كرة القدم كهبة إنسانيّة لحظة ودّ عابرة تكشف ما نخفيه: كيف نفرّق بين الهتاف للفريق والهتاف للهوية؟
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
* كرة القدم بين الود الإنساني ومأزق الأيديولوجيا: من الفرجة العابرة إلى سؤال الانتماء الحضاري
تُعدّ كرة القدم، بوصفها الظاهرة الثقافيّة والاجتماعيّة الأكثر انتشارًا في العالم المعاصر، وتشكل حقلًا كثيف الدلالات، لا لأنها لعبة في ذاتها، بل لأنها مرآة تعكس ما يتجاوزها.
غير أنّ الخطأ المنهجي الشائع يتمثل في تحميلها ما لا تحتمل من إسقاطات تاريخيّة، ورهانات آيديولوجية، واستدعاءات صراعية، لا تنتمي إلى منطقها الوظيفي، ولا إلى طبيعتها كفرجة شعبيّة جماهيريّة عابرة في الزمان والمكان.
فكرة القدم، في جوهرها البسيط والعميق معًا، ليست امتدادًا للحروب الصليبيّة ولا لمعركة وادي المخازن، ولا استئنافًا لفتح الأندلس والدعوة إلى استرجاعه، ولا تعويضًا رمزيًا عن احتلال جغرافي، ولا ساحة لتصفيّة حسابات الهويات المتنازعة.
إنها بكل بساطة، لحظة إنسانيّة مؤقتة، يتقاطع فيها الاختلاف تحت سقف اللعب، لا تحت منطق الغلبة الوُجُوديّة.
ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي الأول: لماذا نصرّ، كلما اجتمع الناس على المُتعة، تفسدها بتفجير الذاكرة الصراعيّة بدل تحريرها؟
* من التاريخ المُؤدلَج إلى الحاضر المُثقَل بالرموز
إن استدعاء التاريخ في غير سياقه، وتحويله إلى أداة تعبئة عاطفيّة مشحونة بالحقد والكراهية، داخل فضاءات غير سياسيّة، يكشف عن خلل في الوعي العام بوظيفة الرموز.
فالتاريخ، حين يُستحضر ويستدعى بلا مسافة نقديّة، يتحول من مصدر للفهم إلى وقود للغضب. وهنا لا تكون المشكلة في الذاكرة ذاتها، بل في كيفيّة إدارتها وتدبيرها: هل نستخدمها لفهم تعقيدات العالم، أم لاختزاله في ثنائيّات حادة؟
في هذا السياق، تصبح كرة القدم ضحية فائض المعنى، حيث تُحمَّل بأجناسٍ، وأديانٍ، وصراعاتٍ، وقضايا معيشيّة، لا تملك أدوات حلها.
وهو ما يقود إلى مفارقة كبرى لافتة: فكيف لحدثٍ كونيٍّ يُفترض أن يوسّع دائرة التعارف، أن يُختزل أحيانًا في منطق الاصطفاف والعداء والحقد والكراهية والسب والشتم؟
* الود الإنساني العفوي في مواجهة التنميط المؤدلَج
تجربة التلاقي الجماهيري في التظاهرات الرياضيّة الكبرى؛ كما هو الحال في كأس إفريقيا للأمم المنظم بالمغرب؛ مفروض تقدّم مشهدًا مغايرًا للسرديّات الصداميّة السائدة.
فحين نراقب تفاعلات الجماهير العاديين، بعيدًا عن عدسات التعبئة والتحريض، نكتشف أن الود الإنساني ومبدأ؛ “من ذكر وأنثى وشعوباً وقبائل لتعارفوا” ما يزال قاعدة، لا استثناء. الابتسامة، المشاركة، التعاطف، والانفتاح، كلها مؤشرات على أن عمق المجتمع البشري لم يُفسد بعد.
وهنا يفرض سؤالٌ مركزيٌّ نفسه بإلحاح: من أين تتغذى الصور النمطيّة التي تُحوِّل المختلف فيه إلى تهديد، بينما التجربة الحيّة تُظهر قابليّة عاليةً للتواصل والتعايش؟
الجواب لا يكمن في الإنسان العادي؛ بل في القوى التي تعيد تدوير وإنتاج العالم كحقل صراع دائم لأيديولوجيات مغلقة، وشعبويّات غاضبة، ونخب تُراكم رأس مالها الرمزي عبر توسيع دوائر مناصبة العداء والحقد والغل والكراهية.
