواقعة الملقب ب: “شْعَيْبَة” سنة 2010، بائع الأكلات السريعة الذي تحوّل من هامش بسيط إلى مركز صاخب للانتباه، لم تكن حدثًا معزولًا بقدر ما كانت مرآةً مكثّفة لانكسارات البنية الاجتماعيّة، ولتصدّعات أخلاقيّة واقتصاديّة تُراكم صمتًا أشد فتكًا من الضجيج نفسه.
وهنا، يبرز سؤال أوليّ يبدو بسيطًا لكنه يقوّض المسلمات: كيف يمكن لظاهرة صغيرة الحجم؛ عربة طعام بدائيّة؛ أن تكشف أعطابًا عميقة في منظومات الحماية والرقابة والوعي الجمعي؟
1. من جاذبيّة الرائحة إلى هندسة الوهم: اقتصاد الانبهار الشعبي
كان “شْعَيْبَة” يعتلي رصيفًا متواضعًا، يرفع شوايته كأنها منارة دخانيّة تستنفر روائحها حواس المارة، وتستدعي جموعًا تلتفّ حول نصف خبزة لا يتجاوز محتواها بضع أصابع من اللحم المفروم.
هذا التهافت الشعبي لم يكن مجرد فعل استهلاك، بل تحوّل إلى إنتاج متواصل لوهم جماعي؛ إذ تصير الجماهير، من حيث لا تدري، جهازًا دعائيًا متطوعًا، يروّج لبضاعة مجهولة الأصل ومشبوهة المكونات.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما الذي يجعل الجماعة تُدافع باستماتة عن ممارسات تضرّها، بل وتواجه السلطة دفاعًا عن المتجاوزين للقانون؟ أهي أزمة ثقة؟ أم حاجة رمزيّة إلى التماهي مع “الهامش المقاوم” للسلطة؟ أم أنّ الفقر يعيد تشكيل منظومات الولاء بعيدًا عن منطق الصحة ومتطلبات السلامة الغذائيّة؟
2. الأسطورة كتعويض نفسي: حين يصبح الغموض رأس مال
لم يكن “شْعَيْبَة” بحاجة إلى الإعلان، فالأسطورة فعلت ذلك نيابة عنه. فقد نسج الزبائن روايات متخيّلة حول “سرّ الخلطة”: شحم الغزال، توابل آسيويّة، إضافات غامضة “تنشّط” أو “تسكّن”، بل وتحولات جسديّة متناقضة تجمع بين الأرق والنوم العميق والثقيل.
هذه الحكايات ليست مجرد مزاح شعبي؛ إنها بنية أسطوريّة تعكس حاجة المجتمع إلى خلق “سحر” داخل واقعه المأزوم. كأن الناس يرفضون الاعتراف بأنّ متعتهم اليوميّة تُبنى فوق هشاشة صحيّة وأخلاقيّة، فيستبدلون الحقيقة بأسطورة أكثر قابليّة للبلع.
وهنا يتولد سؤال أكثر حدة: هل تُصنع الأسطورة لحماية البائع، أم لحماية المستهلك من الحقيقة التي يخشى مواجهتها؟
3. الذروة: لحظة العيد والانكشاف الصادم
بلغت المفارقة ذروتها حين خرج بعض المواطنين يوم عيد الأضحى؛ بعد تناولهم لحمًا شرعيًا طريًا؛ يبحثون عن مذاق “شْعَيْبَة”، كأنّ الذوق الفاسد أصبح معيارًا للذة.
ثم ظهرت بوادر الاضطرابات: حالات هستيريا، نوبات صرع، ارتباك في السلوك لدى أشخاص من مستويات اجتماعيّة مختلفة. كانت المؤشرات الأولى صامتة، قبل أن تكشف التحاليل آثار مواد مهلوسة في دماء من أقسموا أنهم لم يلمسوها يومًا.
