مبادرة أميركية مثيرة للجدل : “مجلس سلام” جديد لقطاع غزة خارج مظلة الأمم المتحدة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

 

أثارت مبادرة أميركية جديدة، أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الدبلوماسية والسياسية، بعد الكشف عن مشروع لتأسيس كيان دولي جديد تحت مسمى “مجلس السلام”، يُفترض أن يكون قطاع غزة أولى ساحات عمله، وسط مخاوف متزايدة من إعادة تشكيل النظام الدولي بعيدًا عن الأمم المتحدة وأطرها التقليدية.

ووفق معطيات متداولة في أوساط دبلوماسية غربية، فإن الإدارة الأميركية وجهت دعوات إلى قرابة 60 دولة للانضمام إلى هذا المجلس، الذي يُسوَّق على أنه منصة دولية جديدة لمعالجة النزاعات، على أن تبدأ مهمته من قطاع غزة قبل أن تمتد لاحقًا إلى أزمات أخرى حول العالم.

أحد أكثر الجوانب إثارة للانتباه في هذه المبادرة يتمثل في الطابع المشروط للعضوية، إذ تنص مسودة الميثاق على أن عضوية أي دولة لا تتجاوز ثلاث سنوات، مع إمكانية تمديدها فقط بقرار مباشر من الرئيس الأميركي.

غير أن هذا القيد الزمني لا ينطبق على الدول التي تلتزم بتقديم مساهمة مالية تتجاوز مليار دولار خلال السنة الأولى من انطلاق المجلس، وهو شرط اعتبره مراقبون سابقة في العمل الدبلوماسي الدولي، حيث تتحول العضوية من التزام سياسي وأخلاقي إلى امتياز مالي.

ظهرت ردود الفعل على الدعوة الأميركية متفاوتة. فقد أعلنت باكستان، على لسان وزارة خارجيتها، أن رئيس الوزراء شهباز شريف تلقى دعوة رسمية للانضمام إلى المجلس، مؤكدة في الوقت نفسه أن إسلام آباد ستواصل دعم أي جهد دولي يهدف إلى إنهاء معاناة سكان قطاع غزة، شرط أن ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني.

وفي كندا، أبدى رئيس الوزراء مارك كارني موقفًا حذرًا، مشيرًا إلى أن بلاده معنية بتخفيف المعاناة الإنسانية في غزة، لكنه شدد على أن تفاصيل المبادرة، سواء على المستوى المالي أو التنظيمي، ما تزال قيد التقييم والدراسة.

في المقابل، كانت المجر الدولة الوحيدة التي عبّرت بشكل علني وصريح عن ترحيبها بالمبادرة، حيث اعتبر رئيس وزرائها فيكتور أوربان الدعوة “تشريفًا”، في موقف ينسجم مع علاقته الوثيقة بالرئيس الأميركي.

أما دول أوروبية كبرى، من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى أستراليا وعدد من دول الشرق الأوسط، فقد التزمت الصمت الرسمي، في وقت عبّر فيه دبلوماسيون بشكل غير معلن عن قلقهم من تداعيات هذه الخطوة.

لكن التحفظات الدولية لا تتعلق فقط بالجوانب المالية أو الإجرائية، بل تمتد إلى جوهر المبادرة. فقد حذر دبلوماسيون غربيون من أن “مجلس السلام” قد يشكل نموذجًا بديلًا للأمم المتحدة، يعمل وفق رؤية أحادية ويُفرغ النظام الدولي القائم من مضمونه.

ووصف أحدهم المشروع بأنه “أمم متحدة بنسخة ترامب”، حيث تتركز الصلاحيات في يد واحدة، وتُهمّش القواعد التي تأسس عليها العمل الجماعي الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تزيد هذه المخاوف حدة مع ما ورد في مسودة الميثاق من أن الرئيس الأميركي سيكون الرئيس الأول للمجلس، ورئيسه مدى الحياة، مع منحه صلاحيات حصرية في توجيه الدعوات، والمصادقة على القرارات، واعتماد الختم الرسمي للمجلس.

ورغم الإشارة الشكلية إلى أن القرارات تُتخذ بالأغلبية وبمبدأ صوت واحد لكل دولة، إلا أن احتفاظ الرئيس الأميركي بحق الحسم النهائي يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية هذا الكيان وشفافيته.

بالمقابل و حسب الرؤية الأميركية، سيكون قطاع غزة أول اختبار عملي لهذا المجلس، ضمن خطة أوسع أعلنتها واشنطن بالتوازي مع تشكيل لجنة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة شؤون القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، في إطار ما تسميه الإدارة الأميركية “المرحلة الثانية” من خطتها لإنهاء الصراع.

وقد أكد ترامب في تصريحات صحفية أن المجلس سيبدأ عمله من غزة، قبل أن يتوسع تدريجيًا للتعامل مع نزاعات أخرى، معتبرًا أن النموذج قابل للتعميم عالميًا.

بين من يراها محاولة لإعادة هندسة النظام الدولي، ومن يعتبرها التفافًا على الأمم المتحدة وشرعيتها، تبقى مبادرة “مجلس السلام” مشروعًا مثيرًا للانقسام، في وقت لا تزال فيه غزة غارقة في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم.

ويبقى السؤال الأبرز: هل سيكون هذا المجلس أداة حقيقية لإحلال السلام، أم مجرد كيان جديد يعكس موازين القوة أكثر مما يعكس مبادئ العدالة الدولية؟

إذا ما علينا إلا أن ننتظر، وأن نراقب كيف ستترجم هذه المبادرة على أرض الواقع، وما إذا كانت ستتجاوز الإعلانات السياسية إلى خطوات ملموسة تخفف معاناة غزة، أو ستظل حبيسة النصوص والرهانات الدولية المتشابكة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...