* الفرد الغاضب والدولة العقلانية: منطقان متناقضان
يتّضح التباين الجوهري حين نقارن بين منطق الأفراد المؤدلَجين ومنطق الدول. فالفرد الغاضب، المحكوم بالمشاعر والأفكار العاطفيّة الكثيفة، يرى العالم في لونين: أبيض وأسود. الصدام لديه غاية في حد ذاته، والانتصار متخيَّل، مهما اختلت موازين القوّة.
أما الأنظمة السياسيّة للدول، بوصفها كيانًا عقلانيًا براغماتيًا، فتتحرك ضمن حدود الممكن والمنطقي والمتاح، وتشتغل على تأمين وجودها وسيادتها، وضمان أمنها واستقرارها واستمرارها، ونموها وعمرانها.
وهنا يبرز سؤال تحليلي دقيق: لماذا يفترض كثير من الأفراد أن منطقهم الأخلاقي يصلح لإدارة وتدبير تعقيدات السياسة الدوليّة؟
أنظمة الدول لا تتحرك بدافع الحب أو مناصبة أو الكراهية، بل بمنطق المصالح، وبناء الجسور، وتحويل الخصوم إلى شركاء محتملين، أو على الأقل تحييدهم إن هم وجدوا.
وعند اشتداد الأزمات، تتبدل التحالفات، وتنهار خطابات الكراهيّة، بينما يبقى صاحب الأيديولوجيا الكثيفة أسير دهشته المتكررة.
* الأيديولوجيا الكثيفة الشعبويّة العاميّة: من الوعي إلى الغوغاء
الأخطر من الأيديولوجيا المغلقة، هو نسختها الشعبويّة العاميّة، حين تُضخّ في جمهور واسع بلا أدوات تحليل. فهنا لا نكون أمام رأي عام ناقد، بل أمام حشود مشحونة بالغضب، مُزوَّدة بتفسير جاهز للعالم، ومحرومة من القدرة على التمييز. تتحول الجماهير، عندئذ، إلى طاقة هدم، لا بناء.
وهنا يفرض سؤال أخلاقي وسياسي نفسه: من يتحمّل مسئوليّة تحويل المشاعر المشروعة إلى وقود للفوضى الرمزيّة؟
إنها النخب التي تتغذى على الاستقطاب، وتستثمر في القطيعة، وتبني حصونها الفكريّة على أنقاض التعقيد.
* نحو انتماء حضاري يتجاوز منطق التصنيف
في هذا السياق، لا يبدو الرهان الواقعي في “محاربة الانتماءات الصغيرة”، بل في إعادة توجيهها داخل أفق حضاري أوسع.
فالانتماء الحضاري ليس انتماءً عرقيًا، ولا دينيًا صرفًا، ولا وطنيًا ضيقًا، بل هو انتماء إلى رؤية ربّ العالمين للإنسان والعالم، ترى في التعدد شرطًا للعيش المشترك، لا تهديدًا وجوديًا. وترى في (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ؛ إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ؛ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)؛ رحمة واسعة للناس أجمعين.
وهنا تتقاطع السياسة بالفلسفة، والأنثروبولوجيا بالقرآن، في منطق “التعارف” بدل “التصنيف”.
فكيف يمكن تأسيس انتماء مدني لا يمحو الروابط الثقافيّة والمجاليّة، بل يعيد تركيبها؟
وهل التعدد بالضرورة نقيض للوحدة، أم أنه يشكل شرطها العميق؟
وكيف نُربّي على انتماء حضاري قادر على احتواء الوطني والديني والكوني دون أن يحوّل أحدها إلى أداة إقصاء أو تهميش؟
* خلاصة:
تكشف كرة القدم، في بساطتها الظاهرة، عن تعقيدات الإنسان والعالم.
إنها تذكير صامت بأن الود الإنساني سابق على الآيديولوجيا، وأن التعارف أعمق من الصراع.
غير أن تحويل هذه الحقيقة إلى وعيٍ سياسي وحضاري، يقتضي شجاعة وجرأة فكريّة، وقدرة على تفكيك المسلمات، وإعادة بناء الانتماء خارج منطق الغوغاء والدّهماء.
فالمستقبل لا يُصنع بتكثير الخصوم، بل بكسب القلوب؛ لأن المواقف تتبدل، أما القلوب المكسورة فقلّما تُجبر.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