هنا لم يعد السؤال طبيًا فقط، بل اجتماعيًا وسياسيًا: كيف يمكن لمادة سامّة أن تعبر إلى أجساد الناس بلا وعي منهم؟ وأي خلل يسمح لاقتصاد غير مرئي أن يتسلل إلى الأجساد البريئة قبل العقول؟
4. التحقيق: من العربة البسيطة إلى البنية المُظلمة للاقتصاد الموازي
قاد خيط واحد فقط؛ جملة عفويّة لأحد الزبناء؛ نحو تفتيش عربة “شْعَيْبَة” ثم مرآب يكتريه، فتكشّفت البنية الخلفيّة لاقتصاد الظل: علب من الحبوب المهلوسة، لحوم فاسدة وحيوانيّة مجهولة المصدر، أموال متراكمة، وسلاح ناري غير مرخص.
اعترف الرجل بأنه استخدم مواد مهلوسة ليمنح أكلة رخيصة “مذاقًا استثنائيًا”، ويُخضِع المستهلكين لدورة إدمان يوميّة مقنّعة.
لكن السؤال الأخطر هنا ليس: كيف فعل ذلك؟ بل: كيف سمح له المجتمع أن يفعل ذلك؟
5. من المسؤول؟ الدولة أم المجتمع أم الاثنان معًا؟
تقليديًا، تُحمّل الدولة مسئوليّة الرقابة والتتبع والمواكبة والتقييم، لكنها هنا ليست وحدها في قفص الاتهام. فالجمهور ساهم؛ بوعي أو بدونه؛ في حماية المخالفة، وتبييضها اجتماعيًا واقتصادياً وأمنيًا من خلال توفير “شرعية شعبيّة” لها.
إن هذه الحالة تكشف عن شرخ مزدوج:
1. شرخ عمودي: يتجلى في فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات.
2. شرخ أفقي: يتجلى في اختلال قدرة المجتمع ذاته على حماية أفراده من الممارسات المضرة.
وهنا تتولد أسئلة استراتيجية تتجاوز حدود القصة: هل نحن أمام أزمة وعي أم أمام أزمة بنية؟ وهل يمكن للسلطة أن تُصلح ما يتآكل داخل النسيج الاجتماعي ذاته؟ وأي نمط من الدولة يمكنه ضبط اقتصاد الظل والغير مرئياً دون أن يسحق ضروريات العيش عند الفئات الهامشية؟
6. نحو قراءة استشرافية: هل يتكرر “شْعَيْبَة” بأشكال أخرى؟
تكشف القصة أنّ الظواهر الصغيرة قد تكون نُذُرًا مبكرة لتحولات أعمق. “شْعَيْبَة” ليس مجرد بائع؛ إنه علامة على:
* انهيار بوصلات الثقة.
* تلاشي الحدود بين الاستهلاك والإدمان.
* تحوّل الهامش إلى سلطة رمزية جديدة.
* قدرة الاقتصاد الموازي على اختراق النسيج الاجتماعي دون مقاومة تُذكر.
هنا يبرز سؤال استشرافي مفتوح: هل نحن أمام حدث عابر، أم أمام نموذج مرشح للتكرار بصيغ أشد تعقيدًا، في مجالات غذائيّة أو رقميّة أو حتى سياسيّة؟
* خلاصة تركيبّة:
إن “كرّوسة شْعَيْبَة” ليست قصة جريمة فقط، بل نصّ مفتوح على أسئلة الدولة والمجتمع، وعلى فلسفة الثقة، وعلى الأنثروبولوجيا الخفيّة للعادات الغذائيّة في تناول “طعام الزنقة”، كما يحلو للمغاربة تسميّته، وعلى الجيوبوليتيكا الصامتة لاقتصاد المخدرات.
إنّها مجرد تذكير بأنّ الأخطار الكبرى لا تأتي دائمًا من الخارج، بل كثيرًا ما تتسلل من بين الفراغات الدقيقة في الوعي الجماعي.
ولعل السؤال النهائي الذي يجب أن يُقلِقنا هو: كيف نجعل من هذه الواقعة درسًا مؤسسًا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والرقابة والثقة، بدل تركها تتحول إلى فصل آخر من صمتٍ يشرعن الفوضى؟
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





